إيران في الخليج العربي : راع أم ذئب ...أم الاحتمال الخامس؟
الناصر الهاني إنّ من يتفحص الواقع الجيوسياسي الراهن في منطقة الخليج العربي ، مع فوارق التسمية ( الخليج الفارسي ) ، يلحظ وجود أقطاب فاعلة ترغب في زعزعة الأوضاع ، لا بمنطق البحث عن حال حقوقي أفضل ، ولا رغبة في الانعتاق والتحرر، بل بمنطق المصالح المذهبية الضيقة . فالنّاظر من خارج المنطقة قد يخطئ فيسحب عليها ما ينسحب على ما يجدّ من حراك في بلدان المغرب العربي ومصر وسوريا . والحال أن بونا شاسعا يظل يفصل المنطقتين فصلا بائنا لا شبهة فيه . علما وأن ما يصح بشأن اليمن لا يمكن أن يصحّ بشأن كتلة مجلس التعا
- 3 يونيو 2011
- مصدر الوثيقة:
- الحوار نت
الناصر الهاني
إنّ من يتفحص الواقع الجيوسياسي الراهن في منطقة الخليج العربي ، مع فوارق التسمية ( الخليج الفارسي ) ، يلحظ وجود أقطاب فاعلة ترغب في زعزعة الأوضاع ، لا بمنطق البحث عن حال حقوقي أفضل ، ولا رغبة في الانعتاق والتحرر، بل بمنطق المصالح المذهبية الضيقة . فالنّاظر من خارج المنطقة قد يخطئ فيسحب عليها ما ينسحب على ما يجدّ من حراك في بلدان المغرب العربي ومصر وسوريا . والحال أن بونا شاسعا يظل يفصل المنطقتين فصلا بائنا لا شبهة فيه .
علما وأن ما يصح بشأن اليمن لا يمكن أن يصحّ بشأن كتلة مجلس التعاون الخليجي لاعتبارات كثيرة ، منها ما وفرته هذه الوحدة من استقرار على الأقل في مستوى كلفة العيش اليومية ، ومقادير الدخول ، واحتمالات الأنصبة من الريع العام وإن كانت متفاوتة ، ولكنها لن تصل إلى مستوى ما تعيشه البلدان الأخرى المذكورة سلفا من حرمان وتهميش وفاقة . وهذه الأقطاب الفاعلة ومن غريب الصدف أنها تختلف في الرؤى والإيديولوجيا والمعتقد لكنها تتفق في الهدف النهائي المزمع حدوثه بهذه الرقعة دون غيرها . ولعلي هنا أجمع هذه الأقطاب في ثالوث الديانات الموحدة دون غيرها : أمريكا ومن دار في فلكها المسيحي، والكيان الصهيوني ، وإيران المنضوية تحت لواء الجمهورية الإسلامية، وإن كانت أدوار الأولين ظاهرة ومعلنة لا حديثا بل قبل سايكس بيكو وبعده وبأجندات الإمبريالية بكل تصنيفاتها فإن أدوار إيران الثورة تظل غائمة ورجراجة إلى أن بدأت تتوضح وتفضح نفسها طوعيا . فالجار المسلم يعول كثيرا على عامل الفرقة المذهبية ، وتحريك المنطقة بيد غير يده . ويخوض حربا إستراتيجية ونتائجها رابحة في كل الأحوال، لأنّها تدورخارج أرضه . فهذا كمن يمضغ الحنضل بأضراس غيره، وفي حنك يرجو له المرارة . وينتظر بالنهاية طحينا منقى ومصفى ، دون خوض غمار العنت ، وأدران الغبار. فهو اللاعب المرتاح ، والمنتصر الواثق من ربحه دون غبش ولا ريبة . فما حقيقة أدوار إيران في المنطقة ؟
ولم إن كانت هذه الأدوار مشبوهة؟
عرفت إيران بعيد ثورتها التي قادها الخميني - بعد أن تضعضع حكم الشاه محمد رضا بهلوي- انتشارا منقطع النظير ، ومدافعين عن توجهاتها حتى عند فصيل من اليساريين - رغم أن أعداء الشاه كانوا تصنيفين متدينين ويساريين - وارتأت المخابرات الأمريكية أن تمكن الشاه وأتباعه خوفا من تمدد اليسار والإتحاد السوفياتي في منطقة النفط بالخليج . و تجاوز مد الثورة حدود آسيا ليصل الصدى لأمريكا اللاتينية . وأحرجت جيرانها بما اعتُبر يومها انتصارا على الظلم وخوض تجربة رائدة خرجت بموجبها إيران من بيت الطاعة الأمريكية ظاهريا . ولم يكن تمردا بيّنا على طاعة العم سام إلا بعد أن قام أتباع الخميني بتصفية كبارضباط الجيش الإيراني وجهاز السافاك الذي كان ربيب جهاز المخابرات الأمريكية . وبعد الحوادث المفجعة للسفارتين الأمريكية والصهيونية لتصنع مجدا ذاتيا خالصا . وسرعان ما تحول هذا الحلم إلى كابوس تصدير الثورة. وهذا التصدير كانت له كلفته ، وتزيّى بزيه الطائفي . وصارت إيران تتصيد المآسي لتحل ضيفا مبجلا يقترح حلوله ويفرض رؤاه . وكان هذا التصدير في بداياته غير مكشوف الانشداد الكلي للمذهب . بل كانت يافطته " لاسنيّة ولا شيعية بل هي إسلامية " . واستطاع هذا المد أن يبلغ
" جمهورية القمر" و " السودان " وبعض " أقطار المغرب العربي". واستقر بكل وثوق في
