نصوص

أسـوأ من الـجـزائــر بقلم محمد عبو

محمد عبو أسـوأ من الـجـزائــر بقلم: محمد عبو آخر زيارة قمت بها إلى الجزائر كانت سنة 2003 لملاحظة محاكمة الدكتور سيدهم الذي اعترض على حكم صادر ضده غيابيا بالسجن لمدة عشرين سنة من اجل تهمة اقتراف جرائم إرهابية والذي اختار تقديم نفسه للقضاء بعد تراجع ظاهرة الإختفاء القسري بفعل الأمن العسكري. يومها وقبل مغادرة الجزائر سمعت النطق بالحكم بالبراءة الذي فاجأني بقدر ما أفرحني. و يقدر ما سرتنى ظروف المحاكمة وظهورها بمظهر المحاكمة العادلة بقدر ما أحزنني أن تونس التي لا تنفجر فيها القنابل ولا يحمل فيها معظم

0
30 أبريل 2010
مصدر الوثيقة:
الحوار نت
مشاركة
محمد عبو
أسـوأ من الـجـزائــر
 

بقلم: محمد عبو
آخر زيارة قمت بها إلى الجزائر كانت سنة 2003 لملاحظة محاكمة الدكتور سيدهم الذي اعترض على حكم صادر ضده غيابيا بالسجن لمدة عشرين سنة من اجل تهمة اقتراف جرائم إرهابية والذي اختار  تقديم نفسه  للقضاء بعد تراجع ظاهرة الإختفاء القسري  بفعل الأمن  العسكري. يومها  وقبل مغادرة الجزائر سمعت النطق  بالحكم  بالبراءة الذي فاجأني بقدر ما أفرحني.
و يقدر ما سرتنى ظروف المحاكمة وظهورها بمظهر المحاكمة العادلة بقدر ما أحزنني أن تونس التي لا تنفجر فيها  القنابل ولا يحمل فيها معظم أعوان الأمن أسلحة لحفظ النظام، لم تعرف محاكمة مماثلة تفضى الى الحكم بعدم سماع الدعوى في قضية سياسية لا باجتهاد من قاض ولابتعليمات من رئيسه.
عدت إلى الجزائر مؤخرا لحضور مؤتمر الرابطة الجزائرية للدفاع عن حقوق الإنسان ويوم الوصول علمنا أن السلطة قد أبلغتت رئيس الرابطة رفضها لانعقاد المؤتمر، فكان تعليقنا " كي تونس ".
في اليوم المقرر  لانعقاد  المؤتمر وقع إعلامنا  بان مناضلي الرابطة  قرروا أن يعقدوا مؤتمرهم  في مقر مخصص  للنقابات رغم المنع، رافقناهم  ونحن نلتفت خلفنا  بحثا عن سيارة  أو دراجة نارية تتعقبنا فلا أثر  لهما .. وصلنا إلى المقر فلا أثر لبوليس.. دخلنا المقر  ولا بوليس  ولا مشوش  على الجلسة  يطمع  في تعيينه  نائبا أو سفيرا. يتناقشون في هدوء.. يعبرون عن آراءهم بقدر  لا باس  به من الحرية، و الجهاز  الأمني  الوحيد الذي حضر كان تونسيا  يسأل عن التونسيين  وعما  قالوه  في مداخلاتهم.
سألت الحاضرين  من المحامين  عن الإجراءات البوليسية  الخاصة بهم  فاتضح أن لا إجراء  وأن لا بوليس يحاصر مكتبا  ولا قائمة مضبوطة  فيمن يجوز  لهم  نيابة الشركات  و المؤسسات الكبرى  ولا إهانة ولا ضرب ولا سب  ولا حملات قذرة  في الجرائد .
قد يقال  أن الأمر  يعود  لتخوف النظام  الجزائري من شعب  قد يعود بعضه  لحمل السلاح  في الجبال . وقد يقال  أن الأمر يعود  لشجاعة الجزائريين وعدم قبولهم بالذل .
لكن هذا مردود عليه  بأنه لم يمنع  النظام الجزائري من الفساد  الذي أتى على الأخضر و اليابس  وعلى مدا خيل  البترول  والغاز  كما لم يمنع  وجود مواطنين يبحثون في المزابل عما يسد الرمق . وهذا مردود عليه  بأن الجزائريين  لم يفلحوا  في أن يفرضوا  على النظام  مصارحة  الناس  واليتامى  بحقيقة ما حصل  للمفقودين  من ذويهم  ولا أن يفرضوا مشروع الحقيقة والمصالحة  محل مشروع "الصمت  والوفاق  الوطني".
المرجح  في رأيي المتواضع هو أن  مرد الاختلاف يعود  للصفات الشخصية  لمن يحكم فهذا يمارس السياسة وحياته للسياسة رغم كونه مستبد، وهذا يحكم و السياسة بالنسبة إليه   "تتقبح انكسرلك فمك " ولا تحاول أن تجادله ولا أن تنتقده في الداخل أوفي الخارج لأنك عندما تعود لأرض الوطن ستسب في  المطار وتهان ويقع تفتيشك جسديا وتعود للملاحقة  والمحاصرة البوليسية وتهان عائلتك من طرف من لا تحكمه  حدود  قانونية و لا أخلاقية و في جميع الحالات يعتبرك  محظوظا  إذا  لم يلق بك في السجن تشارك  الجرذان حياتهم و يكون عزاؤك أن غيره قد يعتبرك  محظوظا لانه لاشيء قدر على نزع إيمانك بوطنك و بأن مستقبل تونس سيكون أحسن و بأن الشرف سيكون لمن سيصمد و لو بالحد الأدنى في هذا الوضع المتسم  بالخوف والترقب و اليأس.

جميع الحقوق محفوظة لمنصة الذاكرة 2026 ©