نصوص
لا يعرف ما هي العبر التي استخلصتها الأحزاب اليسارية العربية، خاصة منها تلك التي تستعد لخوض الانتخابات المقبلة في تونس ومصر، من سقوط الاتحاد السوفييتي. إلا أن الأكيد أن من صالح الثورات الشعبية العربية التي تخوض حاليا، أو التي ستخوض مستقبلا، تجارب الانتقال الديمقراطي، بما فيها من توقعات وإحباطات ومن تقدم وتراجع، ألا تغفل عن دلالات هذا السقوط السلمي وأن تتمعن في المسارات التي سلكتها روسيا منذ ذلك الحدث التاريخي الذي يمثل النهاية السياسية للقرن العشرين.
كانت اتصالات المؤسسات الصحافية العالمية بموسكو لا تسفر عن قدر كاف من المعلومات الموثوقة. أذكر ليلتها أننا اتصلنا من هيئة الإذاعة البريطانية بمراسل جريدة 'الحياة' في موسكو جلال الماشطة. قال لنا إن الانقلابيين بثوا بيانا على الراديو والتلفزيون يعلنون فيه حالة الطوارىء. لكن لا يعرف من دبر الانقلاب ولا ما هو مصير غورباتشوف (الذي اتضح لاحقا أن الانقلابيين اغتنموا وجوده في شبه جزيرة القرم فوضعوه مع عائلته تحت الإقامة الجبرية وقطعوا عنه الاتصالات في الفيلا الرئاسية). وعندما طلب من الصحافي أن يصف ما كان يشاهده من بيته، قال: هدوء في الشوارع، ووثائقيات عن الطبيعة تصاحبها موسيقى كلاسيكية على شاشة التلفزيون!
رغم إعلان حالة الطوارىء وحظر التجول، تجمع مئات الآلاف من المواطنين الروس من الغد أمام البيت الأبيض، مقر البرلمان، في تحد شجاع وغير مسبوق لأرتال الدبابات والمدرعات. ثم خرج بوريس يلتسن، الذي كان أول رئيس منتخب في تاريخ روسيا، من البرلمان (الذي كانت الجموع تخشى أن تقتحمه الدبابات) واعتلى دبابة، في مشهد قد يكون من أشهر مشاهد أواخر القرن العشرين، ليعلن رفض الانقلاب، حيث قال إن سماء البلاد أصبحت ملبدة بسحب القمع والدكتاتورية وإنه 'لا ينبغي السماح لها بفرض ظلام أبدي'.
لكن الأمر المثير هو أن القيادة العسكرية رفضت التدخل (تماما كما حدث هذا العام في تونس ومصر) ثم انسحب الجنود، فلم يجد الانقلابيون بدا من الإذعان للأمر الواقع. لم تكن عودة غورباتشوف إلى موسكو يوم 21 آب (أغسطس) عودة مظفرة. فقد أرغمه خصمه السياسي بوريس يلتسن، في حركة مسرحية تعمد منها الإذلال، على التوقيع على أمر بحل الحزب الشيوعي السوفييتي. وما هي إلا أشهر حتى حل الاتحاد السوفييتي ذاته في 8 كانون الأول (ديسمبر) 1991.
قد تكون شجاعة المتظاهرين واستعدادهم للتضحية بأرواحهم أهم أوجه الشبه بين عام 1991 الروسي وعام 2011 العربي. ذلك أن بلوغ الموقف الشعبي نقطة اللاعودة هذه هو الدليل النهائي على أن النظام الممقوت لم يعد قابلا للحياة.
أسطورة البرسترويكا 'تحت سقف الوطن' :مالك التريكي
لا يعرف ما هي العبر التي استخلصتها الأحزاب اليسارية العربية، خاصة منها تلك التي تستعد لخوض الانتخابات المقبلة في تونس ومصر، من سقوط الاتحاد السوفييتي. إلا أن الأكيد أن من صالح الثورات الشعبية العربية التي تخوض حاليا، أو التي ستخوض مستقبلا، تجارب الانتقال الديمقراطي، بما فيها من توقعات وإحباطات ومن تقدم وتراجع، ألا تغفل عن دلالات هذا السقوط السلمي وأن تتمعن في المسارات التي سلكتها روسيا منذ ذلك الحدث التاريخي الذي يمثل النهاية السياسية للقرن العشرين. سقط الاتحاد السوفييتي قبل عشرين عاما بالضبط. ب
- 20 أغسطس 2011
- مصدر الوثيقة:
- الحوار نت
0