نصوص

أين مكانة العلماء ؟

بسم الله الرحمن الرحيم أين مكانة العلماء ؟ و مضات من تراث العلامة محمد الخضر حسين ( توفي رحمه الله يوم 2 فيفري 1958 ) " كان للذين أوتوا العلم فيما سلف سلطة نافذة في القلوب و جلالة تملأ الصدور ، حتى أصبحت مكانتهم أعزّ منزلة تطمح إليها النفوس ، و أشرف غاية تتسابق إليها الهمم " الشيخ محمد الخضر حسين " إن ارتقاء الأمة في درج الكمال بوفرة علمائها و اضمحلالها باضمحلال علمائها" ( ابن عاشور ، دت ، ص 94 ) هل مكانة العلماء في قلوب الناس اليوم ، هي مثلها كما كانت عليه سابقا ، و كما صورها الامام محمد الخضر

0
10 يناير 2010
مصدر الوثيقة:
الحوار نت
مشاركة

بسم الله الرحمن الرحيم 
 
أين مكانة العلماء ؟
و مضات من تراث العلامة محمد الخضر حسين
( توفي رحمه الله يوم  2 فيفري 1958 ) 

 
 

   " كان للذين أوتوا العلم فيما سلف سلطة نافذة في القلوب و جلالة تملأ الصدور ، حتى أصبحت مكانتهم أعزّ منزلة تطمح إليها النفوس ، و أشرف غاية تتسابق إليها الهمم "
                                                         الشيخ محمد الخضر حسين
" إن ارتقاء الأمة في درج الكمال بوفرة علمائها و اضمحلالها باضمحلال علمائها"
                                                    ( ابن عاشور ، دت ، ص 94 ) 
 
هل مكانة العلماء في قلوب الناس  اليوم ، هي مثلها كما كانت عليه سابقا ، و كما صورها الامام محمد الخضر حسين ؟ ( حسين ، 1990 ، ص 144 ) .
الإجابة ماثلة أمامنا من خلال :
·       ما نقرئه من مقالات أو ردود مشحونة تجاه هذا العالم أو ذلك .
·       انزواء العلماء .
·       التساهل في إطلاق الفتاوي و استخداماتها السياسية .
·       الاصطفاف المشحون سياسيا بين العلماء  .
·       الانتصار بوسائل الاعلام .
 
فهذه المسائل تؤثر في صورة العالم ، و يضطرب دوره في الواقع ، و تفقده القدرة على أداء أمانة العلم و موجباته من الاصلاح و الوحدة و التربية و البناء . فتُعوّض مرجعية العلم و العلماء بمرجعية التنطع و الجهل . فتزداد حالة الأمة اضطرابا و تشويشا . 
و قد حدد الشيخ محمد الخضر حسين رحمه الله مزايا أربعة و اعتبرها من أهم العوامل الذاتية التي بوأت العلماء تلك المكانة المرموقة و هي :
 
1.   الاستقلالية الفكرية :
 
       استقلال الفكر هي الخصيصة الاولى التي يجب أن يتحلى بها علماء الشريعة ، فهي التي تمكنهم من السباحة في بحور العلم و فروعه  " فمن درس علما فأتقنه ، ثم بسط نظره في علوم أخرى ، كان أعظم همة ممن درس علما ثم قعد لا يلقي لغيره من العلوم بالا ، و لا يعرف لثمرها اللذيذ طعما " ( حسين ، 1971 ، ص 47 ) و "طالب العلم الذي يتحرى لبابه و يجول في أصوله ، يكون أعظم همة ممن يقضي الزمن في قشوره و يحبس النظر في دائرة ضيقة من فروعه " (حسين ، 1971 ، ص 48 ) و هذه الهمة و السعة في الاطلاع و الجد في الطلب تمنح العالم بصيرة و ادراك للمقاصد و الحكم ، لذلك ف "..إن من يغوص في فهم حقائق الشريعة ببصيرة نقية و نظر قائم بنفسه ، لا يعجزه أن يبينها للناس في أسلوب ينهض بحجتها و يكشف عن وجه حكمتها. و هذا ما يحفظ رونقها و يرفع شأن القائمين على حمايتها ، أما الذي يتلقى تعاليمها بمجرد المتابعة ، فلا يأمن أن يبتلى ببارع في فن الجدل يكافحه بتخيلات و شبه تزل به في حيرة ، و تهبط به في هاوية خيبة و صغار " ( حسين ، 1990 ، ص 144) . فاستقلال الفكر يبنى بعظم الهمة  و كبرها ، و بالهمة تحمى " الجماعة من أن تتملق خصمها ، و تسل يدها من أسباب نجاتها و منعتها . أما صغير الهمة فإنه يبصر خصومه في قوة و سطوة ، فيذوب أمامهم رهبة، و يطرق إليهم رأسه حطة ، ثم لا يلبث أن يسير  في ريحهم ، و يسابق إلى حيث تنحط أهواءهم " (حسين ، 1971 ، ص 48 ) .
2.   الاستقامة :
 
