نصوص

'ازدهار' اقتصادي موهوم في تونس مقابل 'ازدهار' سياسي موهوم بالمغرب

تابع العالم أجمع خلال الأيام القليلة الماضية، التحركات الاجتماعية التي عرفتها الجارة تونس، والتي كشفت بشكل واضح حقيقة "التنمية" التي تعرفها هذه الدولة المحكومة بقبضة حديدية منذ "التحول" الذي عرفته قبل أزيد من عقدين.عندما كانت بعض الأصوات تتحدث عن أن تونس تعيش حالة من الرخاء الوهمي والصوري الذي سرعان ما سينكشف أمام أول

0
6 يناير 2011
مصدر الوثيقة:
الحوار نت
مشاركة

مولاي التهامي بهطاط

 

 

تابع العالم أجمع خلال الأيام القليلة الماضية، التحركات الاجتماعية التي عرفتها الجارة تونس، والتي كشفت بشكل واضح حقيقة "التنمية" التي تعرفها هذه الدولة المحكومة بقبضة حديدية منذ "التحول" الذي عرفته قبل أزيد من عقدين.

عندما كانت بعض الأصوات تتحدث عن أن تونس تعيش حالة من الرخاء الوهمي والصوري الذي سرعان ما سينكشف أمام أول امتحان، كان البعض حتى عندنا في المغرب لا ينفك عن التبشير بالنموذج التونسي، وعن النفخ في هذه "المعجزة"، خاصة بعد نجاح السماسرة التونسيين المنبثين في الفنادق المصنفة، في تحويل وجهة كثير من المستثمرين الأجانب الذين تعب المغرب في استقطابهم، قبل أن يحولوا الاتجاه غرباً، رغم أن الأمر لم تكن له علاقة لا بعرض استثماري أحسن ولا بإغراءات تحفيزية أو إعفاءات ضريبية، بل فقط بفضل القبضة الحديدية والبوليسية التي تجعل التحركات الاجتماعية من المحرمات، عكس ما كان عليه الحال في المغرب ولازال حيث يمكن لأبسط مياوم أن يوقف العمل حتى في فرع شركة عابرة للقارات، فقط إذا لم ترقه سحنة "الباطرون"..ذات صباح..

الوهم الذي صدقه البعض من خلال ما اعتبره "طفرة اقتصادية تونسية" أغفل أن هذا البلد كان أكبر مستفيد من الحصار الذي فُرض على ليبيا طيلة سنوات، ومن "العشرية السوداء" التي مرت بها الجزائر، حيث وجدت المقاولات التونسية نفسها أمام سوقين عملاقين مستعدين لابتلاع كل ما يقدم لهما..وهو الوضع الذي تغير بعد ذلك بمجرد عودة الجماهيرية إلى الوضع الطبيعي وفتح أسواقها أمام الشركات العالمية التي لا مجال لمنافستها، وبمجرد طي صفحة الحرب الأهلية في الجزائر فضلا عن العائدات القياسية من مبيعات النفط، التي جعلت تونس هنا أيضا تجد نفسها خارج اللحظة التاريخية..

هذا جزء من الأسباب، أما البقية فتتمثل في الجانب السياسي، حيث ظلت هذه الدولة نموذجا للانغلاق، إلى درجة أنها من القلائل في العالم التي مازال رئيسها يفوز على نفسه في كل استحقاقات بأرقام مثيرة للضحك إن على مستوى نسبة المشاركة أو على مستوى عدد الأصوات المحصل عليها.

وباختصار، لقد اكتشف الرأي العام المغربي والمغاربي والعربي والعالمي، أن تونس لم تعد خضراء كما كان يصورها إعلام الحزب الوحيد، وأن الحقيقة تنتصر في النهاية، فهناك فقر وتهميش ومناطق شاسعة منسية، وهناك حاملو شهادات جامعية يسترون بطالتهم بمهن هامشية، وأن الإنسان بلغ به الضيق في هذا البلد حد إشعال النار في جسده..

ربما يتعامل إخواننا "التوانسة" مع هذا الكلام بحساسية، كما فعلت أحزاب "المعارضة" مع قناة "الجزيرة" التي يبدو أنها أصبحت العدو رقم واحد من الكويت إلى الرباط مرورا بما بينهما، وكأنها هي التي حركت المحتجين في سيدي بوزيد وما جاورها...

لكن عليهم ألا أن يقرأوا  هذا الكلام حتى النهاية..

فنحن أيضاً في المغرب تاجرنا في الوهم طيلة سنوات، لكنه وهم سياسي وليس اقتصادياً، فكانت محصلته ما نراه اليوم من حرائق صغيرة تشتعل في الحسيمة وكلميم وطاطا والعيون وتنغير..واللائحة طويلة.

صحيح أن المطالب اجتماعية واقتصادية بالدرجة الأولى، لكنها في عمقها سياسية..ففي المحصلة هناك سياسة اجتماعية وسياسة اقتصادية..ولا يوجد بلد على وجه الأرض يعيش استقراراً اجتماعيا واقتصاديا دون أن تكون سياسته بخير..

طيلة أكثر من شهرين، ونحن نصبح ونمسي في المغرب على اتهامات متبادلة بين الأحزاب، على تعمد إشعال الحرائق هنا وهناك، لتصفية بعض الحسابات الصغيرة..

