نصوص

أما آن لملف النهضة أن يجد سبيله إلى حل وطني؟

"توسعت الحكومة أكثر من اللزوم في تطبيق قوانين مكافحة الإرهاب ".. كان ذلك من أبرز ما صرح به السيد مارتن شاينن المقرر الخاص المكلف بحماية حقوق الإنسان والحريات الأساسية في منظمة الأمم المتحدة في أعقاب زيارته إلى تونس في الأسبوع المنصرم بدعوة من الحكومة لأول مرة منذ 11 عاما كاملة لمبعوث أممي حقوقي في محاولة لتقديم تقرير حقوقي إيجابي بمناسبة مناقشة البرلمان الأروبي للحالة التونسية.. فشل الحكومة التونسية في أداء حقوقي يرضي الحلفاء الغربيين كان ذريعا مما دفعهم إلى التدخل مرات ومرات بوسائل شتى بعد أن ف

0
5 فبراير 2010
مصدر الوثيقة:
الحوار نت
مشاركة

"توسعت الحكومة أكثر من اللزوم في تطبيق قوانين مكافحة الإرهاب "..

كان ذلك من أبرز ما صرح به السيد مارتن شاينن المقرر الخاص المكلف بحماية حقوق الإنسان والحريات الأساسية في منظمة الأمم المتحدة في أعقاب زيارته إلى تونس في الأسبوع المنصرم بدعوة من الحكومة لأول مرة منذ 11 عاما كاملة لمبعوث أممي حقوقي في محاولة لتقديم تقرير حقوقي إيجابي بمناسبة مناقشة البرلمان الأروبي للحالة التونسية.. 

 فشل الحكومة التونسية في أداء حقوقي يرضي الحلفاء الغربيين كان ذريعا مما دفعهم إلى التدخل مرات ومرات بوسائل شتى بعد أن فقدوا الثقة في مشروعية الذريعة التي تستخدمها الحكومة على امتداد عقدين كاملين لتبرير تطرفها في العدوان على الحقوق الأساسية والحريات الفردية.. ذريعة الحيلولة دون تحول البلاد إلى حصن خلفي منيع للأصولية الإسلامية..

 إذا كانت شهادة رجل حقوقي أممي مدعو من الحكومة التونسية ذاتها.. شهادة سلبية في الجملة فإنّ الواقع الحقوقي في تونس لا بد أن يكون امتدادا لما عرفه (اليوسفيون والزواتنة) قبل عقود من موت بطيء في غار الدماء (تزمامرت التونسية بجدارة) بل أشد وأنكى بسبب أنّ التعذيب والحرمان والعدوان شمل آلافا مؤلفة من التونسيين منهم النساء والشباب..

 الفشل الحقوقي الذريع في تونس لا يمكن أن يبرر أبدا لا بمحاربة التطرف والإرهاب ولا بعجلة النماء المتقدمة.. لا يمكن تبرير ذلك حتى لو حدث في البلاد إرهاب أو تطرف أو تقدم الاقتصاد.. فما بالك إذا كان كل ذلك لا دليل عليه وأخشى ما تخشى أن تكون النتيجة ذاتها لو فوّض الأمر إلى خبراء أمميين يبحثون عن وجود إرهاب أو تطرف في البلاد أو نقلة اقتصادية حتى دون المعجزة بكثير.. أما المعجزة فلا يتحدث عنها حتى الألمان واليابانيون أو سكان وحكومات جنوب شرق آسيا..

 خسرت تونس بالنتيجة كثيرا من إقصاء النهضة.

 يضيق المجال هنا عن تحرير خسائر كثيرة ولكن لا بد من التأكيد على أنّ الخسارة كانت في المجال الديمقراطي ذاته بما هو إشاعة لمناخات الحرية والحقوق إذ لو تنعمت البلاد بالحريات والديمقراطية بعد إقصاء النهضة لهان الأمر وهوانه في إقصاء أي حجرة عثرة تقوم نقيضا ضد الديمقراطية.. كما كانت الخسارة فادحة كذلك في المجال الحقوقي وحسبك بشهادة هذا الخبير الأممي المدعو من الحكومة التونسية ذاتها فما بالك لو كانت الزيارة حرة بالكامل من منظمات حقوقية دولية ذات مصداقية دولية مشهودة من مثل آمنستي وهيومان رايتش وورلد.. وخسارات أخرى كثيرة وباهظة من مثل مزيد من تذرر النسيج الاجتماعي الذي بدأه المشروع البورقيبي في محاولة لإلغاء العائلة ومختلف الروابط الاجتماعية في مختلف البيئات وتعويضها بالدولة.. ربما لا تجد تونسيا واحدا يتحدث بإيجابية عن العهد النوفمبري الجديد مقارنة مع العهد البورقيبي.. لا تجد تونسيا واحدا يتحدث عن ذلك في مختلف المجالات بما فيها السياسة والاقتصاد والحريات والحقوق والإعلام والتماسك الأسري والترابط الاجتماعي والعمل النقابي بل حتى الحس القومي فيما يتعلق بقضية فلسطين إلخ.. أما في المجال التعليمي والصحي سيما فيما يتعلق ببعض المجانية والمساواة فضلا عن المستوى العلمي وأولوية البحث العلمي.. في هذه المجالات فإنّ الفارق غير قابل للقياس.. إذا كانت أغلب تلك الحقول في العهد البورقيبي سيئة الأداء والتأثير في الجملة فإنّ حالها العام في العهد النوفمبري غير قابل للمقارنة أصلا..

