نصوص

إلى متى ترفض السلطة الحوار مع الإسلاميين؟ بقلم رشيد خشانة

شيد خشانة توجت الحكومة الليبية مسارا طويلا ومعقدا من الحوارات مع قيادات "الجماعة الليبية المقاتلة" المرتبطة بتنظيم "القاعدة" بالحصول منها على موقف ينبذ العنف واستخدام السلاح لحل الخلافات السياسية. وأسفر هذا التطور عن الإفراج عن مئات من سجناء الحركة، على رغم أنها حاولت اغتيال العقيد القذافي أكثر من مرة. وفي موريتانيا أعلن الرئيس الجنرال محمد ولد عبد العزيز استعداده للحوار مع التيارات الجهادية شريطة إلقاء السلاح والتخلي عن العنف. لا يمكن عزل هذه التطورات في البلدين عن المبادرات التي أطلقها الرئيس

0
6 ديسمبر 2009
مصدر الوثيقة:
الحوار نت
مشاركة

شيد خشانة

توجت الحكومة الليبية مسارا طويلا ومعقدا من الحوارات مع قيادات "الجماعة الليبية المقاتلة" المرتبطة بتنظيم "القاعدة" بالحصول منها على موقف ينبذ العنف واستخدام السلاح لحل الخلافات السياسية. وأسفر هذا التطور عن الإفراج عن مئات من سجناء الحركة، على رغم أنها حاولت اغتيال العقيد القذافي أكثر من مرة. وفي موريتانيا أعلن الرئيس الجنرال محمد ولد عبد العزيز استعداده للحوار مع التيارات الجهادية شريطة إلقاء السلاح والتخلي عن العنف.
لا يمكن عزل هذه التطورات في البلدين عن المبادرات التي أطلقها الرئيس بوتفليقة في الجزائر لإحلال الوئام والمصالحة مع التيارات الإسلامية المتشددة ولا عن إدماج حركات إسلامية في المغرب ضمن المشهد السياسي القانوني مما مكن بعضها من الوصول إلى البرلمان منذ أكثر من عشر سنوات. هذا الواقع الجديد يعكس نقلة نوعية في علاقات الأنظمة مع معارضيها مفادها أن الحوار بات لغة التعاطي الممكنة والضرورية في هذه المرحلة، وليس الصراع الذي أنهك المجتمعات وأوهن الدول وأضعف الوحدة الوطنية. وبفضل هذه الرؤية الجديدة تم التخلي عن أسلوب الملاحقات والمحاكمات والتعذيب، ورأينا قادة الجماعات المسلحة في الجزائر يعودون إلى بيوتهم ويشاركون في الحياة العامة على طريقتهم الخاصة، ورموز المعارضة الجهادية في ليبيا يغادرون السجون ويدعون إلى التغيير السلمي.
عادة ما يكتسب الحوار قيمته من كونه يجري بين أعداء، فالتحاور مع الخصوم المتشددين في الجزائر وليبيا مثلا جاء بعد نحو عقدين من الصراع المرير الذي سالت خلاله دماء كثيرة وسقط ضحايا وانتُهكت حرمات، ما يعني أن هناك اليوم استعدادا لدى جميع الأطراف للتعالي على الجراح والتفكير في مستقبل البلاد وتجنيب الأجيال القادمة ويلات الصراع الأهلي. لم نعد نسمع لدى الإسلاميين عبارات التكفير و"الطاغوت" و"الإستكبار"، ولا لدى الإعلام الحكومي عبارات "الإرهابيين" و"القتلة"، مع أن كل طرف مازال يحتفظ ربما بجوهر رؤيته للحقبة الماضية. لكن المهم بالنسبة لهم جميعا ليس الأمس وإنما اليوم والغد، وبالتحديد ما يمكن فعله اليوم معا لبناء غد يخلو من الهزات والتناحر والتدمير المتبادل.
أين تونس من كل هذه التطورات القريبة منا والبعيدة عنا في الوقت نفسه؟ هي قريبة طبعا لأنها تجري في محيطنا الجغرافي والثقافي والسياسي، ويكفي أن نطالع مثلا صحيفتي "أويا" و"قورينا" اليوميتين الليبيتين لنقرأ على أعمدتهما تفاصيل الحوار مع الأصوليين الليبيين وآخر مآلاته. لكنها بعيدة عنا أيضا لأن تونس لم تعرف والحمد لله مسارات عنيفة تُشبه ما حصل في الشقيقتين الجزائر وليبيا من مواجهات وضحايا وأحقاد. وهذا يعني أن شروط الحوار في بلادنا أيسر منالا وأقصر سبيلا مما هو الأمر في البلدان المجاورة. ويعرف المتابعون للشأن السياسي أن الحركة الإسلامية التونسية أصدرت منذ فترة بعيدة نقدا ذاتيا وبسطت يدها للحوار من دون شروط. وبغض النظر عن القناعة بصدق ذلك النقد من عدمه، لا شيء يمنع أي طرف من العودة اليوم إلى مساءلة قيادات الحركة عن محاور ذلك النقد والتعمق في مفرداته ومعانيه لاستجلاء ما غمض منها. ولعل هذا ما منح قيمة خاصة للحوارات التي تمت في إطار حركة 18 أكتوبر، والتي لم يكتف الحكم بتجاهلها بل بذل كل ما أوتي من جهد لتعطيلها ومنعها.
وهنا مكمن الإختلاف بين المسارات الجارية في البلدان الشقيقة (والتي تكتسي أهمية بالغة على جميع الأصعدة) والمسار التونسي المتعثر والمتعطل. فالطرف الحكومي عندنا مُعرض عن التحاور مع أي كان، سعيد بالتحاور مع نفسه فقط، وهو لا يُقر بوجود حركة إسلامية ولا بحركة ديمقراطية ولا بمجتمع مدني، بل لا يتجاسر على التحاور حتى مع الإستئصاليين الذين يعرضون عليه مساعدته على الخصوم المشتركين. ونتيجة لهذا الإنغلاق المطلق أصبحت تونس في مؤخرة الترتيب المغاربي بمقاييس التنمية السياسية، إذ لم تعد تنفع الديكورات البرلمانية ولا التعددية الصحفية الزائفة ولا التذرع ببعض المكاسب الإجتماعية (التي فقدت معناها) لتبرير التصلب السياسي. الحقيقة المُرة هي أننا أصبحنا اليوم في ذيل القائمة بعدما كانت بلادنا رائدة في مجال الإصلاح السياسي وسباقة إلى انتهاج سبيل الإنفتاح الإعلامي والحزبي والجمعياتي، مما جعلها منارة وقدوة للآخرين.
من الواضح أن العيب ليس في النخبة، ولا في الشعب الذي أثبت في أكثر من مناسبة أنه تواق للإصلاح، متوثب للحرية وإنما في تكلس النظام السياسي الذي عجز عن مسايرة نضج المجتمع واستيعاب منطق العصر. فساعة العصر ما انفكت تدور والعالم ما فتئ يتغير من حولنا، بينما ظل أهل الحكم واقفين عند لحظة من لحظات 1991 ... ولم يتزحزحوا عنها قيد أنملة.

جميع الحقوق محفوظة لمنصة الذاكرة 2026 ©