نصوص

أسوأ العابدين

Normal 0 21 false false false DE X-NONE AR-SA MicrosoftInternetExplorer4 /* Style Definitions */ table.MsoNormalTable {mso-style-name:"Normale Tabelle"; mso-tstyle-rowband-size:0; mso-tstyle-colband-size:0; mso-style-noshow:yes; mso-style-priority:99; mso-style-qformat:yes; mso-style-parent:""; mso-padding-alt:0cm 5.4pt 0cm 5.4pt; mso-para-margin:0cm; mso-para-margin-bottom:.0001pt; mso-pagination:widow-orphan; font-size:11.0pt; font-family:"Calibri","sans-serif"; mso-ascii-font-family:Calibri;

0
1 مارس 2011
مصدر الوثيقة:
الحوار نت
مشاركة

سألني أحد الأصدقاء العراقيين :لماذا عدّلت اسـم  الطاغية التونسي زين العابدين بن علي إلى " زين الـهاربين"؟.

أجبته:لعبة صغيـرة بالكلمات للدلالة على سرعة الطاغية وخفتـه بالـهرب من تونس.

قاطعني قائلاً:"ليتك سـميّتـه أسوأ العابدين".

أسوأ العابدين؟!....

فكرة رائعة لمعرفة من هو أسوأ العابدين في تونس بعد رحيل " زين الـهاربين"بن علي؟!...

إن كتابتي هذه المرّة ليست ككل الكتابات التي كتبتها من قبل، إنـها شـهادة للحقيقة التي يا طول ما ترددت في ما مضى أن أشـهد لـها، لأسباب خارجة عن إرادتي، أمّا اليوم، فقد عزمت عزماً قاطعاً على أن أشـهد للحقيقة التي أؤمن بـها بكل ما في كياني من القوة والـحق، وبكل ما في نفسي من الـحب والـخيـر، وبكل ما في ضميـري من التضحية والوفاء.

أسوأ العابدين...

من يقدم على قتل نفس  بغيـر حق شرعي، فقتل النفس عمداً من أعظم الذنوب وأشنعها عند الله تعالى، كما جاء في نصوص الكتاب والسنة، قال الله تعالى: وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا {النساء:93.

أسوأ العابدين...

من أصدر بوزارة الداخلية بلاغا جاء فيه أنه تم قتل القس البولوني " على أيدي  أيدي مجموعة من الإرهابيين الفاشيين ذوي الاتجاهات والمرجعيات المتطرّفة وفق ما تؤكّد ذلك طريقة الاغتيال والأبحاث المجراة في الغرض."

ومن استنكر"  استـغلال هؤلاء المتشدّدين للظرف الاستثنائي الراهن من أجل تعكير صفو النظام العام وإدخال البلاد في دوّامة من العنف والفوضى وبث الرعب في صفوف المواطنين، سيّما مع تعمّد بعض دعاة التطرّف في المدة الأخيرة رفع شعارات معادية ومتطرّفة في بعض المسيرات الداعية لرفض الآخر وإلى التطرّف والعنصرية والتمييز الديني والعودة بنا قرونا إلى الوراء."

أسوأ العابدين...

من عاد، وأصدر بلاغاً آخر أكد فيه أنه تم إلقاء القبض على قاتل القس البولوني يقول فيه :" أن دوافع هذه الجريمة تعلقت حسب اعترافات الجاني باستحواذه على أموال كان الضحية يستأمنها عليها لخلاص مزودين للمدرسة بمواد حديدية وصحية وارتكب جريمته خشية افتضاح أمره.وأعربت وزارة الداخلية عن استنكارها لـهذا الاعتداء الآثم معبرة عن الارتياح لعدم ضلوع أي اتجاه سياسي في هذه الجريمة النكراء".

أسوأ العابدين...

