نصوص

أفكار عن الغربة ( الجزء 2 )

قطعت حديثي مع صديقي الذي بدأناه حول الغربة و تعديل السلوك . و ودعته بدموع تجمع شوق أخوة لا أدري هل تعاود وصلها ، أم هي قاطعة لها . كنت أرى الأخ إثر الأخ و هو يجد عن المشرق بديلا . فرحتي مُزجت بين الراحة و الخوف . الراحة لراحتهم و الخوف من المجهول . كثيرا ممن استوطن المشرق ، خاصة من صاهرهم ، لم يكن يرض عنه بديلا . إلا أن قلة اليد ، و همّ الذرية و فقدان الوثائق لم يترك لنا غير خيار الهجرة إلى الغرب بديلا . مرت العديد من الوفود و سخر الله سبحانه و تعالى من استوطن المشرق ليكونوا سُبل مساعدة متعددة و

0
17 نوفمبر 2009
مصدر الوثيقة:
الحوار نت
مشاركة

 قطعت حديثي مع صديقي  الذي بدأناه حول الغربة و تعديل السلوك . و ودعته بدموع تجمع شوق أخوة لا أدري هل تعاود وصلها ، أم هي قاطعة لها . كنت أرى  الأخ إثر الأخ و هو يجد  عن المشرق بديلا . فرحتي مُزجت بين الراحة و الخوف . الراحة لراحتهم  و الخوف من المجهول . كثيرا ممن  استوطن المشرق ، خاصة من صاهرهم ، لم يكن  يرض  عنه بديلا . إلا أن قلة اليد ، و همّ الذرية و فقدان الوثائق  لم  يترك لنا غير خيار الهجرة إلى الغرب بديلا . مرت العديد من الوفود و سخر الله سبحانه و تعالى من استوطن المشرق ليكونوا سُبل مساعدة متعددة و متنوعة لمن كانت وجهته الغرب ، و لم تغرن رياح الغرب على رغم  فواح عبيره .  لكن كان مما بد منه .
لم نكن نقدر أهمية الأمم المتحدة و خاصة مفوضية اللاجئين  و الهلال الأحمر  إلا بعد كان لنا سجل فيهما . أصبح التسجيل  و قبول الملف من المفوضية  بوابة  الطمأنينة  و بداية الحل  لمن  أرهقته  الغربة  و تباعدت المسافة بينه و بين موطنه . كان الجزائريون و اليمنيون و العراقيون أكثر  عددا أمام بوابة المفوضية ، أما التبعية التونسية فهي قليلة  و حُضيت بتقدير  لأن وضوح الملفات في بعدها الحقوقي كان ساطعا و احراجات و ضغوطات الواقع ملموسة  . كنا نصطف لساعات عديدة أمام  مقر الهلال الأحمر لنتسلم المساعدة الشهرية ، و من بركات هذه المنحة كان أول صرف لها  و نحن  في عودتنا مع صديقي و أخي على"السجق " كان له طعم خاص ، لم نجد له مذاق طيب عند غيره . و كنا أحيانا نثني بصحن "نابلسية " من محل ألفناه و ألفنا  خلف مقر  البريد  و أحيانا بصحن "حمص " من مطعم المصري أمام البريد المركزي . و لكي لا أمر هنا مر الكرام . ففي السنين الأولى من غربتنا  ، كنا نصطف في صف طويل أمام البريد المركزي  لنطل بوجهنا على " أم علاء " صاحبة الذاكرة الحديدية  التي بمجرد أن ترى وجهك لمرة واحدة  يُحفر اسمك في ذاكرتها ، فلن تحتاج في المرة القادمة إلى استظهار بطاقة تعريف أو هوية تعرف بها نفسك . فكل الوجوه معلومة لديها . و قد كان الاصطفاف أمام البريد المركزي فرصة تعارف و التقاء .
استعدادا للسفر و كعادتي سعيت لتأمين مكتبتي فأرسلت في البداية كتب الرافعي و دواوين البردوني ، ثم أردفتها بارسال البقية ، و لم أرض بارسال تفسير التحرير و التنوير بالشحن العادي ، بل تحملت ثقله  و حملته معي على الطائرة . فمن المشرق إلى أرض الفايكنج ، هي الرحلة الأولى لي إلى بلد أوروبي . تطلبت الرحلة ثلاث طائرات حتى نصل إلى المكان الذي خُصص لنا .
