نصوص
اجتياز الوهن
اجتياز الوهن نتوقّف في تحليلاتنا للثورات العربيّة - منصفين في تنسيب أسبابها وغير منصفين – عند أهمّ ثمرة من ثمارها وهي المتمثّلة طبعا في إزاحة بلهاء حكّام العرب الظلمة الفاسدين الذين سُمّوا اصطلاحا طواغيت!... فقد كانوا حقّا سبب خراب العمران وتغوّل الظلم وتأخّر العلم ونفور المروءة من الديار وانتعاش الرّذيلة فيها وفساد الأخلاق وكثرة الموبقات وغياب الحرّيات وسوء الجوار وشيوع الفاحشة وانتشار الخبث، فجاءت الثورات داعية إلى الأخلاق وإلى ترك المنكرات والعيش بكرامة في إطار الحرّيات على أرض طهّرها الشهداء
- 18 سبتمبر 2011
- مصدر الوثيقة:
- الحوار نت
0
اجتياز الوهن نتوقّف في تحليلاتنا للثورات العربيّة - منصفين في تنسيب أسبابها وغير منصفين – عند أهمّ ثمرة من ثمارها وهي المتمثّلة طبعا في إزاحة بلهاء حكّام العرب الظلمة الفاسدين الذين سُمّوا اصطلاحا طواغيت!... فقد كانوا حقّا سبب خراب العمران وتغوّل الظلم وتأخّر العلم ونفور المروءة من الديار وانتعاش الرّذيلة فيها وفساد الأخلاق وكثرة الموبقات وغياب الحرّيات وسوء الجوار وشيوع الفاحشة وانتشار الخبث، فجاءت الثورات داعية إلى الأخلاق وإلى ترك المنكرات والعيش بكرامة في إطار الحرّيات على أرض طهّرها الشهداء بدمائهم الزكيّة الغالية!... ولكنّ شيئا أراه أهمّ بكثير من هزيمة الظلمة وأدعو إلى التوقّف عنده طويلا تصديقا لسيّدنا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم واعتبارا لقيمته، إذ لولاه ما صمد متظاهرٌ أو معتصمٌ أو مستقبلٌ بصدره العاري رصاص الفاسقين أو راغبٌ في حرّية أو مدافعٌ عن قضيّة، ذلك هو "اجتياز عتبه الوهن" الذي كبّلنا سنين طويلة وعقود متوالية!... فباجتياز عتبته قبلت النّفس – وقد كانت تكره الموت - أن تموت في سبيل الله ثمّ في سبيل قضيّتها وبلادها وتعوّدت العين على رؤية الموتى بالشوارع وهي تحسبهم شهداء أحياء تماما كما صحّ عن رسولها صلّى الله عليه وسلّم "مَنْ قُتِلَ في سَبيلِ الله فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ مَاتَ في سَبيلِ الله فَهُوَ شَهِيدٌ"، فلا تكترث كثيرا لما جلب الظلمة من خيل وركاب ولما جيّشوا من جيوش أو جمّعوا من معدّات... حرص النّاس على الموت فردّدوا الشعارات القديمة القادمة من دنيا الرّجولة والشهامة والإيمان التامّ بالله تعالى "عش عزيزا أو مت وأنت كريم بين طعن القنا وخفق البنود..."، فوهبت لهم الحياة، أيقن عدّوهم ذلك أم تردّد، استمرّوا في هذه الدنيا أم رحلوا عنها أبطالا "وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ"... فهم أحياء مكرّمون وإن أحرقهم القذّافي لعنه الله في المستودعات التي جعل منها أفرانا بشريّة... هم أحياء وإن ألقى بهم زبانيّة بشّار الفاسدون لعنهم الله في النهر ومنعوا النّاس من انتشالهم... هم أحياء وإن تصيّدهم قنّاصة صاحب التغيير أو مبارك أو صالح أو غيرهم من الكلاب!... يرزقون من غير الرّزق الذي أراد به التافهون تقييد حرّياتهم وإذلالهم... يرزقون من غير صندوق 26 / 26 ومن غير صندوق 21 / 21 ومن غير برامج التنمية الرّيفية أو برامج فرحة الحياة التي صنعت من الطواغيت أصناما خاصم بها الملأ الفاسق الله في علاه، كما نسمع عن أهلنا في سوريا وكيف يريد الملأ النّتن من العلويين المشركين إجبارهم على السجود لعييٍّ أسعفه القوم بتحوير دستور البلاد لاعتلاء هامات أهل البلاد!... كان لا بدّ من اجتياز عتبة الوهن كي يصغر الصغير الذليل ويكبر الكبير، كي يثمَّن الثمين ويُمتهَن البخس، كي نصل إلى شاطئ الحياة ونفرّ من الموت بالموت... حكّام كانوا محاطين بالمهابة فباتوا أذلّة فارّين خانسين مقهورين مسجونين محاكمين محروقين سود وجوههم بشعة نواصيهم، وأناس كانوا مظلومين مُداسًا على رقابهم مسجونين معطّلين فباتوا سادة – وقد كانوا بضعفهم سادة – عاملين على رقيّ البلاد وعزّتها وكرامتها وأخلاقها... كان لا بدّ من قلب الأوضاع السابقة لأنّ استمرارها هو سبب الهزيمة وتكالب الدول علينا وتعدّيهم الصارخ على حقوقنا واغتصابهم لأراضينا ومقدّساتنا، وهو سبب ذهاب ريحنا ونحن كثير كما بيّن لنا ذلك سيّد الخلق قبل أربعة عشر قرنا، فما عزا صلّى الله عليه وسلّم ضعفنا لقلّتنا بل قال: "بل أنتم يومئذ كثير" ونحن اليوم كذلك لا نعدم عددا؛ ولكنّه عزا الضعف لنوعيتنا فوصفنا بأنّنا "غثاء كغثاء السيل"، بلا وزن وبلا قيمة، لأنّنا تركنا قلوبنا مشهرة أبوابها للوهن فاحتلّها الوهن وسيطر عليها فأحببنا الدّنيا وتعلّقنا بها فدنونا كما دنت وقلّت قيمنا أقلّ ممّا قلّت قيمتها!... اجتياز عتبة الوهن (حبّ الدنيا وكراهيّة الموت) هو العنصر المهمّ في الثورات العربيّة، لأنّه لن يكتفي بقلب الأنظمة أو إجبار الطواغيت على الفرار فقط، ولكنّه سوف يكون بإذن الله العامل النّشيط في طرد المستعمر والقضاء على الكيانات اللقيطة مهما كانت وأهمّها الكيان الصهيوني البغيض. ولعلّ هذا المعطى هو ما يفسّر الاهتمام المبالغ فيه من طرف الغرب بفهم هذه الموجات العربيّة (الرّبيع العربي) والعمل على إيجاد ما يعاكسها من ثورات (الخريف العربي) للحدّ من مدّها وعملها الإيجابي المؤذن بنهاية تداعيهم علينا كتداعي الأكلة إلى القصعة!... لذلك وجب علينا جميعا درء الوهن في المستقبل والنّظر إلى الدنيا بما هي أهل له (لا تعدل عند الله جناح بعوضة) والنّظر كذلك إلى الموت والحياة بعين القلب السليم، فلعلّ موتا كان حياةً أبديّة كريمة ولعلّ حياة كانت موتا مذهبا للقيمة!... والله من وراء القصد عبدالحميد العدّاسي الدٌّنمارك في 18 سبتمبر 2011