أقولها وأمضي | الثورات المضادة ستفشل يقينا !!!
تأتي لحظات تاريخية على الإنسان، لا بد له من أن يكون واضحا وصريحا مع الناس، ويقول الأمور ببساطة وعمق. إني أدركُ مرارة الشعور بالخيبة عند رؤية ما يحصل من ثورات مضادة في كل من تونس ومصر وليبيا واليمن وسورية. وإني أدرك مدى السخط والغبن حين نرى مئات الناس الأبرياء في مصر يحكم عليهم قضاء فاسد بالإعدام ظلما وقهرا، ومئات الناس في تونس يحكم على جلاديهم وقاتلي أولادهم بالبراءة. وإني أدرك مدى بشاعة البراميل الطائفية المتفجرة الملقاة حقدا وعدوانا على رؤوس مآت آلاف الأبرياء في سورية، أمام نظر عالم فقد بوصلة
- 15 أبريل 2014
- مصدر الوثيقة:
- الحوار نت
تأتي لحظات تاريخية على الإنسان، لا بد له من أن يكون واضحا وصريحا مع الناس، ويقول الأمور ببساطة وعمق.
إني أدركُ مرارة الشعور بالخيبة عند رؤية ما يحصل من ثورات مضادة في كل من تونس ومصر وليبيا واليمن وسورية.
وإني أدرك مدى السخط والغبن حين نرى مئات الناس الأبرياء في مصر يحكم عليهم قضاء فاسد بالإعدام ظلما وقهرا، ومئات الناس في تونس يحكم على جلاديهم وقاتلي أولادهم بالبراءة.
وإني أدرك مدى بشاعة البراميل الطائفية المتفجرة الملقاة حقدا وعدوانا على رؤوس مآت آلاف الأبرياء في سورية، أمام نظر عالم فقد بوصلة الإنسانية.
لكن على الرغم من كلّ ذلك، تشير القرائن والدلائل والحجج والشواهد التي يعضد بعضها بعضا، إلى أنه ما كان لهذه الثورات المضادة أن تحصل بهذا العنف الأعمى لو لا أن الشعوب العربية ثارت بحق، وهددت المنظومة الفاسدة العميقة لأول مرة، تلك المنظومة التي مازالت ترفس بأرجلها القذرة على جسد الأمة منذ معاهدة سايكس بيكو ووعد بالفور المشؤوم، إلى اليوم.
إن الاستقراء التاريخي لسير الأحداث منذ فشل الثورة العربية الكبرى للشريف حسين ومعاهدة سايكس بيكو، مرورا بكل الهزائم المدوية، وصولا إلى يوم الناس هذا الذي شهدنا فيه إصدار حكم الإعدام على 529 من خيار أهل مصر ، فإنّ الثورات المضادة آيلة لا محالة إلى الفشل والسقوط الذريع، للأسباب التالية :
- أوّلًا : الثورات المضادة لا تحمل أي مشروع : إنها ستفشل حتما لأنها منافية لسنن الكون والتغيير، فهي بلا أي طابع قومي ولا ديني ولا رسالي ولا إنساني ولا تحرري ولا إصلاحي ولا توافقي ولا ثوري ولا أيديولوجي. إنها انقلابات يائسة بائسة تقوم على أباطيل وخيانات وأكاذيب وتلفيقات وأوهام. كما أن مناصريها ومتعهديها ونخبها هم من جيل الهزائم والفضائح والتخلف والفساد والسقوط والتسلق والتقلب والرذائل بكل أصنافها. ولم يثبت لذي عقل وبصيرة وجود مناصر واحد للثورات المضادة خلا سجلّه من عوار وعار وشنار. ولا يمكن أبدا لهؤلاء الاستمرار في نهشهم للحوم شعوبهم وخيانتهم لمصالح أمتهم وسينتهون قريبا.
