نصوص
إلاّ حمزة لا بواكي له... بقلم صالح بن عبد الله
صالح بن عبد الله / تونس في 10 محرم 1432 حين وقع إيقافي مساء الجمعة الرابع والعشرين جويلية 1981 رغم تمتعي بالحصانة القضائية، لم أكن أتوقع أن توصد أمامي يوما أبواب الارتزاق وتبلغ بي الخصاصة والحصار إلى جمع "الكرتون" carton لتحمله أمّ مجاهد إلى ولاية نابل رفقة أحد الأبناء لأنّي كنت ممنوعا من تجاوز حدود تونس الكبرى (العاصمة والولايات المحيطة بها). وبعد أن أوصد معمل تحويل الكرتون أبوابه في وجه مئات العائلات العاملة في هذا المجال اتجهت إلى بيع الخضر وعرفت عالما جديدا فيه من الصعوبات والتحديات ما يدفعن
- 16 ديسمبر 2010
- مصدر الوثيقة:
- الحوار نت
0
صالح بن عبد الله / تونس في 10 محرم 1432
حين وقع إيقافي مساء الجمعة الرابع والعشرين جويلية 1981 رغم تمتعي بالحصانة القضائية، لم أكن أتوقع أن توصد أمامي يوما أبواب الارتزاق وتبلغ بي الخصاصة والحصار إلى جمع "الكرتون" carton لتحمله أمّ مجاهد إلى ولاية نابل رفقة أحد الأبناء لأنّي كنت ممنوعا من تجاوز حدود تونس الكبرى (العاصمة والولايات المحيطة بها). وبعد أن أوصد معمل تحويل الكرتون أبوابه في وجه مئات العائلات العاملة في هذا المجال اتجهت إلى بيع الخضر وعرفت عالما جديدا فيه من الصعوبات والتحديات ما يدفعني إلى البحث عن وجه شبه بين العاملين في هذا القطاع وأبطال طه حسين في كتابه "المعذبون في الأرض". وقع الاحتكاك مع أعوان مراقبة الأسعار وأعوان التراتيب البلدية أكثر من مرة، وكنت أتجاوز الأمر بشكل أو بآخر دون الوقع تحت طائلة "لعن الله الراشي والمرتشي...". في المرة الأخيرة صبيحة الجمعة السادس والعشرين من نوفمبر كنت منتصبا بسيارتي في مكان متسع لا تمرّ فيه السيارات إلاّ نادرا في أطراف المروج الخامس، مكان لا تفصله عن الحقول الشاسعة إلاّ عشرات الأمتار. فوجئت بكوكبة من أعوان الأمن التابعين لبلدية المروج ودون مقدمات واجهني رئيس مركز التراتيب (وهو كهل) بقوله :"البقعة كاريها!!!"، فأجبت بانفعال: "طرّدتونا من وظائفْنا واتّبعوا فينا حتى في بيعْ الخضْرة"، ولسان حالي يقول "رضينا بالهم والهم ما رضي بنا". عمد مباشرة إلى آلة الوزن لاحتجازها (لم أتمكن من استرجاعها لحدّ الساعة) وقد سبق لأعوانه أن حجزوا مثليها في أقل من ستة أشهر فاسترجعت إحداها بعد دفع غرامة وقد أضاعوا الثانية. حين حاولت الدفاع عن حقي في الارتزاق صبّ عليّ جام غضبه اعتداء العقيدة وسحلا إلى العربة الإدارية القريبة مستعينا بأحد أعوانه ومدّ اليد بالأذى دون مراعاة للبدن الذي وهن منه العظم ولا الرأس الذي اشتعل شيبا. وكان يهدّد: "الليلة انبيتك في الحبس"، وكان له ما أراد حيث تم اعتقالي بمركز المروج الخامس كامل عشية اليوم المذكور وقضيت ليلتي بمركز الإيقاف ببوشوشة لتُنكأ جراح لم تندمل بعد، وما له ألاّ يفعل ذلك فهو ابن الداخلية، باسمها يصول وبعصاها يضرب. ومن أكون أنا؟ ابن الشعب، ومن يكون ابن الشعب! ما أودّ التوقف عنده من خلال هذا الحادث الأليم ما يلي: أوّلا: ظاهرة الاعتداء على الذات الإلهية بسبّ الجلالة "كبُرت كلمة تخرج من أفواههم" التي عرفت انتشارا واسعا خلال السنوات الأخيرة. وهو جرم يعاقب عليه القانون التونسي عقوبة لا تتجاوز الستة أشهر، ولا ترتقي هذه العقوبة بكلّ تأكيد إلى عظم الجريمة، إلاّ أنّ الأدهى والأمرّ أنّ هذه المادة من القانون لا تُطبّق. وأنّى ذلك والجريمة هذه ترتكب على مرأى ومسمع الجميع، ترتكب من الحاكم والمحكوم، من الكبير والصغير، من الرجل والمرأة وإنْ بدرجة أقلّ... لعَمرك أنّى يأتي الفلاح لبلد يُجهر فيه بمثل هذه الجريمة النكراء دون رادع يُذكر. ثانيا: إنّ منعة الدولة القطرية بقطع النظر عن الموقف منها مطلب مشروع لشعوبنا التي لا تزال ترنو إلى وحدة الأمّة في زمن لم يعد فيه مكان للصغار. وبداهة لن تكون هناك منعة لهذه الدولة ما لم تحقق الأمن والعيش الكريم لمواطنيها. فلا كرامة لدولة تداس فيها كرامة المواطنين. ورحم الله الفاروق عمر وهو يعلنها مدوّية تتردّد أصداؤها عبر القرون المتتالية "متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمّهاتهم أحرارا"...إنّ الخشية كبيرة إذا استمرّت الأوضاع على ما هي عليه أن تكتسح ظاهرة الصوملة أقطارنا الواحد تلو الآخر. في بداية عقد السبعينات أحرق الطاغية زياد برّي عشرة علماء في ساحة عامّة، كنّا تناقلنا بأسى ذلك النبأ الفاجعة وكان من سابع المستحيلات أن يتوقع أحدنا ما سيؤول إليه وضع الصومال هذا البلد العريق بعد عقدين من تلك الفاجعة. ثالثا: إنّ الاعتداء الذي استهدفني وترك رضوضا في بدني إلى حدّ كتابة هذا المقال، وحرجا عميقا في نفسي كفيلا بلفت النظر إلى الوضع المأسوي لعشرات الآلاف من ضحايا المحاكمات الجائرة التي شهدتها بلادنا منذ بداية الثمانينات لتطويق الظاهرة الإسلامية. فأن يُحاكم المرء جراء مواقفه السياسية ظلم وأشدّ منه أن يجد السجين السياسي نفسه بعد تسريحه في سجن أشدّ قساوة محروما من كافة حقوقه مطاردا في حلّه وترحاله محاصرا من قبل أقاربه خوفا وطمعا، محاصرا من جيرانه، محاصرا من أبنائه بسبب حرمانهم من أبسط متطلبات الحياة الكريمة. فهل يعقل أن يتحوّل المواطن النابغة المنصف بن سالم مؤسس قسم الرياضيات بجامعة صفاقس من أستاذ يتنقل بين أشهر الجامعات العالمية إلى مواطن عاديّ يفلح الأرض تحت وطأة المطاردة الأمنيّة لينتهي صريع الأمراض المختلفة نتيجة الظروف السجنية والضغوطات الرهيبة التي كان ضحيّتها بعد تسريحه، وغيره كُثر. إنّ إحالة طلائع جيل ما بعد الاستقلال على "التقاعد المبكّر" بل على العطالة القاتلة خسارة كبرى لتونسنا العزيزة بل لأمّتنا. وممّا يحزّ في النفس أنّ تُشكّل لجنة وطنيّة لإعادة ضحايا الحوض المنجمي إلى وظائفهم – مع إقراري بحقهم والتعاطف معهم - ولا يُؤبه لآلاف المطرودين من وظائفهم طيلة العقود الثلاثة... "ولكنّ حمزة لا بواكي له". في الختام لا يسعني إلاّ أن أتوجه بخالص شكري والامتنان إلى كلّ الأحبّة وإلى كلّ من تعاطف معي وإلى كلّ الأحرار الذين انتصروا لكرامة الإنسان ولحرية هذا الكائن الذي كرمه الله "ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البرّ والبحر"... تحية إلى روح الأستاذ القدير والمربّي الفاضل علي نوير، تحيّة إلى روح الأخ الفاضل والصابر المحتسب المرحوم عبد المجيد الطاهر، تحية إلى روحي الأخوين العزيزين الهاشمي المكي وأحمد بوعزيزي، تحية إلى روح المئات من رفاق الدرب أبناء الصحوة الإسلامية المباركة الذين غادروا هذا العالم في صمت. وعسى أن يتكلم التاريخ يوما، فإن لم يكن فأمام محكمة العدل الإلهية متسع يوم يقال للمظلوم تكلم وللظالم تقدّم.