من رأى في هذين البلاغين العلاج الكافي لاستئصال الدوافع النفسية ـ التربوية ـ الاقتصادية التي دفعت القاتل لارتكاب هذه الـجريـمة النكراء البعيدة كل البعد عن الأخلاق الإسلامية والمناقب الإنسانية السامية، ومن لم يـحزن لمقتل هذا القس البولوني الذي نذر نفسه لأعمال الـخيـر بعيداً عن وطنه وأهله، فهو إن لم يكن أخاً للقاتل بالدين فهو أخيه بالإنسانية.

أسوأ العابدين...

من لم يرَ في هذين البلاغين مناسبة لإعادة النظر في مفاهيمنا العامة حول تربيتنا الأسرية الاجتماعية والاقتصادية ذات الأبعاد الدينية، من أجل إيـجاد التربية الصحيحة التي تغـرس الفضائل الإنسانية في النـفوس، وتهيئ  للأجيال المقبلة  المفاهيـم الإسلامية الكافية  للانفتاح والتعامل مع الذين يـخالفوننا في المعتقد الديني، والرأي والنظرة إلى الله والآخرة والكون والحياة.

أسوأ العابدين...

 الوالدان اللذان لا يسهران على تربية أولادهم تربية أسلامية طاهرة بتـعويدهم من صغر سنهم على التمسك بأهداب الفضيلة والصدق في القول والعمل والتمرن على حب الآخر، وتـجنب الذين لا يرجى منهم الـخيـر، وتثبيت هذه القيّم في تربيتنا الأسرية كي نرتقي إلى قلعة تربوية حصينة لا خوف بـها علينا ولا نـحن نـحزن.

أسوأ العابدين...

من يقول إن اختلاف الأديان والأوطان مدعاة للبغض والشقاق، وإن مبدع هذا الكون أسس نظامه على الـخلفة والشحناء، وجعله مسرح نزاع وعدوان، وهو قول سـخيف، فضلاً عن أنّـه كفر مـحض، وافتراء على الـخالق، ونقض لشريعتـه الأبدية في نظام الكون والعمران والتآلف بين الـخلق، وينفي عن الإسلام قابلية الارتـقاء.

أسوأ العابدين...

من لم يعلم أن التـعصب الديني إذا فشا في مـجتمع ما، يكون الذنب فيه على رجال الدين، لأنـهم ذوو تأثيـر عظيم على السواد الأعظم من الشعوب، فالمتعصّب  ليس إلا آلة تدار مع كل ريـح وتـجري حيثما اندفعت، وقلبه ليس إلا زجاجاً صافياً يشفً عما غرس فيه من التـعاليم، ولذلك كان ذنب رجال الدين عظيماً إذا أهملوا أمر جهلائـهم، أو أوحوا إليهم غيـر ما يأمر به الدين.

أسوأ العابدين...

من لا يـجزم أن على رجال الدين أن يذيعون كلمة الـحق في صدور المنابر، ويـهدون إلى الصراط المستقيم، كما عليهم في مـجتمعاتـهم الـخصوصية أن يواظبوا على إتـمام هذا الواجب المقدّس، وينزعوا كل روح خبيث من أبناء دينهم، فيتحقق أن أفعالـهم مطابقة لأقوالـهم، وأن وعظهم في المساجد ليس مـجرد تظاهر فارغ يـموهون به على الأبصار قصد اكتساب رضاء العموم، واجتناب اللوم والتـقريع.

أسوأ العابدين...

كل من لا يـحب من كل قلبه أن يعتقد بـمقدرة رجال الدين على منع الشرور التي ترتكب جهلاً باسـم الدين، وأنـهم عاجزون عن تـهذيب الـجهلاء، وردّ النفوس الشاردة، ونشر روح المـحبة بين العباد، فإذا كانوا يـحبون دين الرحـمة لا يتـعذر عليهم كسر شوكة التعصّب، واقتلاع جراثيمه من النفوس، فأي رجل دين يا ترى يصعب عليه أن يبرهن بألف شاهد من أقوال الرسول "ص"، وأئمة الدين أن احترام الآخر شريعة ربانية، ومـحبة الإنسان لأخيه الإنسان فرض واجب؟!...

