نصوص

أين المجتمع التونسي في ما نشاهده على قنواتنا التلفزية!؟

هل يحق لنا أن نتحسّر على السنوات الأولى للإنتاج الدرامي عندما كان محدودا وموسميا؟ خاصة وأن النقلة التي شهدها في الكثرة لم تتبعها نقلة في المضمون والذوق الفني؟ وهل كان الحل الذي نادى به البعض من دعم وتكثيف الإنتاج الدرامي غير مناسب أم أن تطبيقه كان قيصريا ودون رؤية واضحة حتى نشاهد تلك المسلسلات والمسلسلات التي طغى عليها الارتجال والضحك الرخيص ولغة الصعلكة

0
6 سبتمبر 2010
مصدر الوثيقة:
الحوار نت
مشاركة

هل يحق لنا أن نتحسّر على السنوات الأولى للإنتاج الدرامي عندما كان محدودا وموسميا؟ خاصة وأن النقلة التي شهدها في الكثرة لم تتبعها نقلة في المضمون والذوق الفني؟
 
وهل كان الحل الذي نادى به البعض من دعم وتكثيف الإنتاج الدرامي غير مناسب أم أنّ تطبيقه كان قيصريا ودون رؤية واضحة حتى نشاهد تلك المسلسلات والمسلسلات التي طغى عليها الارتجال والضحك الرخيص ولغة الصعلكة والبلطجة التي أصبحت أسلوب حياة محبذ ومنشود زيادة على سقوط هذه الأعمال الدرامية  في الحديث عن مجتمعات لا تشبهنا ولا نشبهها...

ولسائل أن يسأل، والأكيد لن يجد جوابا، ما همّ المواطن التونسي فيما يطرح عليه من أطباق درامية ذات خمس شوكات وهو الذي يشقى للوصول إلى بيته و«يتشعبط» أبواب الحافلة الصفراء على امتداد عشرات الكيلومترات في أيام الحر الشديد ويتناول إفطارا «كذابا» (بدون لحوم ولا أسماك ولا حتى دجاج الحاكم...)، وهل هو معني بأن نحكي له في مسلسل «كاستينغ» مثلا أوفي غيره من الأعمال الدرامية الأخرى التي كانت نسخا متشابهة من بعضها البعض عن وهم الفنان التونسي وعن العقد التي يعيشها وعن كونه «السوبر مان» (super man) الذي لا قبله ولا بعده وهو صاحب الفضل والمزية علينا وهوالذي يطعمنا من جوع...؟ وهل دور هذا الفن الذي يقترحه الفنان التونسي بين ظفرين هو محاكاة الواقع ونقله وتعميمه بلغة «القجمي» والمجرمين والمنحرفين ليسمم به آذاننا وتصبح هذه اللغة، اللغة التي يرددها حتى الأطفال؟ وهل من المفروض أن يسمو الفن بخطابه ويقدم لنا نماذج يقتدى بها أم يحاكي وينقل نماذج حقيرة تلبد أذواقنا وتصدع آذاننا...

وفيما يهم المواطن التونسي الذي تنجز بأمواله هذه الأعمال التلفزية ألا نطرح له مشاكل وقضايا حقيقية وفي المقابل نحكي له عن مواضيع وهمية ومغلوطة من قبيل أنّ الخلاعة على تلك الطريقة الارستقراطية وعلى نحو تلك الشخصيات الباردة القادمة من المتجمد الشمالي، شخصيات لا شبيه لها ولا وجود منها في مجتمعنا... لشعب تعوّد على الحر والقرّ وعلى محبة وعشرة الهريسة وهو ما يعني أن المشاهد لن يجد ما يعبر عن مشاغله وهمومه فيما قدمه له البعض مقابل المليارات.

مواطن نحكي له عن الفنان الذي لم يقدر على تناول «البيفتاك» أوعنده أزمة إبداع وإبداعنا بطبعه في أزمة أبدية - إلا ما رحم ربي - وهذا لا يخفى على الشعب التونسي بكل درجاته. والغريب أنّ خطاب ما يسمى بالفنان التونسي في التلفزيون كما في المسرح خطاب لا شبيه له في العالم فالممثل في تونس منتفخة ذاته ويعتقد أن حياتنا متوقفة على وجوده ويظن أنه صاحب فضل علينا إلى درجة أنّ أحدهم شبه نفسه في عمل مسرحي بأنه الشمس التي تشرق وأنه «ضمير الأمة» حيث سيبني بألوان شو مجتمعنا وهو في الحقيقة لن يبني سوى مصالحه الذاتية، فهل بلغة «الفصايل» التي طغت على أعمالنا الفنية وتفنن الكتاب والمخرجين والممثلين في تقديمها أكثر من أصحابها وأعني «السراق» سنؤسس لأجيال الغد.

وإذا كان الفنان التونسي - بين ظفرين - يعتبر نفسه رياديا بما نشاهده من أعمال خالية من كل فنّ وعمق ويعتبر نفسه مناضلا في سبيل الوطن بالرداءة التي يروجها فماذا يمكن أن نقول عن عمال مهن تحت الشمس ومنهم عامل النظافة الذي يسهر الليالي حتى يزيل أوساخنا بما في ذلك مزابل الفنانين ويسهر على نظافة محيطنا وبيئتنا ويدفع من ماله الضرائب حتى تصل لفناننا كدعم بدون شقاء ولا عناء، فأيهما صاحب الفضل الحقيقي على بلادنا؟

لقد انكسر الجليد وبانت الحقيقة هذه السنة وانكشفت النوايا فكل الحكاية أصبحت واضحة وهي الحصول على المال وليست حكاية إبداع والإشهار الذي تتنافس عليه القنوات التلفزية بالساعات وأصبح يفوق المادة الدرامية خير شاهد ودليل على دراما كتبت وفق حاجة الجيوب. والأكيد أنّ بعضهم وهو يقرأ هذا المقال سيقول لي كفاك من الثرثرة والتحليق في برج عاجي لرثاء الفن التونسي وأترك الناس تسترزق؟

 
 
 

جميع الحقوق محفوظة لمنصة الذاكرة 2026 ©