نصوص

أوهام الحداثة .. أو العهر الثقافي ( 1 )

الكثير من الناس ضحايا مغالطة كبرى ، تتعلق بمدلولات المصطلحات والتي شوهت واختزلت الكثير من ماهياتها ، وأسالت حبرا كثيرا ، وأثارت جدلا طويلا لا يزال محتدما حتى اليوم ، ويبدو أنه سيستمر إلى ما يشاء الله . ومن هذه المصطلحات ، مصطلح " التقدمية " الذي رفعه اليساريون ردحا طويلا ولا تكاد تسمع له ركزا اليوم ، ومصطلح الحداثة الذي يرفعه ( الليبراليون ) والذي لا يزالون يحاربون به المذهبية الاسلامية من وراء جدر الاستبداد والقمع والتحالف مع ( الأعداء ) القريبين والبعيدين . لقد مثل كل من المصطلحين " التقدمية "

0
18 أبريل 2010
مصدر الوثيقة:
الحوار نت
مشاركة

 

   

الكثير من الناس ضحايا مغالطة كبرى ، تتعلق بمدلولات المصطلحات والتي شوهت واختزلت الكثير من ماهياتها ، وأسالت حبرا كثيرا ، وأثارت جدلا طويلا لا يزال محتدما حتى اليوم ، ويبدو أنه سيستمر إلى ما يشاء الله . ومن هذه المصطلحات ، مصطلح " التقدمية " الذي رفعه اليساريون ردحا طويلا ولا تكاد تسمع له ركزا اليوم ، ومصطلح الحداثة الذي يرفعه ( الليبراليون ) والذي لا يزالون يحاربون به المذهبية الاسلامية من وراء جدر الاستبداد والقمع والتحالف مع ( الأعداء ) القريبين والبعيدين .

 

لقد مثل كل من المصطلحين " التقدمية " و" الحداثة "ارهابا فكريا في البلاد الاسلامية تحول في بعض البلدان مثل تونس إلى ارهاب سلطوي فضيع ، فباسم هذا المصطلح ألغيت الأوقاف ، وعطلت أحكام الاسلام ، مثل الصوم ، وتمت السيطرة على المساجد ، وحوربت المظاهر الاسلامية وفي مقدمتها الحجاب ، وتم تقليد الغرب في كل شئ ما عدا الحداثة الحقيقية المتمثلة في الحريات السياسية ، والتنمية الاقتصادية ، والصناعات التكنولوجية . فحوكمت الأوطان بأساليب القرون الوسطى ، عندما كان ملوك الحق الالهي متحالفين مع الإقطاع والكنيسة ، وشرعت الأوطان للشركات متعددة الجنسيات ، وللسلع الوافدة مع الأفكار التي ولدتها وتولدت عنها ، فأصبحت مجتمعاتنا بذلك تستهلك الأفكار الوافدة ولا تنتج شيئا ، تماما كما تفعل مع السلع الوافدة ، دون محاولة بناء نفسها من كل الجوانب ، كما فعلت اليابان وكوريا الجنوبية ، وماليزيا ، والهند وغيرها من الدول التي انطلقت من ذاتيتها الثقافية وامكانياتها التقنية ، وطورت من خلال ذلك قدراتها التكنولوجية ، وبدأت نهضتها مع محاولات محمد علي في مصر بناء قوة ذاتية ، فتقدمت وفشلت محاولات الحداثة في بلادنا ، ليس بسبب الدين ولكن بسبب البعد عنه . فالدول التي تقدمت لم تزدر ذاتها ، ولم تدعو للقطع مع ثقافتها ، كما حدث مع المحاولات الفاشلة في كل من الشام والمغرب الاسلامي وواد النيل وغيرها . فلم تجر في اليابان والصين والهند وماليزيا نقاشات بيزنطية كالتي دارت وتدور في بلادنا . فكان تركيزهم على التطور التقني في الغرب ، وكان تركيزنا على نمط الحياة الغربية وحسب .

 

لقد وقع الكثير من الناس في الخطيئة عن عمد من جانب ، وعن سهو أوعدم تقدير أو رد فعل غير مدروس في الجانب الآخر . والخطأ أوالخطيئة التي سقط فيها البعض هي تقديم الحداثة بأنها تعني القطع مع الاسلام . ولقد ساهم الليبراليون وغيرهم في ترسيخ هذا المفهوم مما جعل الأمة تنقسم إلى قسمين أحدهما مع الحداثة والآخر ضدها ، وهوما أخر أو ساهم في تأخير نهضة الأمة إلى جانب التخلف السياسي المرخي ظلامه على الأمة . والحقيقة كما يؤكد الكثير من المفكرين ، هي أن الصراع في الأمة ليس بين حداثة وتقليد كما يزعم البعض ، ولكن بين مشروعين للحداثة أحدهما يقطع مع الاسلام ، والآخر يعتمده أساسا للنهضة والتقدم والتحديث .

