نصوص

إستراتيجيا : ماذا حققت النهضة ؟ ؟

قد يبعث ما اكتبه استغرابا و حيرة في نفوس إخواننا المشارقة ، عندما أتحدث عن تحصيل حاصل لديهم ، وهي مسألة الهوية لتونس ما بعد الجلاء.إذ يبدو الامر غريبا في بلد استقرت هويته عبر قرون في العربية لغة ، والمالكية مذهبا والاشعرية عقدا . فكيف يعقل أن نتحدث الآن عن إنجاز في هذا المضمار والذي من المفروض ان يكون امرا مفروغا منه ؟. لقد أريد لتونس كما أشار أحد المستشرقين ( أن تكون مكانا لتجريب الحضارة الغربية ، ولكي نرى إلى أي مدى يمكن لبلد إسلامي أن يسير في طريق الغرب ) ، والذين عايشوا الشطحات الفكرية لليسا

0
26 سبتمبر 2010
مصدر الوثيقة:
الحوار نت
مشاركة

قد يبعث ما اكتبه استغرابا و حيرة في نفوس إخواننا المشارقة ، عندما أتحدث عن تحصيل  حاصل لديهم ، وهي مسألة الهوية لتونس ما بعد الجلاء.إذ يبدو الامر غريبا في بلد استقرت هويته عبر قرون في العربية لغة ، والمالكية مذهبا والاشعرية عقدا . فكيف يعقل أن نتحدث  الآن عن إنجاز في هذا المضمار والذي من المفروض ان يكون امرا مفروغا منه ؟.
لقد أريد لتونس كما أشار أحد المستشرقين ( أن تكون مكانا لتجريب الحضارة الغربية ، ولكي نرى إلى أي مدى يمكن لبلد إسلامي أن يسير في طريق الغرب ) ، والذين عايشوا الشطحات
الفكرية لليسار خلال عقود الستينات و السبعينات وحتى الثمانينات ، يدركون معنى أن تكون  هوية البلاد ألعوبة في أفكار هؤلاء ، كما يدركون السهام المصوبة نحوها من لدن رأس السلطة آنذاك التي تتقزز بمجرد التفكير بموقع تونس الجغرافي ، و تسعى جاهدة لتحويل قبلتها عنوة من اتجاه الكعبة ، نحو برج إيفيل . وظل الصراع على أشده ، وكاد يحول مجرى تاريخ  البلاد بعيدا ، حتى جاءت حركة النهضة التي( ملأت الدنيا وشغلت الناس ) .
إلا انه رغم أخطاء النهضة السياسية التي جرت عليها الويلات ، فقد حققت انجازين استراتيجيين ، ربما لم يكونا من السهولة بمكان ليتحققا ، لولا هذه التضحيات الجسام التي تزلزلت منها الجبال .
1/ الإنجاز النظري :
ربما يكون من مفارقات التاريخ ، أن يكون دخول هذه الحركة ميدان السياسة في أول بيان لها ،  تضامنا مع إضرابات الشغيلة أواخر السبعينيات من القرن الماضي ، حيث لم يجد الناشر لهم صفة  فقدم للبيان بعبارة : و جاءنا هذا البيان من مجموعة الإتجاه الاسلامي ، فالتصق الإسم بها ، حتى  اشتهرت به ، وهي اشارة لطيفة لتفاعل هذه الحركة مع الواقع منذ نشوءها . ثم أخذت تطوره  و تتطور به ،حتى قفزت في ظرف وجيز إلى المربع الاول للمشهد السياسي في البلاد .  إن هذا النجاح منقطع النظير لم يأت صدفة ولا مزية من أحد ،  ولكن المراجعات المضنية
التي كانت تقوم بها النخبة داخلها ، والتي استطاعت تجاوز المعوقات الفكرية لدى نظيراتها  في المنطقة ، جعلت منها مرجعا مهما للنجاح ، ولعل التجاوز ( الايبيستيمولوجي ) الاهم ،  كان نقض فكرة العزلة الشعورية عن المجتمع التي نظر لها سيد قطب رحمه الله تعالى ، ليعيش  الإسلاميون بعده في ( نقاء ثوري ) ، إن صح  التعبير ، دون ان يكون لهم وزن في حياة الناس . ولم تكتف حركة النهضة بالتفاعل العملي مع المجتمع ، بل ظلت مشدودة إلى مثلها المقدسة ،  وحذر فقدان البوصلة في واقع متغير ، فقد تفرغ أفذاذ منها ،أحفاد للطاهر بن عاشور ، ليخرجوا  لنا بوثيقة عز نظيرها في الامة ، تعد مفخرتها الاكبر بدون منازع : تلك هي الرؤية الفكرية  والمنهج الأ صولي لحركة الإتجاه الإسلامي . و نظرا لنجاحها في التبشير بالشعار الإسلامي ، فقد نشأت أجسام أخرى بنفس الشعار ، كان همها  الاساس ، مناكفة النهضة  محاولة سحب البساط منها ، غير أنها تعاملت مع هذه الظاهرة بالرفق حينا  وبالإحتواء احيانا ، ولعلني لا أجد أكثر تعبيرا عن هذه السياسة الحكيمة ، من كلام السيد علي بالساسي  عندما يجيب الشباب المتحمس ، المتطلع إلى المواجهة مع هذه التيارات ، إذ يهدأهم بقوله : الإتجاه  هو الام ، والآخرون ابناءها . ماذا تفعل الام مع ابناءها ؟ ألا تصبر عليهم ؟....
2/ الانجاز العملي :
إن طبيعة الصراع في تونس ، تختلف عن غيرها من البلدان ، فهي تأخذ شكل صراع المشاريع  في الدولة التي تتفق اطيافها على الثوابت ، ولكن الصراع في تونس هو على الثوابت نفسها ،
فهو صراع هوية و ذات . وأحسب ان هذا الصراع بلغ اوجه في التسعينيات السود من القرن  الماضي ، حيث صبغ شباب العروبة والاسلام هوية تونس بدماءهم ودموعهم وجوعهم  واعراضهم ، و لا زالوا ينزفون ، و بما ان الله لا يتر أعمال المخلصين ، فقد كانت حرب  الإستئصال ، تأصيلا ، فما يصفه غيرنا بمكر التاريخ ، نعتقده نحن قدر الله .
هاهي معركة الهوية قد حسمت بفضل الله اولا ثم بجهاد الصادقين ، فقد جرت حركة  النهضة علمانيي تونس إلى مربع الهوية العربية الإسلامية ، واضطر النظام في قسم  منه إلى الدخول للمربع ذاته ، ولم يبق إلا جزء يسير من الموتورين من بقايا يسار يجدفون  عكس التاريخ ، و عما قريب لن يجدوا ملجأ او مغارة يفرون إليها ... إن هذين الإنجازين الاستراتيجيين ، يتجاوزان الحاضر بشخوصه و أطيافه إلى المستقبل ،  حيث يكون المسرح قد خلا ركحه من كثير من الذين يظنون انهم مخلدون في هذه الارض ،  ليكونا رصيدا لتونس العزة والزيتونة و الكرامة ..
إن هاتين الزهرتين في حاجة للسقاية و الرعاية ، ولم يبق إلا إنجاز استراتيجي ثالث ،  و هو عودة النهضة إلى تربتها الاصلية كي تزهر من جديد ، وتدلي بسهمها في ترشيد  صحوة الوطن والمواطن ، وحتى تكتمل اضلاع المثلث .

دمتم بخير

جميع الحقوق محفوظة لمنصة الذاكرة 2026 ©