نصوص

أمريكا والثورات العربية.. حيرة وارتباك!

محتارون هم الأمريكيون والأوروبيون تجاه بعض الثورات العربيَّة وخصوصًا في البحرين واليمن, لا يعرفون كيف يحسمون موقفهم بشكل نهائي, فهل يساندون الثورتين بقوة أملا في أن يؤدي انتشار الديمقراطية وقيم الحرية إلى تجفيف منابع الإرهاب الذي يشغلهم منذ هجمات 11 سبتمبر 2001 بصفة خاصة, أم يكتفون بمواقف وسطيَّة تكتفي بمطالبة معمر

0
23 أبريل 2011
مصدر الوثيقة:
الحوار نت
مشاركة

 

محتارون هم الأمريكيون والأوروبيون تجاه بعض الثورات العربيَّة وخصوصًا في البحرين واليمن, لا يعرفون كيف يحسمون موقفهم بشكل نهائي, فهل يساندون الثورتين بقوة أملا في أن يؤدي انتشار الديمقراطية وقيم الحرية إلى تجفيف منابع الإرهاب الذي يشغلهم منذ هجمات 11 سبتمبر 2001 بصفة خاصة, أم يكتفون بمواقف وسطيَّة تكتفي بمطالبة معمر القذافي أساسًا, وعلي عبد الله صالح بدرجة أقل, بالتنحي وحماية المدنيين في ليبيا وإضعاف قوات السلطة فيها عبر ضربات جوية خوفًا من أن يؤدي إسقاط النظامين إلى فراغ تملأ "القاعدة" مساحات جديدة فيه؟

السؤال واضح, ولكن الإجابة ليست كذلك بسبب وجود خلاف في الأوساط السياسية والإعلاميَّة الغربيَّة حول تأثير نجاح الثورات العربية على "القاعدة" إيجابًا أو سلبًا.

ثمة خبراء غربيون يرون أن حضور "القاعدة" الظاهر في اليمن والكامن في ليبيا يؤهلها لأن تكون في مقدمة المستفيدين من إسقاط النظام, بل يذهب بعضهم إلى أبعد من ذلك, إذ يخشون أن تكون"القاعدة" هي المستفيد الأول من الثورات العربيَّة عمومًا, ومنهم مثلا مايكل سكوير أستاذ الدراسات الأمنيَّة في جامعة جورج تاون الأمريكيَّة فكان عنوان مقالته, التي نشرتها صحيفة واشنطن بوست قبل أيام, معبرًا تمامًا عن هذا المعني: "القاعدة تجني ثمار ثورات الشرق الأوسط".

وبالرغم من أن هذا الاستنتاج يبدو عجيبًا, إلا أن العجب يزول حين يعرف السبب وهو عدم التمييز بين "القاعدة" وجماعات إسلاميَّة معتدلة مثل "الإخوان" في مصر والنهضة في تونس وغيرهما، فهو يتحدث عن "القاعدة" والجماعات المماثلة لهما فكريًّا "تارة وعن "القاعدة و الجماعات المشابهة" تارة أخرى.

ويبدو سكوير, ومن ينهج نهجه هذا, في حالة إنكار للواقع الذي تنقله وسائل الإعلام التي تغطي الأوضاع في ليبيا بدرجة معقولة من الموضوعيَّة والمهنيَّة, مثل صحيفة "نيويورك تايمز" التي تحدت فكرة جني "القاعدة ثمار الثورات العربيَّة, فقد نشرت أخيرًا تحقيقًا مميزًا خلصت فيه إلى أن القاعدة قد لا يبقى لها دور في المنطقة بعد هذه الثورات التي تضعف قدرتها على تجنيد شباب غاضبين محبطين وإقناعهم بأن حكام العالم العربي ليسوا إلا دميا في أيدي الغرب ويعملون ضد الإسلام وقضايا الأمَّة.