 

وقدرنا أن نعيش في هذا الصراع الذي تميل الكفة فيه لمشروع التحديث على أساس الاسلام ، فلا يمكن فرض مشروع تحديث مستوردة ملامحه من الخارج ، مما يفقد المنطقة ملامحها وهويتها التي لا يمكن تغييرها إلا قسرا ولوقت محدود بحدود القهر والجبر والفرض . إن الحداثويين القاطعين مع الاسلام لا يمكنهم فرض مشروعهم وإلى الأبد ، إلا بطريقة كاريكاتورية كالتي يقدمون بها التراث الشعبي من جانبهم للجمهور . فالتحديث على أساس الاسلام ، لا يعني تكريس تلك اللوحات التراثية ، والتي يخيل إليهم أن أنصار التحديث على أساس الاسلام يرمون العودة إليها . كما أن المظالم الاجتماعية التي يحاولون أن يلمزوا من خلالها الاسلام ، عبر وسائل الاعلام المرئية والمقروءة والمسموعة ليست النموذج الذي يبشر به أنصار الأصالة والمعاصرة . وبالتالي فإن مساعيهم التشويهية للمشروع الاسلامي للتحديث لن تلقى النجاح الذي يسعون إليه بل يزيد في خيبتهم ، ويساهم في إفشال مشروعهم .

 

محاولات أخرى فاشلة ، تؤكد تخبط الحداثويين التغريبيين ، وهي نسبة كبرائهم للفكر الاسلامي وهم من أشد خصومه ، مما يكشف عن حجم الزيف والتزوير في خطابهم . وكان اليساريون قد سبقوهم إلى هذه الخيبة ، وهي نسبة أفكارهم إلى بعض رموز الاسلام عبر التاريخ كأبي ذر الغفاري وعمر بن الخطاب ، وعلي بن طالب وغيرهم رضي الله عنهم جميعا . حيث قدم أشخاص في بعض وسائل الاعلام يدعون إلى " الفيلولوجيا " ( وهي مذهب في البحث يقلب النظرية الكنسية رأسا على عقب ، كما قلب ماركس نظرية هيغل التي ترى أسبقية الفكر على المادة ، والنظرية الكنسية تدعو للايمان قبل البحث ، أما الفيلولوجيا فتدعو الآخرين إلى الكفر قبل البحث ، بينما يدعو الاسلام إلى العلم قبل الايمان ، وإلى التفكير حتى لا يسقط الانسان في الكفر ، فاعلم أنه لا إله إلا الله .

 

 والحقيقية هي أن الدعوة إلى الكفر قبل البحث لا تختلف عن موقف الكنيسة آمن ثم ابحث ، والاسلام يخالف النظريتين فيدعو لاعمال العقل والتفكير ثم الاختيار " فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر ) . قلت ، قدم بعض كبراء الحداثيين على أنهم من المفكرين الاسلاميين . وحتى هذه التسمية ويا للمفارقة مأخوذة من بعض المستشرقين الذين أرادوا أن يوهموا العالم الغربي بأن المركزية الغربية تصنع لها أطرافا في العالم ومحاور تدور حول قطبيتها ، وعمدوا لوصف أولئك الأذيال بأنهم ممثلو ( الفكر الاسلامي الحديث .. بينما صنفوا الحلاج وأبو حيان التوحيدي وآخرين على أنهم الجذور !) وأن " الفكر الاسلامي يتبع أثر التغريب في مختلف بلاد المسلمين " . على حد قول الدكتور محمد محمد حسين ، رحمه الله رحمة واسعة أجزل له الثواب ، في كتابه " الاسلام والحضارة الغربية " .

 

Westernization

 

فوصف أفكار أولئك الحداثويين القاطعين مع الاسلام بأنها فكر اسلامي ، فكر غربي صرف ، الأمر الذي يكشف مدى تورط الحداثويين في النسخ والانتحال والتماهي .

 

والحديث عن مشروعين للتحديث في بلاد المسلمين في القارات الثلاثة آسيا وافريقيا وأوربا ، لم يبدأ من التو ، وإنما منذ القرن الثامن عشر ، ومنذ عهد رفاعة الطهطاوي ، وخير الدين التونسي ، وجمال الدين الأسدبادي المعروف بالافغاني ، ومحمد عبده ، ورشيد رضا ، وشكيب أرسلان ، والشيخ محمد بن عبدالوهاب . وتمايز الفريقان في القرن العشرين فعرف طه حسين ، ولطفي السيد ، وقاسم أمين وغيرهم بأنهم من أنصار مشروع التغريب ، والجدل حول حداثويتهم لا يزال متواصلا . وفي الجانب الآخر عرفنا الشيخ حسن البنا والمودودي وسيد قطب ، ومالك بن نبي ، ومحمد محمد حسين ، ومحمد الغزالي ، رحمهم الله جميعا ،  إلى جانب المعاصرين ، وهم كثر والحمد لله .

 

ولا شك فإن الحراك والسجال لم يقف عند أولئك وهؤلاء ، فهو لا يزال مستمرا حتى يومنا هذا ، وسيظل إلى حين يشاء الله تولي الأمة أمرها بنفسها . مع تسجيل مفارقة هامة ، هي أن أنصار المشروع الاسلامي للتحديث ينطلقون من مبادئ الاسلام الداعية للدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة . والدعوة إلى استخدام الوسائل الحديثة في حسم الخلافات ، بينما يعتمد الحداثيون على السلطة ، وقوة القمع ، وقد ساهم فشلهم في تحقيق التنمية المستدامة ، وفي توفير الحريات العامة ، وفي تحقيق الاستقلال الثقافي ، والسياسي ، والاقتصادي ، وفي جمع شمل الأمة ولو على مستوى الاتحاد الاوروبي ، فضلا عن الولايات المتحدة الأميركية ، في رفضهم من قبل الشعوب وتمني الأمة زوالهم ، وعينها على البديل الاسلامي الذي يعد الأمة بكل ما تتوق إليه من تحرير وتنمية وتقدم وتحديث ووحدة وريادة .

 

يتبع ...

 

عبد الباقي خليفة

 

جميع الحقوق محفوظة لمنصة الذاكرة 2026 ©