نصوص

احزاب سياسية على الهواء

قبل ما يقارب العقدين من الزمان، اخترقت الفضائيات العربية محرمات سياسية واجتماعية في العالم العربي، وبعثت الدهشة في وجوه المشاهدين وهم يتابعون برامج تتجاوز الخبر البروتوكولي الرتيب، إلى انقلاب في الساحة الإعلامية، لتعلن ولادة إعلام من نوع آخر. واليوم تعيد هذه الفضائيات الإخبارية ولادة نفسها جزءا من الجدل السياسي الدائر في العالم العربي، وأكثر

0
20 مارس 2010
مصدر الوثيقة:
الحوار نت
مشاركة

قبل ما يقارب العقدين من الزمان، اخترقت الفضائيات العربية محرمات سياسية واجتماعية في العالم العربي، وبعثت الدهشة في وجوه المشاهدين وهم يتابعون برامج تتجاوز الخبر البروتوكولي الرتيب، إلى انقلاب في الساحة الإعلامية، لتعلن ولادة إعلام من نوع آخر.


واليوم تعيد هذه الفضائيات الإخبارية ولادة نفسها جزءا من الجدل السياسي الدائر في العالم العربي، وأكثر تجذرا في الصراع الدولي والإقليمي، بين مؤيد لهذا المعسكر أو ذاك.. وعلى الصعيد المحلي، تؤدلج أنصارها كل حسب ميوله الطائفية أو انتماءاته العقائدية.

وتنامى الدور الإعلامي في خضم التشاحن الإقليمي الساخن، ليصبح بعض هذه الفضائيات ناقلا مثاليا لتيارات فكرية، ومتمثلا للأحزاب السياسية العربية التي لطالما كانت محدودة في تأثيرها، فأخذت على عاتقها مهمة التلقين والتأثير في المتلقي من حيث التركيز على فكرة، ودحض أخرى.. إلى أن يتم ترسيخ قناعة ما في ذهن المشاهد.

وإذا كان دور الأحزاب السياسية قد تمحور في السابق حول كيفية تأطير أيديولوجية يسارية أو يمينية ضمن هيكل تنظيمي واضح وسط عدد من الأتباع الذين يخضعون لعملية تثقيفية مكثفة تضمن الولاء للمعتقد، فإن الفضائيات العربية وإن لم تؤد هذا الدور بصورته المطلقة، إلا أنها أضحت قادرة على إعمال التغيير الفكري، وحشد الأتباع، والتأثير في المواقف السياسية للحكومات، متبنية دورا حزبيا مفرطا في الانحياز وإن بدا أن مواثيق العمل المهني الإعلامي تقتضي الحياد والاستقلالية.

وكما كان العهد بالأحزاب السياسية ارتهانها لإملاءات خارجية، أو استحواذ داخلي، لتصبح جسرا للتدخلات، أو مطية الأنظمة الحاكمة في تشكيل ائتلافات ظاهرية تعطي الشرعية لها، فإن الفضائيات أكثر دهاء، وأوقع تأثيرا لاتصالها المباشر بالمشاهد، ومزاحمته غرفته وأوقات فراغه، لتتحول إلى إعلام ذكي يبدو مستقلا يضفي عفوية في عملية التلقين الخبري، ويمنح الخبر مصداقية تنطلق من قدرة المشاهد على الاختيار ضمن قوائم جهاز الاستقبال المتصل مباشرة بالأقمار الصناعية، فضلا عن أن الفضائيات تخضع لهيمنة القطاع الخاص أو شروطه الأمر الذي يجعل من ولوج غرفة التحرير رهنا برأس المال.

الحرية التي يتمتع بها المشاهد في تتبع الآراء السياسية في أكثر المواضع خصوصية، في منزله وبين أسرته وأصدقائه، تكفل للإعلام نفاذا حادا إلى الصورة التي تتشكل في مخيلة المشاهد حيال الأحداث.. لهذا وجدت التيارات الفكرية ملاذا آمنا في الفضائيات، ومساحة جديدة للمناورة والمناكفة التي لم تعد متوافرة في مؤتمرات الأحزاب السياسية التي فقدت منذ زمن زخمها وقدرتها على تحريك الشارع.

وعلى العكس، تجد الأحزاب السياسية الغربية في الإعلام وسيلة بين العديد من الوسائل للتعبير عن مواقفها، والتدليل على أدائها ضمن عملية ديمقراطية متكاملة يشكل فيها الفضاء التلفزيوني مرآة عاكسة ليس أكثر، ومؤشرا لأداء الحكومات وحكومات الظل، حتى وإن استخدمت كوسائل إقناع إلا أنها تبقى جزءا من عملية متكاملة تدخل فيها استحقاقات تداول السلطة، ودور مراكز البحث ومؤسسات صناعة القرار.

وإن بدت فكرة حرية تناقل الآراء منبرا للتغيير في العالم العربي، إلا أن الاعتماد الكلي على أنصاف الحقائق لا يمكنه أن يدفع باتجاه رأي عام واضح ومتزن بالقدر الذي يمعن في تأجيج صناعة الاختلاف والفوضى التي باتت سمة الحرية الزائفة التي يتمتع بها منظرو فكرة ما في برنامج ما لمدة خمس وأربعين دقيقة تنتهي جدواها في اللحظة التي يعلن فيها مقدم البرنامج الانتقال إلى فاصل إعلاني.


جميع الحقوق محفوظة لمنصة الذاكرة 2026 ©