أسوأ العابدين...

من لا يعتقد أن العلاقة بين المسلمين والمسيحيين لا تقوم إلّا على الحوار ولا تستقيم إلّا به، حسب ما يوصي به القرآن «وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ، إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ، وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ، وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ» (العنكبوت 46)

لذلك، فإن خروج أي مسلم عن هذا المنحى فـي التـعامل مع المسيحيين، هو خروج عن أسس الإسلام وركائز الدين، فليس منّة أبداً التـعامل المبني على الاحترام بين الديانتين السماويتين المتوازيتين.

أسوأ العابدين...

من لا يعلم أن الإسلام الحقيقي هو الإسلام الذي يدعو إلى «كلمة سواء»، لا الإسلام الذي يتوسل خطاباً سياسياً تكفـيرياً اجتزأ من القرآن والحديث ما شاء له ليحاول فرض تطرّفه وانغلاقه على المسلمين قبل المسيحيين، ولذلك يتحمّل المسلمون العرب عبء وضع الإسلام فـي إطاره الصحيح، إطار الدعوة التي لا تفرّق بين الأنبياء والرسل، القائمة على احترام العقائد «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ آمِنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِيَ أَنزَلَ مِن قَبْلُ وَمَن يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً بَعِيدًا» (النساء 136).

أسوأ العابدين...

من لم يأخذ علاقة نبينا "ص" بأهل الكتاب، وبالمسيحيين منهم على وجه الـخصوص عبـرة، وخارطة طريق للمسلمين في علاقتهم بالمسيحيين:"لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُواْ وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ قَالُوَاْ إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ".

أسوأ العابدين..

من يـجهل  حديث الرسول الـحبيب"ص"  :"من أذى ذميا فقد أذاني" أو " من آذى ذمياً فأنا خصمه، ومن كنت خصمه خصمته يوم القيامة"، ومن لم يقرأ عهدة النبي مـحمد "ص" لدير القديسة كاترينا التي تنص : «لا يغيّر أسقف من أسقفـيته ولا راهب من رهبانيته ولا حبيس من صومعته ولا سايح من سياحته، ولا يهدم بيت من بيوت كنائسهم وبيعهم ولا يدخل شيء من بناء كنائسهم فـي بناء مسجد ولا فـي منازل المسلمين، فمن فعل شيئاً من ذلك فقد نكث عهد الله وخالف رسوله ولا يحمل على الرهبان والأساقفة ولا من يتعبد جزيةً ولا غرامة وأنا أحفظ ذمتهم أين ما كانوا من برّ أو بحر فـي المشرق والمغرب والشمال والجنوب، وهم فـي ذمتي وميثاقي وأماني من كل مكروه... ».

أسوأ العابدين...

من لا يصدّق ما ترويه كتب التاريـخ عن سيدنا عمر بن الـخطاب أنّـه قبل أن يدخل مدينة القدس كتب الآمان للأهالي على دمهم، ودمّ أولادهم، نسائـهم، أرزاقهم وكنائسهم، فلا تـهدم منها واحدة، ولا أحد يـملك واحدة منها.

ثـم عندما دخل سيدنا عمر بن الـخطاب المدينة منتصراً، جلس على مقعد في صحن كنيسة القيامة، ولما حان وقت الصلاة، ما أراد أن يتلو صلاته في الكنيسة خوفاً من أن المسلمين فيما بعد يطالبون بـها، فـخرج، وصلى لوحده صلاته المعروفة في البستان، وعلى باب الكنسية، ثم سلّمهم وثيقة بذلك تنص على أن المسلمين لا يـحق لـهم أن يصلَوا في هذا البستان التابع لكنيسة القيامة إلا واحداً بعد واحد، كما لا يـحق لـهم أن يـجتمعوا هناك للصلاة، أو أن يتنادوا لقيام الصلاة في ذلك الموقع.

