إجراءات تونسية في البلاد العربية
قبل يوم من فرار طاغية تونس بن علي، وعلى وقع انتفاضة أهل تونس، ألقت وزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلنتون في 13/1/2011م، خطاباً لافتاً أثناء مشاركتها في منتدى المستقبل المنعقد في الدوحة، قالت فيه: "إن شعوب المنطقة قد أرهقتها المؤسسات الفاسدة"، وبشّرتهم بأن "أرضية المنطقة تغرق في الرمال، في أماكن متعددة، وبطرق عديدة..".وفي الوقت الذي أكّدت فيه الوزيرة على التزام أمريكا
- 24 يناير 2011
- مصدر الوثيقة:
- الحوار نت
قبل يوم من فرار طاغية تونس بن علي، وعلى وقع انتفاضة أهل تونس، ألقت وزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلنتون في 13/1/2011م، خطاباً لافتاً أثناء مشاركتها في منتدى المستقبل المنعقد في الدوحة، قالت فيه: "إن شعوب المنطقة قد أرهقتها المؤسسات الفاسدة"، وبشّرتهم بأن "أرضية المنطقة تغرق في الرمال، في أماكن متعددة، وبطرق عديدة..".وفي الوقت الذي أكّدت فيه الوزيرة على التزام أمريكا بحماية حلفائها من الحكام ومن يسير في ركبها قبل فوات الأوان، حيث خاطبتهم بالقول "أنا هنا لأتعهد بدعم بلادي لأولئك الذين يسارعون لحل المشاكل التي نواجهها نحن وأنتم!"، فقد حذّرت كلينتون المعنيين من الحكام ممن وصفتهم بـ "الذين يتمسكون بالوضع الراهن ربما يتمكنون من كبح التأثير الكامل لمشاكل بلدانهم لبعض الوقت، لكن ليس للأبد"، وحذّرتهم من قيام "عناصر التطرف والإرهاب بملء الفراغ" في المنطقة.
إن خطاب كلينتون يحمل في طياته وعداً وترغيباً من أمريكا للحكام العرب ليتداركوا أمرهم فلا يجرفهم طوفان التغيير القادم فيسارعوا إلى ردم الهوة المتّسعة بينهم وبين الشعوب، وتبنّي "إصلاحات" اقتصادية وسياسية تحمي أنظمتهم من السقوط. وفي المقابل يحمل الخطاب وعيداً وترهيباً للحكام الخارجين عن الطاعة الأمريكية لحملهم على الارتماء بأحضان أمريكا .
و لقد بدأت كلمات وزير الخارجية تجدي لها صدي داخل الحكومات العربية , خاصة مع رؤيتهم يشاهدون طائرة بن علي تحلق فوق سماء المطارات و لاتجد لها مهبط علي الأرض فبدأوا في إتخاذ إجراءات تحميهم من السقوط , وو جدنا عجباً يحدث من الأنظمة العربية من الوقوف بشدة ضد رفع الأسعار إلي قيام دولة خليجية بتوزيع ألف دينار علي مواطنيهم بحجة مواجهة الغلاء , إلي التعامل الجميل مع مظاهرات الأردن و توزيع الماء و العصير من قبل الشرطة علي المتظاهرين , و غير ذلك كان من ابرزها الموافقة علي فتح صندوق بقيمة 2 مليار دولار لتشغيل الشباب من قبل الدول العربية و ذلك أثناء مؤتمر القمة العربية الإقتصادية الذي انعقد في شرم الشيخ في الشهر الجاري .
إنني أتسال لماذ هذه الإجراءات و غيرها بعد سقوط نظام بن علي أليس أولي بالحكومات العرببة أن تتخذ هذه الإجراءات لمصلحة المواطن العربي في الأصل و ليس تفادياً لحدوث ثورة ياسمين أخري .
لقد تم الإفراج عن جميع المعتقلين السياسين في السجون التونسية بعد سقوط النظام البائد و الذي بلغ عددهم حوالي ثلاثين ألف معتقل , فهل ننتظر سقوط أنظمة أخري حتي يتم الإفراج عن المعتقلين السياسيين في ياقي السجون العربية؟
إن الحكومة التونسية الجديدة أصدرت قراراُ بالسماح لكل الأحزاب الممنوعة بالعمل و التحرك في البلاد , فهل يحتاج كل السياسيين العرب إلي ثورة في بلاده لكي يسمح له بالعمل السياسي , أم أن الأنظمة ستعي الدرس و تفتح المجال المغلق أما السياسيين العرب لكي يمارسوا دورهم في بناء أوطانهم ؟
لقد كشفت الأخبار المسربة عن إجراءات أتخذتها بعض الدول العربية في الخفاء لتفادي قيام ياسمين أخري في بلدانهم , و بين إجراءات أتخذتها الحكومة التونسية بعد سقوط النظام السابق يظل المواطن العربي طارحاً التساؤل المسيطر علي ألسنة العرب من المحيط إلي الخليج لمذا هذا أو ذاك ؟ لماذ قرارت بدافع الخوف , و لماذا قرارت لا تحدث إلا بعد السقوط ؟
إن لانظمة العربية متفقه فيما بينها على احتقار المواطن، وجلد ظهره بسياط فسادها، وتستقوي عليه باجهزتها الامنية ا، وتتفن في تعذيبه واهانته ومصادرة ابسط حقوقه الانسانية، وتعامله كغريب فوق تراب وطنه. والاكثر من ذلك اغلاق كل مجالات التعبير ووسائله في وجهه.