 خسرت تونس ـ بكلمة واحدة ـ بإقصاء النهضة كثيرا في حقول مهمة كثيرة.. يجب أن يسجل ذلك ولكن التوقف عنده غير مفيد أبدا فما فات مات كما يقال والعبرة بتجاوز الحصيلة السيئة..

 ما الذي يعيق ملف النهضة أن يطرح من جديد؟

 1ــ العبرة بتيسير سبيل هذا الملف إلى الطرح الوطني من جديد هي في الحاجة المتبادلة بين البلاد والنهضة بعضهما لبعض.. العبرة بمشروع إسلامي تجديدي معاصر يساهم في إعادة تجربة ديمقراطية نجنّبها المنزلقات في أي اتجاه كانت.. العبرة المقصودة من ذلك هي أنّ إعادة تأسيس التجربة الديمقراطية هو بوابة التماسك الاجتماعي من جهة وبوابة الرخاء الاقتصادي من جهة أخرى.. بعد أن ثبت بالتجربة العملية بأنّ تغييب الحريات والديمقراطية لا يثمر رخاء اقتصاديا ولا تماسكا اجتماعيا ولا استقرارا سياسيا.. إلا استقرارا مفروضا بالقوة مغشوشا لا يقدر مقدر ما يمور تحته من تململات حتى لو كانت تلك التململات تتخذ طابع الفرار من الحالة العامة بل حتى لو كانت تتخذ طابع الفرار إلى الجريمة الجماعية المنظمة وغير ذلك من تفاعلات حالة الاستقرار المفروض بالقوة أو بالخوف والإرهاب..

 2ـ إذا كانت مراجعات الحركة غير كافية أو غير صريحة أو دون المستوى المطلوب للتلاؤم مع التحديات الجديدة فلا بأس من مراجعة المراجعات أو تحيينها ولعل أبرز شيء في ذلك هو محور علاقة الدين بالدولة بمثل ما وقع عليه الإسلاميون إلى جانب العالمانيين في آخر وثيقة لهيئة 18 أكتوبر قبل أسابيع.. علاقة الإسلام بالدولة في تصور حركة النهضة محور جدير بتعميق البحث في اتجاه تجذير التمييز الكافي بين المستويين (الإسلام دينا والدولة شأنا عاما). ينطلق ذلك من حقيقة ثابتة لا بد من الإقرار بها عنوانها العام هو أنّ الحركات الإسلامية السياسية المعاصرة يكتنفها الغموض في تلك العلاقة.. غموض يجده من هو خارجها ولا يشفع لها أن يكون الأمر في غاية الجلاء عند من هو داخلها.. ورغم أنّ حركة النهضة تعتبر في مقدمة الحركات الإسلامية التي تميز بين المستويين وصلا وفصلا معا بحسب ما تتطلبه العلاقة هنا وهناك فإنّ مراجعة المراجعة لا يأتي إلا بخير ليس خارجيا فحسب بل داخليا كذلك..

 3ــ الاعتبار الثالث المرجح في إعادة طرح ملف النهضة من جديد هو المنتظم الحزبي والسياسي التونسي.. فبعد نجاح الأطراف السياسيّة بما فيهم حركة النهضة في تحقيق توافق سياسي في عدد من قضايا البلاد من خلال هيئة 18 أكتوبر

صار ضروريا أن يكون هناك اعتراف متبادل من ذلك المنتظم سيما من مكوناته الوطنية المعارضة الجادة دون اعتبار لمرجعياتها الفكرية والثقافية..

  4ــ وبالجملة فإنّ إعادة طرح ملف النهضة من جديد ملف وطنيّ لا طُويَ فتخلصت منه البلاد ولا وجد سبيله إلى حل مشرف.. إعادة طرح ذلك الملف يطرح واجبات على الحركة ذاتها وعلى الدولة كذلك فضلا عن المنتظم الحزبي والسياسي وما في حكمه من فعاليات المجتمع المدني.. سبيل ذلك هو الحوار.. وثمرة ذلك هو طي صفحة الماضي الأليم واستخلاص العبر الغالية مذكرين بأنها دورس كبيرة من مثل أنّ الديمقراطية ـ حتى في حدودها الدنيا بشهادة المنتظم الحزبي والسياسي ذاته ـ لم تجد طريقها إلى البلاد بعد إقصاء النهضة ومن مثل أنّ التماسك الاجتماعي ـ بسبب هوية البلاد ـ جدير بأن تخدمه النهضة مساهمة منها في تطعيم المجتمع ضد الاهتراء القيمي..

 5 ــ على أنّ ذلك يمكن أن يبدأ بملفات جزئية من مثل العودة الكريمة الآمنة بمدخل سياسي لا أمني ومن مثل إيقاف التتبعات والمطاردات وإعادة الحقوق المدنية لأصحابها من المساجين المسرحين وغيرهم..

 تلك هي بعض الآراء لأسرة الحوار.نت دعوة منّا إلى الرشد.. دعوة نوجهها إلى الحركة بمثل ما نوجهها إلى الدولة والحكومة وبمثل ما نوجهها إلى المنتظم الحزبي والسياسي المعارض.. رشد أولى حلقاته الأساسية هي أنّ النهضة ليست عقبة في طريق الديمقراطية والنماء والوحدة الاجتماعية وغير ذلك من التحديات التونسية الراهنة.. بل هي شرط أساسي على درب تلك التحديات الحقيقية.. نقول ذلك بعد تجربة عملية دامت عقدين كاملين..

جميع الحقوق محفوظة لمنصة الذاكرة 2026 ©