إعلام الدولة.. أم إعلام الأقلية؟!
الناظر إلى الإعلام المصري الرسمي بعد الثورة يجده إعلامًا فوضويًّا عشوائيًّا، افتقر إلى العديد من الأهداف التي ينبغي أن يكون عليها، وهو أن يكون إعلامًا يمثل الدولة والشعب بمختلف مكوناته. وعندما يجري الحديث عن مكونات المصريين، فإنه يقصد بهم الحكومة والشعب في آنٍ واحد، فينبغي أن يكون الإعلام معبرًا عن الطرفين، مستعرضًا لمشاكل وتحديات الشعب، وداعمًا لكل قرار تصدره
- 5 مايو 2013
- مصدر الوثيقة:
- الحوار نت
الناظر إلى الإعلام المصري الرسمي بعد الثورة يجده إعلامًا فوضويًّا عشوائيًّا، افتقر إلى العديد من الأهداف التي ينبغي أن يكون عليها، وهو أن يكون إعلامًا يمثل الدولة والشعب بمختلف مكوناته.
وعندما يجري الحديث عن مكونات المصريين، فإنه يقصد بهم الحكومة والشعب في آنٍ واحد، فينبغي أن يكون الإعلام معبرًا عن الطرفين، مستعرضًا لمشاكل وتحديات الشعب، وداعمًا لكل قرار تصدره الحكومة، خاصة إذا كان في صالح هذا الشعب، أو ما يعرف بـ"إعلام الخدمة العامة"، والذي يعد المهمة التي ينبغي أن تضطلع بها الدولة لتقديم إعلام على هذا المستوى والمعنى لمواطنيها.
غير أن المدقق في هذا الإعلام لا يجده معبرًا عن الدولة بمختلف مكوناتها، أو مقدمًا لما يعرف بـ"إعلام الخدمة العامة"، وهو ما زاد من فوضوية الرسالة التي يقدمها هذا الإعلام، وما جعل أهدافه عشوائية، وللأسف هذا التوصيف يأتي في ظل تولي أحد القيادات الإخوانية الصحفية البارزة سدة هذا الجهاز؛ الأمر الذي كان كفيلاً به أن يقدم أنموذجًا إعلاميًّا فريدًا، لا نقول يعبر عن تياره أو عن الرئاسة أو حتى الحكومة، ولكن يقدم إعلامًا مسئولاً، وليس إعلامًا عشوائيًّا، وينبغي أن يحرص على أن يكون إعلامًا نظيفًا يعبر عن تمسك هذه الأمة بدينها وتقاليدها وأعرافها.
وفي المقابل، ولدرء أية انتقادات يمكن أن توجه لهذا الإعلام، ومَن هو قائم على رئاسته؛ فقد خرج الأداء الإعلامي مهلهلاً حريصًا على أن يكون لتُرَّهات الأقلية حجر زاوية في برامجه وفي مختلف عناصره، مما جعله إعلامًا معبرًا عن أقلية، وبل وبارزًا للأغلبية على أنهم أقلية، ونسي أو تناسى أنه إعلام الدولة بكل مكوناتها، والشعب بكل أطيافه.
لذلك كان مقبولاً من هذا الإعلام بنوعيته الراهنة أن يُوجَّه فيه السباب إلى تيار الأغلبية، بل ودعوات تحريضية عليهم، وفوق ذلك ومعه دعوات لإسقاط الشرعية، كل ذلك وعين هذا الإعلام على منتقديه، يعمل على غض الطرف عن السواد الأعظم من المصريين، وخاصة في القرى والنجوع، مما جعلهم أسرى لهذا الإعلام، والذي كان يفترض أن يكون معبرًا عنهم، متناولاً لمشاكلهم، ولكنه كان ساعيًا إلى غسل أدمغتهم.