      إن " فلاح الأمة في صلاح أعمالها ، و صلاح اعمالها في صحة علومها ، و صحة علومها أن يكون رجالها أمناء فيما يروون أو يصفون ، فمن تحدث في العلم  بغير أمانة فقد مسّ العلم بقرحة ، و وضع في سبيل فلاح لأمة حجر عثرة " (حسين ، 1971 ، ص 70 ) .
     فالاستقامة و " الأمانة زينة العلم و روحه الذي يجعله زاكي الثمر لذيذ المطعم . و إذا قلبت النظر في تراجم رجال العلم ، رأيت بين  العالم الأمين و قرينه غير الأمين بونا شاسعا ، ترى الأول في مكانة محفوفة بالوقار  و انتفاع الناس منه في ازدياد . و ترى الثاني في منزلة صاغرة ، و نفوس طلاب العلم منصرفة عن الأخذ عنه أو متباطئة " (حسين ، 1971 ، ص 72 ) .
 وبما أن  " شأن علماء الشريعة أن يكونوا حفّاظا على خزائن الدين " ( حسين ، 1975 ، ص 121 ) ، فزلة أحدهم " ليست عقيمة كزلة غيره ، بل لكونه محل القدوة ، تتناسل و تذلل للعامة الطريق إلى اتيان أمثالها و ارتكاب ما هو أشد خطرا و أكبر وزرا " ( حسين ، 1990 ، ص 145 )
3.   الانخراط في هموم الأمة و قضاياها :
 
   يقول الشيخ : " إن من وظيفة العالم مراقبة سير الأمة ، حتى إذا اعترضها خلل أرشد إلى اصلاحه ، أو ضلت عن حق قادها إلى مكانه " " ( حسين ، 1990 ، ص 146 ) فقد " كان أهل العلم يوجهون هممهم  إلى الوسائل التي تقي الأمة ممن يبغونها الأذى "  ( حسين ، 1971 ، ص 101 ). و نجد فضيلته يحذر " و من أسباب وهن حبل الاسلام و تقطع أوصاله مذاهب يبتدعها ملاحدة يمكرون ، أو جهال لا يفقهون .. "    ( حسين ، 1971 ، ص 100 ) . و " لا يستحق لقب عالم أو مصلح ذلك الذي يدعو الناس إلى العمل الصالح و يقبض عنه يده ، أو ينهاهم عن العمل السيء و لا يصرف عنه و جهه ، فمن أدب العلماء أن يسابقوا الأمة إلى اجتناب ما يؤاخذ به ، و عمل ما يحمد عليه كأن ينفقوا في وجوه البر و المشروعات الصالحات ما ينفقه أمثالهم من المكثرين أو المقلين ، فإن ذلك أدل على إخلاصهم ، و أدعى إلى توقيرهم و قبول  نصائحهم " ( حسين ، 1971 ، ص 104 )
 
4.   قوة الارادة :
 
     و بما أن وظيفة العالم مراقبة سير الأمة كما يقرر فضيلة الشيخ ، فلا شك أنه  " من تصدى لتقويم الخاطئين و رد جماح المبطلين ، يلاقي بالطبيعة أذى و يجد في طريقه عقبات لا يقتحمها إلا ذو عزم ثابت و إقدام لا يتزلزل " ( حسين ، 1990 ، ص 146 ) . ف " في سبيل الدفاع عن الحق أو الدعوة إلى الاصلاح عقبة لا يقتحمها إلا ذوو الهمم الكبيرة ، فإن في طوائف المبطلين أو المفسدين نفوسا طاغية و أحلاما طائشة و ألسنة مقذعة ، و ربما كانت فيهم أيد باطشة و أرجل في غير الخير ساعية " (حسين ، 1971 ، ص 49 ) فهم  في أداء  وظيفهم المنوطة بعهدتهم  " لا يبالون بما يلاقونه في حفظها من الأذى ، كالسجن ، و ضرب السياط ، و القتل ، و الاخراج من البلد الذي استقر أمره فيه ، و العزل من الوظيفة " ( حسين ، 1990 ، ص 146 ) . و على العالم ان يكون " رفيقا في خطابه ليانا في إرشاده ، أما إذا أراده ذو قوة على أن يقول ما ليس بحق أو يأتي ما ليس بمصلحة ، أخذ بالتي هي أرضى للخالق ، و كان مثالا للإستقامة صالحا " (حسين ، 1971 ، صص  102-103  ) .. " و متى كان في ولاة الأمور شئ من العدل ، و كان للداعي إلى الاصلاح حكمة و إخلاص ، نجحت الدعوة في سعيها ، و بلغت بتأييد الله مأربها " ( حسين ، 1971 ، ص 102 )
 
و للحديث بقية
المراجع
 
1.   ابن عاشور ، محمد الطاهر : أصول النظام الاجتماعي  في الاسلام . الشركة التونسية للتوزيع ، دت .
2.   حسين ، محمد الخضر : الدعوة إلى الاصلاح . حققه : علي الرضا الحسيني . الدار الحسينية للكتاب ، ط3 ، 1990 .
3.   حسين ، محمد الخضر : دراسات في الشريعة الاسلامية . جمعه و حققه : علي الرضا الحسيني . المطبعة التعاونية ، دمشق ، 1975 .
4.   حسين ، محمد الخضر : رسائل الاصلاح ، المطبعة التعاونية ، دمشق ، 1971

ابراهيم بلكيلاني ( النرويج ) 

جميع الحقوق محفوظة لمنصة الذاكرة 2026 ©