نصوص

إعراض الجمهور عن تجشم مصاعب الحق:مالك التريكي

قبل حوالي عامين زار أحد علماء الدين المسلمين بريطانيا وعاين انتشار المساجد وكثرة المصلين وما ينعم به المسلمون من حرية العبادة وحرية المسلك والملبس، فلم يتردد في القول إن بريطانيا هي، بهذا المعنى، من ديار الإسلام! أما فرنسا، فقد شهد شاهد من أهلها حين نشر 'مفوض الحكومة لشؤون التنوع وتكافؤ الفرص' يزيد صابغ قبل أيام مقالا يتساءل فيه: 'هل يمكن للمرء أن يكون مسلما في هذا البلد؟'! ومن السهل الظن بداءة أن كون بريطانيا المعاصرة 'من ديار الإسلام' إنما هو ثمرة من ثمار شجرة الديمقراطية العميقة الجذور في الج

0
28 ديسمبر 2009
مصدر الوثيقة:
الحوار نت
مشاركة

قبل حوالي عامين زار أحد علماء الدين المسلمين بريطانيا وعاين انتشار المساجد وكثرة المصلين وما ينعم به المسلمون من حرية العبادة وحرية المسلك والملبس، فلم يتردد في القول إن بريطانيا هي، بهذا المعنى، من ديار الإسلام! أما فرنسا، فقد شهد شاهد من أهلها حين نشر 'مفوض الحكومة لشؤون التنوع وتكافؤ الفرص' يزيد صابغ قبل أيام مقالا يتساءل فيه: 'هل يمكن للمرء أن يكون مسلما في هذا البلد؟'!
ومن السهل الظن بداءة أن كون بريطانيا المعاصرة 'من ديار الإسلام' إنما هو ثمرة من ثمار شجرة الديمقراطية العميقة الجذور في الجزر البريطانية.

 

لكن هذا تفسير جزئي. حيث أن فرنسا من أقدم الديمقراطيات، ومع ذلك فهي لا تزال جزعة من مسلميها، حيرانة في أمرهم مبتئسة ما وسعها الابتئاس. وها انها قد أوردت نفسها، بسبب حمى 'النقاش حول الهوية الوطنية' هذه الأيام، موارد التهلكة العنصرية المفضوحة شعبيا ورسميا. ذلك أن الديمقراطية لوحدها لا تنتج الحريات ولا تضمنها في جميع الحالات. بل إن هنالك حالات تصبح فيها الديمقراطية قامعة للحريات! وليس هذا بسبب 'استبداد الأغلبية' (حسب العبارة الشهيرة التي وضعها ألكسيس دي توكفيل ثم أشاعها جون ستيوارت ميل والفيدراليون الأمريكيون) وجورها على الأقلية فحسب، بل بسبب أن الديمقراطية قد تكون، في بعض اللحظات التاريخية، ذات طبيعة تسلطية وحتى قهرية (مثلما بيّن المؤرخ جاي. ال. تالمون، عام 1952، في كتابه الذائع الصيت 'أصول الديمقراطية التوتاليتارية').

 

وعلى هذا وجب التدقيق بأن حرية العبادة والمسلك والملبس في بريطانيا ليست نتاج أخذها الثابت بالديمقراطية بقدر ما هي ثمرة من ثمار عراقتها في الليبرالية. ذلك أن احترام الحريات الفردية والعامة في هذه البلاد ليس مسألة تشريعات وتفاصيل إجرائية فحسب، بل إنه جوهر الثقافة السياسية لشعبها الذي يؤمن ببساطة بالغة بمبدأ الحرية في أن 'تعيش وتدع الآخرين يعيشون'.

 

ولهذا عندما سأل المذيع ديفيد دمبلبي في برنامجه السياسي الشهير 'ساعة المساءلة' على قناة 'بي بي سي' التلفزيونية الأولى ضيوفه والجمهور الحاضر في الأستوديو عن رأيهم في التصويت السويسري بمنع المآذن، أجابوا في إجماع بأن موقفا مثل هذا غير قابل للتصور في بريطانيا، أولا، لأن حرية ممارسة الشعائر الدينية ليست موضوع نقاش أو تفاوض. وثانيا، لأن مسألة المباني ومواصفاتها من اتساع وارتفاع وطراز معماري، الخ، هي من صلاحيات البلديات التي تصدر تراخيص البناء وليست من المسائل السياسية التي تستفتى فيها الشعوب. وأضاف بعض الحاضرين أن الاستفتاء ليس هو بالضرورة أفضل الآليات الديمقراطية في جميع الأحوال، إذ ان ثمة حالات يكون فيها الاستفتاء هو الآلية الخطأ لأن هناك من القضايا المعقدة في الاجتماع السياسي ما لا يمكن معالجته والفصل فيه بمجرد نعم أو لا.

 

ولا شك أن الديمقراطية المباشرة، التي يشكل الاستفتاء أبرز آلياتها، تبدو من الناحية النظرية أفضل أنواع الحكم الديمقراطي. ومعروف أن سويسرا قد اختصت منذ قرون في ممارسة الديمقراطية المباشرة، وأن فيلسوفا سويسريا شهيرا من أبناء مدينة جنيف، هو جان جاك روسو، كان من أبرز منظري هذا الشكل من الحكم. ومعروف أيضا أن من أسباب اعتراض سقراط على ديمقراطية أثينا، نموذج الدولةـ المدينة، أنها كانت ديمقراطية مباشرة، أي أن القرار فيها كان في يد الجمهور. وكان الرأي عند سقراط، وهو رأي لطالما تأكدت صحته سواء في التاريخ القديم أم المعاصر، أن الجمهور هو أبعد ما يكون عن تجشم الحق ومشقته وأميل ما يكون إلى اتباع الهوى ومغرياته.

 

بدليل أن شعب أثينا كان يسقط بسهولة في حبائل السفسطائيين الذين أتقنوا فنيات الجدال بحيث كانوا يثبتون الشيء ونقيضه حسبما تقتضيه المصلحة، تماما كما أن جمهور الديمقراطيات المعاصرة يسقط اليوم بسهولة سواء في حبائل صناعة الدعاية التجارية التي تخلق احتياجات لا داعي لها فتحول الشعب إلى جموع مستهلكين لا مجتمع مواطنين، أم في حبائل صناعة البروباغندا السياسية التي تسوّق أشخاصا لا قيمة لهم وتروّج أيديولوجيات تبسيطية تسطيحية لا تفعل سوى أن تستثير في الناس نوازع الخوف والطمع: الخوف السياسي والثقافي، والطمع الضريبي والشرائي.

هذا بينما توهمهم بأنهم يفكرون وبأنهم هم الذين يقررون.

جميع الحقوق محفوظة لمنصة الذاكرة 2026 ©