نصوص

أقولها وأمضي | المعارك الوهمية ... والنكسات الحقيقية |

اتصل بي اليوم شاب تونسي هو طالب في كليّة الآداب، وسألني، بكلّ جدّ، قائلا : "أخي الغالي، أنا الآن أحاور شيوعيا وهو يشكك في وجود الله، وتخالفنا في مسألة إن كان محمد رسول الله قبل أن ينزل عليه الوحي مؤمنا بالله أو يعبد الأصنام". كان ردّي، على غير عادتي، مباشرا، وحاسما، وحازما : دعك من هذه القضايا التي لا طائل من ورائها، إن الشيوعية ماتت فلا تحيينّ أتباعها اليتامى" .... ولنا أن نتخيل الساعات والساعات الطويلة الضائعة على شبكات التواصل الاجتماعي في نقاش من هذا النوع..... هذا أنموذج حيّ على المعارك الو

0
14 أبريل 2014
مصدر الوثيقة:
الحوار نت
مشاركة

 

 

اتصل بي اليوم شاب تونسي هو طالب في كليّة الآداب، وسألني، بكلّ جدّ، قائلا : "أخي الغالي، أنا الآن أحاور شيوعيا وهو يشكك في وجود الله، وتخالفنا في مسألة إن كان محمد رسول الله قبل أن ينزل عليه الوحي مؤمنا بالله أو يعبد الأصنام".

كان ردّي، على غير عادتي، مباشرا، وحاسما، وحازما : دعك من هذه القضايا التي لا طائل من ورائها، إن الشيوعية ماتت فلا تحيينّ أتباعها اليتامى" .... ولنا أن نتخيل الساعات والساعات الطويلة الضائعة على شبكات التواصل الاجتماعي في نقاش من هذا النوع.....

هذا أنموذج حيّ على المعارك الوهيمة التي نكسب فيها جميعا، ولكننا بقدر المكاسب التي نجنيها من هذه الترهات، سنفقد أضعاف الأضعاف في المعارك الحقيقية. وها نحن نخسر مع محاكمات مصرية تقرر إعدام مئات من نخبة المجتمع في دقائق، وتبرئ قتلة المتظاهرين في تونس في دقائق، وكأن شيئا لم يكن.

وهذه عينة من القضايا الوهمية التي شغلت بها وسائل الإعلام المجرمة الناس، بينما كانت قوى الرّدة والإفساد في الأرض تحضّر نفسها للثورة المضادة : مع أو ضد تطبيق الشريعة؟ مع أو ضد الدولة الإسلامية؟ مع أو ضد ارتداء النقاب؟ مع أو ضد جهاد النكاح؟ مع أو ضد حلق اللحية؟ مع أو ضد الخلافة الإسلامية؟ مع أو ضد الشيعة؟ مع أو ضد الحركة الأمازيغية؟ مع أو ضد الزواج بالأطفال؟؟؟ هل أنت مع العمل الدعوي أم العمل السياسي؟ هل أنت مع أو ضد الديمقراطية؟

كلّ دخول في نقاش لهذه المعارك الوهمية، من أي زاوية كانت، هو إهدار لكل الطاقات، وإفراغ لكل الشحنات، وترذيل لكل المساهمات، ولن يجن منها المتناقشون والمتعاركون سوى ما يجنيه زارع الريحان في صحراء العطش : الموت المحقق.

أما المعارك الحقيقية التي ينبغي أن نفرضها في كل نقاش، فقد تركناها جميعا، في غمرة المعارك الوهمية. وإذا أردنا أن نتقدم بالوطن العربي، ههنا المعارك الحقيقة :

ـ كيف السبيل لبناء دولة المؤسسات المنتخبة، وتخليص البلاد العربية من التبعية وفقدان السيادة ؟

ـ كيف يمكن تطهير الأمن العمومي وتحقيقه للناس؟

ـ كيف يمكن حماية المجتمعات من الانهيار وحماية حقوق الناس الأساسية؟

ـ كيف نحافظ على انسجام المجتمعات العربية في ظل التعددية ومجتمع حديث محافظ على هويته العربية الإسلامية؟

ـ كيف يمكن استئناف دور اللغة العربية في بناء الانتماء وتجذيره؟

ـ كيف السبيل لتنظيف مدننا من أكوام المزابل التي صارت عارا علينا جميعا؟

ـ كيف يمكن القضاء على القضاة الفاسدين؟

ـ كيف يمكن تطهير الاقتصاد من الارتشاء؟

ـ كيف يمكن أن نوقف الحروب الأهلية والطائفية في المجتمعات العربية؟

ـ كيف يمكننا مساعدة الشعب الفلسطيني في فرض حقه في أرضه؟

ـ كيف يمكن مساعدة الشعب السوري الشهيد على مجابهة مصيبته العظيمة؟

ـ كيف يمكن مساعدة أهل العراق على كشف زيف التسلط الإيراني المدمر؟

ـ كيف يمكن أن نبني اتحادا اقتصاديا في المغرب العربي؟

ـ كيف يمكن الحد من التبعية الغذائية والمائية؟

ـ كيف يمكن توفير العمل للشباب العاطل والحامل للشهادات؟

ـ كيف يمكننا أن ننجز بحوثا علمية ذات قيمة عالمية وإنسانية؟

ـ كيف لنا ان نبني شبكة نقل قطرية وعربية مندمجة؟

ـ هل لنا أن نبرمج الانتقال بدون تأشيرة في الوطن العربي؟

ـ كيف يمكننا بناء المشافي والمصحات الاستشفائية الحديثة؟

ـ كيف يمكننا استغلال ثراوتنا في الاستثمار بدل تكديس السلاح الصدئ؟

إنني أشعر بشعور غريب حين أطالع اهتمامات الناس في الوطن العربي. إن الخطاب العربي اليوم يشكو الترهل والشيخوخة وغياب الرؤية والروية. إننا نشترك كلنا في سيل من الرداءة والبشاعة والدناءة، من حيثث شعرنا أو لم نشعر.

إن كل ما نجنيه في معاركنا الوهمية، سنفقده حالا في معاركنا الحقيقة. لذلك نحن نفشل. لأننا لا نتناول القضايا التي تجمعنا، بل نتناول القضايا التي تفرقنا.

بقلم | بشير العبيدي | جمادى الثاني | 1435| "كَلِمةٌ تَدْفَعُ ألَمًا .. وكَلِمةٌ تَصْنَعُ أمَلًا"

جميع الحقوق محفوظة لمنصة الذاكرة 2026 ©