وطيلة أكثر من سنة نصف ولا حديث للصحف إلا عن الدسائس والانقلابات التي تعرفها المجالس الجماعية، إلى درجة أنه لم يعد أحد يفهم أي شيء في هذه الخلطة، التي يصر البعض مع ذلك على اعتبارها تتويجاً لـ"انتقال ديموقراطي"، أو نتيجة مشرفة لجهد وعمل متواصلين على الأقل منذ عقد من الزمن..

يمكن لأي كان أن يتابع التدبير المحلي في جميع الدول الأوروبية، بما أننا أصبحنا نتوفر على وضع متقدم لدى الاتحاد الأوروبي، ونتطلع لأن نحوز على عضوية ناديه الديموقراطي..

ففي جميع هذه الدول وبدون استثناء، بمجرد ما يتم إعلان نتائج الانتخابات البلدية، وتتضح معالم الأغلبية والأقلية، ينصرف الجميع لعمله: الأغلبية لتدبير الشأن المحلي، والأقلية لممارسة المعارضة البناءة في انتظار الجولة القادمة..

بعبارة أخرى، لا تستمر المعركة الانتخابية إلى ما لا نهاية، ولا تتغير موازين القوى صباح مساء، ولا يجري الرئيس ويجاري للملمة شتات أغلبيته، فالوقت لا يسمح بهذا النوع من الصبيانيات، والرأي العام لن يقبل إطلاقاً بأن تتعطل المصالح البلدية، فقط، لأن المنتخبين يتصارعون على تفويضات التوقيع، أو على سيارة الجماعة المهترئة، أو على تليفونها أو بسبب كذا لتر من "المازوت"..

والناس في هذه الدول يركزون على الانتخابات البلدية أكثر من تركيزهم على الانتخابات البرلمانية أو حتى الأوروبية، لأنهم يدركون أن أرقى أشكال المشاركة السياسية هي الديموقراطية المحلية، بسبب اللامركزية من جهة، وبسبب التصاق الأمر بمصالحهم اليومية المباشرة من جهة ثانية..

لقد بلغ الأمر عندنا حد إشعال حرائق هنا وهناك، في إطار الحرب المستمرة على المواقع، منذ انتهاء الانتخابات الجماعية، وحبذا لو تطلعنا وزارة الداخلية على عدد الجماعات التي قدمت لحد الآن مخططاتها التنموية كما ينص على ذلك الميثاق الجماعي بعد تعديله، لأن من شأن ذلك أن يغنينا عن كثير من التحليلات والتعليقات، فالمنتخبون المحليون لهم اهتمامات أخرى غير تلك التي يفترض أنهم انتخبوا من أجلها، بل ما إن يجد أحدهم منفذا إلى وسائل الإعلام حتى يحمل المسؤولية للبشر والحجر، بما أنه هو فوق أية مساءلة..

جاء في المادة 36 من الميثاق الجماعي ما يلي:يدرس المجلس الجماعي مخطط التنمية الاقتصادية والاجتماعية للجماعة ويصوت عليه طبقا لتوجهات وأهداف مخطط وطني ولهذه الغاية يضع برنامج تجهيز الجماعة في حدود وسائلها الخاصة والوسائل الموضوعة رهن إشارتها، ويقترح كل الأعمال الواجب إنجازها بالتعاون أو بشراكة مع الإدارة والجماعات المحلية الأخرى أو الهيآت العمومية.

يقوم بجميع الأعمال الكفيلة بتحفيز وإنعاش تنمية الاقتصاد المحلي والتشغيل ولهذه الغاية يتخذ كل التدابير التي من شأنها المساهمة في الرفع من القدرات الاقتصادية للجماعة خاصة في مجالات الفلاحة والصناعة التقليدية والسياحة والخدمات.

يقوم بالأعمال اللازمة للإنعاش وتشجيع الاستثمارات الخاصة ولاسيما إنجاز البنيات التحتية والتجهيزات وإقامة مناطق للأنشطة الاقتصادية وتحسين ظروف المقاولات، ويبت في شأن مساهمة الجماعة في المقاولات وشركات الاقتصاد المختلط ذات فائدة جماعية أو ذات الفائدة المشتركة بين الجماعات والعمالات والأقاليم والجهات...

وكما هو واضح من الصياغة، فإن المجالس الجماعية هي المسؤولة الأولى عن التنمية المحلية، لكن أنى لها ذلك والحال أن هناك من هو مستعد لإحراق الجماعة بمن وما فيها للحصول على رئاسة لجنة أو تفويض بالتوقيع؟

إن ما حدث في تونس خلال الأيام القليلة الماضية، مرجعه أولا وأخيراً إلى غياب الديموقراطية المحلية تحديداً، وما يحدث في المغرب اليوم مرده إلى تشويه الديموقراطية المحلية، والنتيجة كما -هو واضح- واحدة..

في تونس كان هناك "ازدهار" اقتصادي موهوم وليد ظروف تاريخية عابرة، وفي المغرب هناك "ازدهار" سياسي موهوم أيضاُ، هو حصيلة مجموعة من التجارب غير الناضجة وغير المؤسسة على أسس متينة..

ولا أدري ما الذي يدعو للفخر، حين نكتشف في النهاية أننا نقف في نفس الخط مع جارتنا تونس التي لم تتصالح مع حاضرها فأحرى ماضيها، ومازالت المعارضة فيها ممنوعة، وكل الحريات مصادرة؟

 

   موقع هسبراس

جميع الحقوق محفوظة لمنصة الذاكرة 2026 ©