جميع امم الارض تتقدم، تتطور، تحترم حقوق مواطنيها، تكرس الحكم الرشيد، عبر التداول السلمي للسلطة ،عبر المؤسسات الشرعية المنتخبة، الا في الدول العربية، حيث يتساوى فقراؤها في القمع .
جميع الامم تنهض وتطور مشاريعها الوطنية لتتبوأ مكانتها بين الامم الأخرى، بتكريس الاصلاحات السياسية، وتنمية اقتصادية تضع الانسان على رأس قمة اولوياتها، وبرامج عسكرية عصرية لحماية الاوطان باستثناء الامة العربية التي باتت جثة مريضة فاقدة الحراك والفضل يعود الى حكامها وبطانتهم الفاسدة.
هل يعقل ان امة بلغ دخلها من النفط والغاز تريليونات الدولارات فشلت في بناء مستشفيات وطنية تعالج حكامها قبل مواطنيها، وهل يمكن ان نصدق ان المرشح لخلافة والده في دولة عربية كبيرة لا يثق بأطباء بلاده جميعا ومستشفياتها لكي تنجب زوجته طفلته في مستشفى بريطاني؟
هل يعقل ان يثور الجزائريون وينزلون الى الشوارع في مظاهرات احتجاجية غاضبة بسبب الجوع والارتفاع الجنوني لاسعار المواد الاساسية، وفي خزينة دولتهم اكثر من 150 مليار دولار من احتياطي العملات الصعبة؟ اين الدولة واجهزة استخباراتها، ولماذا لم تتحسس معاناة المواطن مبكرا وتستجيب لها، ام ان مهمتها باتت التجسس عليه، ومصادرة حرياته، وانتهاك حقوقه؟
من المؤكد أنّ هناك طريقاً واحداً وسبيلاً واضحاً، وهو القيام بعملية مراجعة شاملة لجوانب حياتنا ومواجهة شجاعة مع مشاكلنا ومصارحة أمينة لشعوبنا التي لا تقتات بالشعارات ولا تعيش بالأحلام ولا تقودها الأوهام، إذ لا بد من وعي صادق ومكاشفة كاملة تطفو فيها الحقائق على السطح وتختفي منها الازدواجية التي نعيش فيها، وتتقدم الشفافية لتصنع مجتمعاً عربياً جديداً، ذا مصداقية واحترام في عالم اليوم، يواجه مشكلاته بوضوح ويتعامل معها بشكل مباشر وينفتح على الغير، وترتفع فيه قيم الإنسان وكرامته، وتقل معه صلاحيات الحاكم الفرد. كما يجب أن لا يغيب عن الذهن أنّ تيار الإصلاح الذي نتحدث عنه والمراجعة الشاملة التي نرنو إليها هي أمور لن تتحقق بغير إرادة عامة تلتقي حولها كل قوى التغيير ، وتجمع عليها الأمة ويتحقق لها قبول وطني شامل.
إنّ سنوات العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، بما أفرزته من شعور بالهوان وإحساس عميق بالثمن الباهظ والفاتورة الفادحة التي ندفعها نتيجة للأنظمة الشمولية ودوائر الحكم المغلقة، تدعونا اليوم إلى المضي نحو عملية إصلاح شامل لا تتجه إلى تغيير القيادات الفاسدة والمفسدة فحسب، بقدر ما تتجه إلى تغيير السياسات وأنماط التفكير وأساليب الإدارة. لقد آن الآوان لكي يتحرك العرب نحو التغيير الجاد والتفكير الشامل والابتعاد عن العشوائية السياسية مع القدرة على الموازنة بين المصالح الوطنية والقومية والضغوط الخارجية، إنه وقت للصحوة المطلوبة والرؤية الغائبة والرشد المنتظر.
لقد حان الوقت للتغيير، لبدء الطريق نحو التخلص من التبعية والتهميش وإعادة إنتاج الفقر والتأخر والتفاوت والجهل والتسلط، وذلك من خلال الاعتراف بانهيار عصر عربي بأنظمته وأحزابه ومؤتمراته وعقائده، وإجراء مراجعة شاملة للشعارات الكبيرة المعتمدة على أفكار تجاوزها الزمن، ونقد للذات، والبدء بقبول وفهم الوقائع العالمية الجديدة وتداعياتها المحلية، ووضع حلول للحاضر والمستقبل لا تُستحضر من مفاهيم الماضي إلا بمقدار ما تنطوي على جدوى للحاضر والمستقبل.