أما غير هذا السواد، فبحثوا عن بديل آخر لهذا الإعلام، فكان الإعلام الذي سيطرت عليه جماعات المصالح، وكان الوجه الآخر لما يسمى بإعلام الدولة، غير أن ما جعله متمايزًا أنه اتسم بحِرفية الكذب والافتراء والزيف، مستخدمًا في ذلك عناصر فنية، تميزه بالبهرجة والمساحيق الفاضحة.
ولكون السياق ليس معنيًّا بهذا اللون من الإعلام المخادع، فإن الاجتزاء الذي حرص عليه الإعلام المصري منذ الثورة، وتزايد حتى يومنا هذا، وخاصة بعد الاستحقاق الرئاسي، لم يُعفِه من النقد من جانب ذات الأبواق التي تنتقد السياسات الرسمية، وتقف منها موقف المعادي، بل والهادم لها، في شكل تبدو فيه المزايدة على درجة كبيرة، لكونه محسوبًا على الدولة، ويتولى سُدَّته أحد القيادات الإخوانية المعروفة، والتي لم تتنكر لذلك، بل اعترفت بهذا الانتماء، وهو الأمر الذي جعله أيضًا عرضة لاحتجاجات تطالب بإقالته، بدعوى حرصه على تطبيق ما يسمى بـ"الأخونة" داخل الجهاز الإعلامي، على غرار ذات المصطلح الذي شاع بين هؤلاء، حتى أفرغوا أي اعتراض عليه بالأساس من مضمونه، وجعلوه مصطلحًا شائعًا، تلوكه الألسنة، يقبل المزايدة، ويجافي الحقيقة في أحيان كثيرة.
وعلى الرغم من كل المحاولات التي سعى بها وزير الإعلام لينأى عن نفسه عن هذا، ويؤكد أنه لن يعمل على "أخونة الإعلام"، وأنه يسعى إلى أن يكون إعلامًا لشعب مصر بمختلف مكوناته، بأن فتح المجال لهم بلا رقيب أو حسيب، وعلى الرغم من ذلك كله لم يسلم من سهام كتيبة الفلول بداخل مبنى الإذاعة والتلفزيون ومن لف لفيفهم، ومن أن يتم حشد المظاهرات لإقالته من وقت لآخر، بخلاف تهديدات متواصلة بتسويد الشاشات، واقتحام الاستديوهات، بل وقام هؤلاء بتنفيذ بعض مخططاتهم بالفعل بعدما سبق أن نجحوا في تعطيل البث لبعض الوقت عن القمر الصناعي "نايل سات"، وتمكنوا وقتها من إحداث عطب فني بهذا البث، وبخلاف المزايدات المتتالية على وزير الإعلام وما يقدمه من محتوى، للدرجة التي جعلت إحدى المذيعات تدَّعي على الهواء أنها تقدم نشرة الأخبار الإخوانية، وأخرى تستعين بكفن عبر برنامجها، بدعوى أن جرأتها على الرئاسة قد تودي بحياتها.
كل هذه المزايدات جعلت من الإعلام الرسمي غير معبر عن الدولة، وحينما نذكر الدولة فإننا نعني مكوناتها من مختلف المؤسسات وجميع أبنائها، بأن يقدم لهم الإعلام الهادف الذي يتناسب ودينهم وقيمهم وتقاليدهم وعاداتهم، وهو الأمر الذي يتطلب من الوزير مراعاته بحكم منصبه ومسئوليته التي أقسم عليها، دون أن يفرط فيها، وأن يعمل على تطهير شامل لمبنى "ماسبيرو"، الذي ينخر فيه الفساد المالي والإداري، كما ينخر السوس في الأخشاب، ومع ذلك كله وبعده عليه أن يعيد هيكلة الثروة البشرية التي يصل قوامها إلى 43 ألف موظف في داخل المبنى، وألا يعطي المجال للبعض لكي يزايد عليه فيها، حتى لا يصبح إعلامه معبرًا عن الأقلية، ومتجاوزًا الأغلبية، بل جاعلاً إياهم هم الأقلية!