ثانيا : الانقلابات ستفشل لأنها تواجه طوفانا شعبيا : مهما كان الموقف من الحركات السياسية ذات المرجعية الدينية وعلى رأسها حركة الإخوان المسلمين بكل تسمياتها ونسخها القطرية، ومهما كانت الأخطاء السياسية والفكرية المرتكبة، ومهما كانت درجة السذاجة أو التورط التي يمكن أن يُحكم بها عليهم، فإن الدارس المحقق الموضوعي يرى أن تلك الحركات - برغم كل ذلك - هي الوحيدة التي لها امتداد شعبي حقيقي الآن في كل مدينة وقرية وريف عربي، وهي التي تحوز على ميول الكثيرين من الشباب العربي البالغ تعداده أكثر من مائتي مليون شاب، وهي الوحيدة التي لا ينكر فكرها ومنهجها أولئك الذين يغادرون صفوفها بسبب اختلافات في السياسة. وبالمقابل فإن الفكر القومي والعلماني، رغم ما يبدو عليه من جلبة وجلجلة، ينحصر تأثيره في الفئات الضيقة داخل بعض المتعلمين والمثقفين المسنين في المدن الكبرى وفي وسائل الإعلام تحديدا، وهو فكر لقيط فرّخ الانقسام والتجزئة والتقاتل ولم يستطع لم شمل حتى أتباعه في المدرسة الواحدة، ناهيك جمع شمل الشعوب، وقد جربوا الحكم عشرات السنين فكان إفلاس وراء إفلاس، رغم اتهام الحركات ذات المرجعية الدينية بأنها ناقصة عقل ودين.
ثالثا : وهو الأخطر : الثورات المضادة ستفشل لأنها خائنة في ولائها، خيانة لله، ولرسله، وللشعوب. فهي ولاؤها مشكوك فيه، وأحلافها ومصالحها وارتباطاتها مع الأعداء التاريخيين للعرب، ولا تجد في داعمي الانقلابات إلا خائفا مرتجفا، أو منافقا مرجفا، أو متسلقا مخيفا. ولقد خان قبلهم حكام كانوا أقوى منهم أيام الحروب الصليبية، كما خان آخرون بعد سقوط الأندلس وباعوا مدنهم للاسبان في المغرب العربي فانتهى أمرهم إلى مزابل التاريخ وجاء العثمانيون فسحقوهم. إن الأرض العربية في جوفها مدفون عظماء صالحون، وعلى ظهرها - رغم انتشار الجهل - علماء ربانيون، وإن الشعوب العربية على مرّ التاريخ نسيت الخونة وداست على جثثهم وجثث الفاسدين ولم يستقر بوعيها الجمعي إلا أهل التقى والصلاح والمحبة والإنسانية، وليس في البلاد العربية من صالحي هذه الأمة من يقرّ ولو بنصف كلمة بأن ما يجري من ثورات مضادة هو في صالح الشعوب، بل على عكس ذلك تماما : لا تجد إلا المستنكر سرا أو علانية. ألا وإن ضمير ووعي الناس الجمعي لن يستقر على الخونة والموالين للأعداء مهما مرّغوا وجوههم المسودّة في مساحيق التجميل، ومهما لبسوا من سرابيل التدجيل، وقلّما انتصر باطل في مشهد كهذا، وهي حقيقة يعيها كبار هذا العالم من الساسة، لذلك هم يتخذون كل الاحتياط في التعامل مع هؤلاء الحكام، ويحرصون على إخفاء دعمهم وطمس كل أثر لوقوفهم خلفهم.
أقولها بملء قلبي : لن تنجح أبدا أنظمة انقلابية تتلقط قوتها من فتات الشرف، وتتمعش من دقيق مطحون بطواحين الخيانة، وتشرب من قيح الذل والهوان، وتلبس من نسيج الكدر والظلم والقهر، وتتسلح ببنادق القصب الأجوف المفروق، وتتجمل بقاتم الزّفت وقطران العهر، وتتحنّى في أعراسها وأفراحها بدم شعوبها الطاهر النقي، وتعلن الحداد لكل خير يصيب العرب والمسلمين في كل رقعة دانية كانت أو نائية.
وبالآن، على قدر صبر أهل الحق وبمقدار قدرتهم على التنظم ورصّهم صفوفهم وتجاوز خلافاتهم وإعمال عقولهم وتركهم النحيب على المؤامرة وفكر الضحية وتعويلهم بعد الله على خالص جهودهم، وإدارة الحوار بينهم وتنظيم وإدارة الاختلاف بين أحزابهم وجماعاتهم وقواهم وجمعياتهم، ستكون النهاية الحتمية التي لا شك فيها ولا ريب لكل العابثين بأحلام الشعوب، سنة الله في أرضه، ولن تجد لسنة الله تحويلا.
بقلم | بشير العبيدي | جمادى الثاني | 1435| "كَلِمةٌ تَدْفَعُ ألَمًا .. وكَلِمةٌ تَصْنَعُ أمَلًا"