فلن يكون ممكنًا ترويج مثل هذا الخطاب عندما تنهض الشعوب لتقرير مصيرها وتحقيق الديمقراطية التي يعتبرها أسامة بن لادن وأعوانه كُفرًا وهرقطة, فإذا كانت الإطاحة بحسني مبارك هدفًا قديما حلم به أيمن الظواهري فقد فشل في تحقيقه, بينما نجح في ذلك مصريون تحرَّكوا بأساليب ديمقراطيَّة تتعارض مع فكر القاعدة بوسائل سلمية أبعد ما تكون عن عنفها.

ولا يجد الخائفون من "القاعدة" والذين يثيرون الفزع منها دليلا ماديًّا يمسكون به إلا تنامي هجمات "القاعدة" في اليمن خلال الأسبوعين الأخيرين, لأن التخويف منها في ليبيا ما زال قائمًا على افتراضات فيقول بعضهم أن "القاعدة" بدأت تستفيد فعلا في اليمن إذ ازدادت هجماتها على قوى الأمن وحواجز التفتيش في الوقت الذي انشغل النظام بأزمته المتفاقمة.

غير أنه فضلا عن عدم حدوث تغيير نوعي في هذه الهجمات ينبغي التمييز بين الوضع المضطرب الراهن وما سينتهي إليه سواء حدث تغيير في رأس النظام أو أمكن التوافق على صيغة لإصلاحه وانتقال السلطة لاحقًا.

فازدياد هجمات "القاعدة" في وضع شديد الاضطراب ليس مستغربًا في ضوء نجاحها في تعزيز وجودها في اليمن خلال العامين الأخيرين بعد ضرب ركائزها في السعوديَّة, فما كان لها أن تتوطَّن في اليمن إلا بسبب الاختلالات الداخليَّة التي أتاحت لها أن تجد ملاجئ آمنة وتجند المزيد من الأتباع , ومن شأن معالجة هذه الاختلالات أن يضع حدًّا لقدرتها على البقاء فيها, وعندما تؤدي الثورات الشعبيَّة إلى تغيير أو إصلاح ينهض بالبلاد التي يحدث فيها, سيكون صعبًا على القاعدة أن تنفذ إليها وينطبق ذلك على ليبيا, كما على غيرها.

ولذلك يصعب الربط بين التقديرات التي تغالي في دور القاعدة من ناحية ومصالح إسرائيل التي تقض هذه الثورات مضجعها من ناحية ثانية, ولا يخفي قادة وإعلاميون إسرائيليون قلقهم منذ أن انتقلت الثورة من تونس إلى مصر.

وحتى بالنسبة إلى سوريا التي يتبنى نظام الحكم فيها سياسة "ممانعة" كشفت صحيفة "هآرتس" مدى قلق المؤسَّسة الإسرائيليَّة من الاحتجاجات التي بدأت ضدَّه.

فقد قامت استراتيجية إسرائيل الأمنية في العقدين الأخيرين على أن نظم الحكم في البلاد العربية, وخصوصًا المجاورة لها, أفضل بكثير من بدائلها التي جزمت بأنها ستكون إسلاميَّة.

ويقوم أنصار إسرائيل الآن بدور بارز في ترويج خطر "القاعدة" والتيارات الإسلاميَّة عمومًا, سعيًا إلى وضع سقف منخفض لمساندة الغرب لبعض الثورات العربيَّة.

غير أن أي تقدير موضوعي لاحتمالات هذا الخطر ينبغي أن يسترشد بأحد الأسُس المرجعيَّة في نظرية العنف وممارسته, وهو أن كلما وجد الناس قنوات سلميَّة للتعبير عن المظالم والمطالب تراجع احتمال لجوئهم إلى العنف.

ولذلك فالأرجح أنه بمقدار ما تؤدي الثورات العربيَّة إلى انتشار الديمقراطيَّة بعد تغيير بعض النظم وإصلاح البعض الآخر, سيكون على القاعدة أن تحمل إرهابها وترحل.

جميع الحقوق محفوظة لمنصة الذاكرة 2026 ©