" لبنان" و"سوريا" . وإن كان في الأخيرة لا يرجو الانتشار بل التحالف الإستراتيجي مع مذهب خصم لمذهبها وإن كانا في الظاهر يتكاملان . والحالة السورية فريدة بكل تفصيلاتها . فالأقلية العلوية والتي تنتسب ظاهرا للمذهب الشيعي تتنافر تنافرا واضحا مع الإثني عشرية وولاية الفقيه التي تحرك دواليب الحكم في السفينة الإيرانية الصفوية الجديدة . وبعد هذا التفسير يحق للقارئ أن يسأل ما فِعل الثورة على الأجوار العرب ، وخصوصا كتلة "مجلس التعاون الخليجي" ؟
بعد تورطهما في حرب طاحنة استنفرت كل من العراق وإيران حلفائهما لتحقيق توازن إستراتيجي ، ولكسب التأييد وتغيير الموازين الواقعية لحرب هذه السنوات . علما وأن هذه الحرب ليست هي الاحتكاك الأول بين الجارتين . فلقد سبقته احتكاكات أخرى تخبو وتظهر بحسب المتطلبات العالمية ودوافع السياسة . وكان آخرها التطاحن الذي انتهى بموجب وساطة هواري بومدين بين الشاه وصدام حسين حول خط التالوك الذي يقسم شط العرب . ولكن في الحرب الأخيرة انحازت بلدان المجلس حديث التكوين ( فيفري1981) للعراق ، وعدّته البوابة الشرقية . وبهذا صارت المواجهة واضحة . ولكن ماذا بمقدور إيران أن تفعله لهذه البلدان وهي تعاني من حمى الجبهة ؟
يبدو أن لا حيلة لإيران غير الحيلة المذهبية . ولا إستراتيجية تنفع مع هذه الرقعة غير التهديد بهذه الورقة كلما استقرت أوضاعها . وتُبطل مفعولها إذا توسلت ديبلوماسية العرب على أبواب طهران ، ورغبوا في التقارب مع الجار العنيد الذي يحرك أجزاء اللعبة من وراء ستائر تمنع ظهور طيفه وخياله . فهو في الوقت ذاته يبدو عدوا لمصالح أمريكا ، لكنه يهيء لها كل الظروف المناسبة لدخول المعمعة ، وتكفيه هي أية خسائر لتقدم له ضحاياها حتى يعمل فيهم بمشرطه عملياته القاتلة للمذهب السائد . وتزرع مذهبها في المفاصل التي لا تزرع والخلايا التي لا تعوض كما الشأن في أفغانستان والعراق . وبهذا يتكامل العدوان الحميمان . وإن كانت إيران في غير دول الجوار قد زرعت المذهب ، ووفرت له الأرضية . فإنها في دول هذه المنطقة توليه عناية النماء ، وتسقيه بما تراه يخدم مصالحها . واستطاعت أن تجعله مُنبَتّا عن واقعه العربي بعد أن قضت على كل إمكانيات ظهور مرجعية عربية لتكون ولاية الفقيه في قم وطهران لا في غيره من أماكن الاعتقاد المذهبي التاريخية ، والتي تصل إلى حد القداسة عند أتباع المذهب ككربلاء والنجف . بل سعت إلى تحجيم المرجعية العربية الوحيدة التي حازت ثقة طائفة أخذت في النمو وأقصد هنا المرحوم "فضل الله" الذي ألصقت به إيران كل الشنائع ليخلو الجو لمراجعها ، وتعلو عمائمها كل العمائم . وبهذا يبدو دورها في هذه المنطقة مشوبا بإحراجات كثيرة . ففي الوقت الذي تدافع فيه عن الحوثيين وسكان المنطقة الشرقية من المملكة السعودية وغيرها، نراها لا تنبس ببنت شفة بما يجد في سوريا ولبنان إذا كان الفاعل من توابعها . وهي بهذا تلعب أدوارا ظاهرها المذهب لكن باطنها الانتماء الإتني والقومي الذي يسعى الفاعلون في مسرح السياسة إلى إحيائه لمجابهة العثمنة التركية والخلجنة العربية . لكن الغريب المرتكب من الفرس أن تؤسلم الكسروية ، وتدهن بأصباغ الدين ، وتقمط بلفائف المرجعية ، وعمائم العلماء ، وتعصم من الزلل بتعلات الانتماء للآل وقرابة بيت النبوة . فتكون حقوق الجيرة غطاء ظاهرا يلعب به الذئب دور الراعي . وقد تتعدى الأدوار الاحتمالين لأن جمعهما ممكن إذا ما " لايجوع الذئب ولا يشتكي الراعي". بل إن إيران لا تبتغي هذه الحلول التي تعورفت لتعرّج بما تفعله راهنا على الاحتمال الخامس الذي يجمع كل المتناقضات ويصب في بوتقة الدسائس . ولعل إقالة نجاد لبعض قادة المخابرات في الآونة الأخيرة لفشلها في إنجاح بعض التحركات بالمنطقة دليل على مانقول . ويصبح ساعتها النووي الإيراني هو جرس الدرس الذي يجمعها مع طلاب الصف العالمي الذي ينظر إلى هذه المنطقة العربية نظرة الناهب الذي يجمع كنوزها دون رادع ولا ناه . ونخشى أن يتمدد فعلها في أصقاع أخرى . لأننا نشتمّ هذه الأيام دعاء من أبناء جلدتنا للمراجع والأسياد بدوام الظل وقداسة السر وطول القامة . وبهذا سنوسم على خراطيمنا بهذا الداء الذي لطالما اكتوت به منطقة الخليج ولا زالت . ويظل ساعتها الفاعل واحدا يحرك الدّمى من بعيد وتدور الطواحين لصالحه دون جهد وعناء.
مساء3/6/2011م