نصوص

إجماع على تغيير الإعلام والحكومة التونسية توغل في العناد:رشيد خشانة

من الصعب أن نجد بلدا في العالم تتقهقر فيه حرية الإعلام سنة بعد أخرى، بقدر ما يُوجه لحكومته من انتقادات داخلية وخارجية على سوء إدارتها لهذا القطاع. هناك نقطة تلتقي عندها التقارير الداخلية والخارجية التي صدرت في الأيام الأخيرة عن بلادنا، مفادها أن ملف الإعلام يحتاج إلى عملية إنقاذ عاجلة. تلتقي في هذا الشأن تقارير المنظمات المعنية بالقطاع ومواقف الإعلاميين وتعاليق المراقبين، وصولا إلى البيان الصادر عن البيت الأبيض، الذي انتقد اللجوء لسجن الصحفيين من أجل ارتكابهم جريمة نقد الحكم أو سياساته. والولايا

0
13 مايو 2010
مصدر الوثيقة:
الحوار نت
مشاركة

من الصعب أن نجد بلدا في العالم تتقهقر فيه حرية الإعلام سنة بعد أخرى، بقدر ما يُوجه لحكومته من انتقادات داخلية وخارجية على سوء إدارتها لهذا القطاع. هناك نقطة تلتقي عندها التقارير الداخلية والخارجية التي صدرت في الأيام الأخيرة عن بلادنا، مفادها أن ملف الإعلام يحتاج إلى عملية إنقاذ عاجلة. تلتقي في هذا الشأن تقارير المنظمات المعنية بالقطاع ومواقف الإعلاميين وتعاليق المراقبين، وصولا إلى البيان الصادر عن البيت الأبيض، الذي انتقد اللجوء لسجن الصحفيين من أجل ارتكابهم جريمة نقد الحكم أو سياساته. والولايات المتحدة شريك أساسي للحكومة، مثلما ذكرت بذلك الزيارة الأخيرة لوزير الخارجية إلى واشنطن. ولا ننسى أيضا تصريحات وزير خارجية فرنسا، الشريك الأهم لتونس، المُستغرب من اعتقال الصحافيين، والتي كلفته احتجاجات و"توضيحات" متكررة من الحكومة التونسية. بهذا المعنى يتصدر ملف الإعلام قائمة الإصلاحات العاجلة التي لا مفر للحكومة، إن عاجلا أم آجلا، من بحثها بجدية مع الأطراف المعنية بالإصلاح، وليس مع السفهاء الذين تُسميهم على رأس هياكل خاوية. وعلى رغم الإحباط الذي استبد بالكثيرين في الفترة الأخيرة، وجعلهم يفقدون الأمل في إصلاح الإعلام التونسي، فإن إحياء اليوم العالمي لحرية الصحافة، قبل أيام، شكل وقفة للمراجعة استثمرتها الأسرة الإعلامية الناجية من فيروس التدجين لرفع الصوت مجددا، وبأشكال مختلفة، من أجل إعادة وضع مطلب الإعلام الحر في قلب المعركة من أجل الحريات. وشمل هذا المطلب فك الحصار عن الصحافة المكتوبة ورفع القيود عن الإبحار في الشبكة العنكبوتية والإستجابة لمطالب إطلاق محطات إذاعية وتلفزية حرة، وضمان الطمأنينة للصحافيين المهددين بالسجن أوبالإعتداء عليهم في أي وقت …

ولو استعرضنا أوضاع الإعلام في بلادنا في ضوء الصورة التي اكتساها في التقارير الصادرة سنة 2010 ، لكانت الخلاصة الفورية أن الأمر لم يعد يحتمل التسويف، ولا يمكن أن يُعالج بالخطب الرنانة ولا بجوائز يمنحها من أفنوا أعمارهم في حمل المباخر لجميع السلاطين. فوضع الإعلام في بلادنا يتطلب اليوم تدابير عاجلة تُنقذه من حالة الموت السريري. وما يصدم التونسيين والأجانب على السواء أن تونس تُهدر طاقاتها البشرية المتميزة في ميدان الإعلام، نتيجة الكبت والمحاصرة، بينما هي تملك جميع المواصفات التي ستجعل منها واحة لصحافة متقدمة على سواها في المنطقة، لو توافر لها ركن واحد هو الحرية. وما الطاقات الشابة التي تطرق أبواب الإنترنت بقوة كل يوم، فضلا عن الكفاءات الصحفية المضطرة للمنفى الداخلي أو الهجرة إلى الخارج، سوى عنوان على حيوية الجسم الإعلامي الذي لم ينقطع سنده ولم يجف نبعه.

ماذا صنعت الحكومة بهذه الثروة التي لا تُشترى بمال؟ الإعلام الورقي يذبل من سنة إلى أخرى بفعل تجفيف الينابيع والحصار المالي والتوزيعي وقطع الطريق إلى المعلومة مازالت معضلة الصحافة التونسية أن وكالة الأنباء الرسمية هي مصدر الأخبار الإجباري في كل ما يتعلق بالشأن السياسي، وقسم هام من الأخبار الإقتصادية واٌلإجتماعية التي تبثها الصحف.

المحطات الإذاعية والتلفزية المستقلة ممنوعة على رغم أن القانون ممثلا في مجلة الإتصالات سنت لها شروطا لا تحترمها الحكومة. فهي مازالت تمتنع عن الرد على ستة مطالب لإنشاء محطات إذاعية أو تلفزية حرة منذ سنوات، بل إن أحدها يعود إلى 22 عاما، وهو الملف الذي تقدم به الزميل صالح الفورتي كاتب عام نقابة الإذاعات الحرة، منذ سنة 1987 لبعث "راديو 7". وفي الأثناء خرج العالم من قيود الوصاية على الإعلام، فانتشرت الإذاعات الخاصة في جميع البلدان تقريبا، بما فيها بلدان أفريقية جنوب الصحراء صارت تُعد فيها بالمئات، وبلدان عربية مثل الأردن واليمن وموريتانيا. وظل التحكم الصارم في هذا القطاع عندنا عنوانا على غياب حرية الإعلام وإخضاعه لمنطق التسيير والتوظيف الذي كان سائدا في أنظمة الحزب الواحد خلال القرن الماضي. وفي المقابل رأينا تسريبا من تحت الطاولة لتراخيص أتاحت لإذاعات خاصة البدء في البث في ظروف يلفها غموض مريب، منذ إنطلاق "موزاييك أف أم" في 2003، ثم "الزيتونة" فـ"جوهرة"، وهي كلها مهداة إلى مقربين لا علاقة لهم بالإعلام من قريب ولا من بعيد. أما الإذاعات التي أطلقها أصحابها بعد السكوت الرسمي المديد على مطالبهم، مثل "راديو6" الذي أطلقه الزميل الفورتي، فكان مصيرها حجز التجهيزات وختم المقر بالشمع الأحمر.

وعرفت المحطات التلفزية الخاصة مسارا مماثلا، إذ تجاهلت الحكومة المطالب التي تقدم بها مهنيون منذ سنوات، وأعطت بطريقة تشبه "الترابندو" رخصتين لتجار يتعاملون مع المؤسسة الإعلامية بوصفها مشروعا تجاريا يدر أرباحا غزيرة من الإشهار لاغير.

نقلا عن موقع الحزب الديمقراطي التقدمي

جميع الحقوق محفوظة لمنصة الذاكرة 2026 ©