وعلى إثر ذلك طلب سيدنا عمر من البطريرك أن يدّله على مكان لائق يقدر أن يبني عليه مسجداً لإقامة الصلاة إلى الباري تـعالى، فعيّن له البطريرك الصخرة التي كلم الله عليها يعقوب كليمه، وكانت الصخرة وقتئذٍ مغمورة بالتراب الكثيف، فانـحنى سيدنا عمر، وأخذ بعض التراب في طرف ردائه لتنظيف الموضع المذكور، فلما رأى المسلمون هذا المشهد المهيب المؤثر أخذ كل واحد منهم يقتدي به، وما أن جاء الليل حتى تنظف المكان كله ، وصار نظيفاً لائقاً، فأمر سيدنا عمر حينئذٍ أن يباشروا ببناء المسجد على طرف الصخرة لإقامة الصلاة.

أسوأ العابدين...

  من يـجد غرابة في ما يقرأ بكتب التاريخ عن مساعدة المسيحيين العرب للجيش العربي الإسلامي، ابتداءً من بصرى الشام وصولاً إلى مساعدَةِ منصور بن سرجون، جدّ القديس يوحنا الدمشقي للعرب، على فتح دمشق أمام خالد بن الوليد وأبو عبيدة بن الجراح، وتسليم البطريرك القديس صفرونيوس القدس سِلماً للخليفة عمر بن الخطاب.

ويقول صاحب فكرة كتاب «تراث الإسلام»: «لا يسعنا إلا الاعتراف بأن تاريخ المسيحيين فـي ظل الحكم الإسلامي يـمتاز ببعده بعداً تاماً عن الاضطهاد الديني»، ويضيف أن المسيحيين حازوا ثروات، وتـمتـعوا بنجاح عظيم فـي العصور الإسلامية الأولى، بفضل ما كفل الإسلام لـهم من حرية الحياة والتملك والعقيدة، حتى كان منهم أصحاب النفوذ العظيم فـي قصور الخلفاء.

وأنا بدوري أود أن أقول إن الله تعالى هو من أراد أن لا يـجعل العباد على دين واحد، لا بل ترك إلى يومنا هذا، ملايين البشر من دون كتاب أو وحي." ولو شاء ريك لـجعل الناس أمة واحدة" هود 118.

وقبل أن أنـهي هذا المقال أود أن أذكّركم بالإمام زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليه السلام  أحد الكوكبة النيرة في هذا العالم،  وأحد أئمة الـهدى الذين هم أمان لأهل الأرض كما أن النجوم أمان لأهل السماء، ومن الذين تـحملوا أعباء تبليغ الرسالة بعد جدّهم وقد تـحمل هذا الإمام العظيم كأسلافه  هموم الناس وآلامهم وآمالـهم وسخّر حياته في خدمة الأمة وإنقاذها وإخراجها من ظلمات الجاهلية إلى نور الإسلام.

وعلى هذا الأساس، ولكي لا تتكرر جريـمة القس البولوني، والاستـخفاف بأرواح  البشر من أبناء الأديان والأوطان الأخرى، علينا أن نزرع في تربة وطننا الـخصبة القيّم الإسلامية السامية، وأن نرسي جذوراً تربوية جديدة بـهدف الارتفاع بالعباد والبلاد إلى سوية المناقب التي جاء بـها ديننا الـحنيف.

فإذا شئنا كتونسيين أن يصبح وطننا دولة عصرية قوية يؤمه الأجانب بسلام، علينا أن نـفتح المـجال لشابات وشباب الانتفاضة لأنـهم أعرف بـحاجات الشعب وإمكانياته، وأقدر على تنظيـمه وتوجيهه تربوياً،سياسياً، اجتماعياً واقتصادياً، فهم من شق الطريق أمام الشعب، وأخرج قواه الـحيّة من مكامنها لتسيـر عليها نـحو الـحياة المثلى.

تيسيـر العبيدي ـ باريس

 




 

 

 

 

 

 

جميع الحقوق محفوظة لمنصة الذاكرة 2026 ©