نصوص

إذا غابت القيم فلا فكر و لا نظر

ابراهيم بالكيلاني ( النرويج ) هل من معنى للكتابة خارج مجال السياسة في هذه المرحلة ؟ و هل من معنى للسياسي خارج دائرة الفكر و الثقافة ؟ . كنت أسأل صديقي عن حضور الهم الفكري و المشاريع الفكرية لديه في هذه المرحلة ، و هو من بنيان فعل التفسلف التونسي الراهن . كان جوابه مقتضبا و ذو معنى : مما أسقطته الثورة التونسية : العقل و الحداثة . صدمتني الجملة لأول وهلة ، و لكن سرعان مع عدت إلى ادراك هذه الحقيقة . فهل كان صوت العقل و الحداثة هو الذي حجب عنا ادراك ما يعتمر في نفوس الشباب من روح التمرد على السائد و

0
18 مارس 2011
مصدر الوثيقة:
الحوار نت
مشاركة

ابراهيم بالكيلاني ( النرويج )

هل من معنى للكتابة خارج مجال السياسة في هذه المرحلة ؟ و هل من معنى للسياسي خارج دائرة الفكر و الثقافة ؟ .

كنت أسأل صديقي عن حضور الهم الفكري و المشاريع الفكرية لديه في هذه المرحلة ، و هو من بنيان فعل التفسلف التونسي الراهن . كان جوابه مقتضبا و ذو معنى : مما أسقطته الثورة التونسية : العقل و الحداثة .

صدمتني الجملة لأول وهلة ، و لكن سرعان مع عدت إلى ادراك هذه الحقيقة .

فهل كان صوت العقل و الحداثة هو الذي حجب عنا ادراك ما يعتمر في نفوس الشباب من روح التمرد على السائد و توق لبناء مستقبل مغاير ؟

هل عجزت الحداثة رغم كل ما تملكه ( من ناحية تراث الحداثة النظري في المنهجيات ) من تنوع و تعدد في المنهجيات المتوسَّل بها لاستشراف ما آلت و ما تؤول إليه الأوضاع في تونس ؟ على رغم أن الأحداث لا تزال في حركية مستمرة ، و حبلى بالنتائج الدافعة إلى التغيير الشامل ، و أولها الاطاحة بآليات الحداثة المزيفة و رموزها الذين توسلوا بآليات الدولة و سخّروا امكانياتها بفرض صورة أحادية للمعرفة و الثقافة و الفكر و ضيّقوا على دوائر الوعي لكي لا تتسلل إليها سُبل التعدد و التنوع الحقيقي ، على رغم المساحيق التي جمّلوا بها وجه الحداثة المزيفة ، و لم يبق لهم من صوت غير التنادي إلى عدم السقوط في الفراغ و إعادة هيبة الدولة و محاكمة النوايا و توزيع التهم "المؤدلجة" !

و هل حجبت عين الحداثة و العقل الظاهر و الباطن عن النظر إلى مظاهر الفساد و الإفساد التي انتشرت في البلاد ، و عن ادراك مساويها و خطرها العظيم و التي يعرفها الأمي و الجاهل قبل المتعلم و "المتعولم" ؟

من حق الشعب حماية ثورته ، و حماية الثورة يجب أن تتعدد وجوهها و من أوكد المهام في هذا المسار هو تحرير العقل من جميع المكبلات التي سيّجتها الديكتاتورية ، و التي زيّن "شيطانها" لضعاف الفكر و النفوس بأن ركبوا "عبّارة" الحداثة المزيفة ليبنوا "سلطة" و يستفردوا باصدار "الأحكام" و يوزعون أوصاف العقل و الحداثة و المدنية .. بينهم ، و يوصموا خيارات التنوع و التعدد بأوصاف من قوائمهم السوداء المملاة عليهم من "أوكار الجهل و التعصب " .

صدقت يا صديقي . إن أول ما يستدعى إعادة النظر و إعادة البناء و التشكيل هو الفكر و الثقافة ليتأسسا على قيم العقل الفعّال الذي ينظر إلى الأشياء بموضوعية ، و يؤمن بالحرية الحقيقية و يكون في مقدمة المنافحين عنها . و ما هو دور النخبة المثقفة إذا لم يكن الدفاع عن الحرية في بعدها الشمولي ، و يتصدّر مشهدها في المغرم قبل المغنم و إلا تهاوت صور ته كما تتهاوى اليوم . و إذا أردت أن تمارس فعل التفكّر و النظر ، فعليك أن لا تسمح ليكون الفكر أداة توظيف في يد الديكتاتورية تحت أي مبرر ، لأن المبررات هي بوابة الارتهان و بعدها انهيار للقيم . و إذا غابت القيم فلا فكر و لا نظر .

جميع الحقوق محفوظة لمنصة الذاكرة 2026 ©