استقبلونا ببشاشة و وفروا لنا ما نحتاجه .
قال لي صديقي انظر إلى الطريقة التربوية التي يستخدمونها في تربية الناشئة على احترام الآخر و تقديس مبدأ الحرية  و التدريب على كيفية ادارة الحوار . فطباع النرويجيين طباع هادئة . فكيف حدث لهم هذا التغير الكبير ، خاصة أنه عندما نقرأ عن تاريخ الفايكنج ، السكان القدامى لاسكندنافيا كانوا يتصفون بالهمجية و التوحش و يعشقون الحروب ، و يشهد التاريخ أنهم اختطفوا ابن فضلان رسول الخليفة العباسي المقتدر إلى ملك البلغار في شهر يونيو 921 ميلادي ، و على خلاف الطبائع بين الفايكنج و ابن فضلان إلا أنها انتهت بالاحترام ، بل تورد بعض القصص حكايات عن انضمام ابن فضلان إليهم و مشاركته في حروبهم . فلنا في سيرة ابن فضلان تجربة عربية في الاندماج ! .
لاشك أن تأثير المناخ على الشخصية و السلوك من المسائل التي ذكرها ابن خلدون حول " أثر الهواء في أخلاق البشر" عند تعرضه لأهل السودان .  و تقر العلوم السلوكية الحديثة اليوم بأثر العامل البيئي في السلوك.
نعود إلى ما نريد التأكيد عليه في هذه الحلقة ألا وهي احترام الأفكار و الأراء ، و أعود معكم إلى دراسة قيمة للعلامة محمد الطاهر ابن عاشور ، أُهملت  و قد نشرها في مجلة السعادة العظمى بتاريخ 16 رمضان 1322 هجري ، تحت عنوان " احترام الأفكار " و بإمضاء " محرر من أهل العلم " . يقول العلامة ابن عاشور " .. فحق على كل صاحب فكر أن يقابل فكر غيره بالاحترام  دون السخرية و الهزو " و يضيف " لو كنا نضطهد الأفكار لاشتبه الباطل منها بالحق ، فيصرخ يستنصر  لاهتضامه كما يستصرخ الحق شيعته ، و ربما وجد من السامعين قلوبا ترق للمضعوف و إن جار ، فتصبح فتنة أشد من أن لو ترك يتمارض بالنقد الصحيح و الحجة الدامغة "
و يؤكد أيضا على أن " من أكبر الأفكار في تقدم الأمة بعلومها و قبولها لرتبة التنور و أهليتها للاختراع في معلوماتها ، أن تشب على احترام الآراء .. " و يؤكد أن ذلك قد  " دامت عليه  الأمة الاسلامية متمتعة باحترام الافكار ، جرئ  كل واحد على أن يبوح برأيه ، و جرئ كل مستمع على تقويمه بالحق " . " فكنت ترى الأشعري بين يدي المعتزلي لا يستنكف عن تلقي فوائده و الاعتراف له بحق التعليم ، و ترى السني يتعلم عن القدري و عن الفيلسوف الشاك " .
فهل في ما يُحبر في المواقع الالكترونية و يدور فيها ، ما يُعد  جزافا من الحوارات ، يتأسى بهذه الروحية التي هي قيمة اسلامية أصيلة . ضيعناها كما ضيعنا غيرها  . و استبدلت  بالاتهامات المتبادلة و الاستهزاء و السقوط في مستنقع  الغلو و الحجر . و تفسيرنا الوحيد لما يطفو على الساحة هو أنها انعكاس لسيكولوجية الانسان المقهور ، الذي يجب فك طلاسمها قبل فوات الأوان .
و لله درك يا ابن عاشور عندما تقول : " إنما تعرف مقادير الرجال بما أوجدوه ، لا بما تركوه ، و لكن طرق الشهرة لا تختلف ، و هي قوة الفكر و مرتبة العلم و العمل على تنوير آراء المتعلمين و القارئين في عقل صحيح ، و نيّة قويمة ، و نصح جهير "  !


ابراهيم بلكيلاني ( النرويج ) 

جميع الحقوق محفوظة لمنصة الذاكرة 2026 ©