أزمة سياسية أم أزمة قيم؟
ليس من الهين لأي شعب أن يتخلص من رواسب الماضي في تفكيره وممارساته بالسرعة التي يتعجل بها بعض العامة اليوم ،بل وبعض الخاصة من أهل السياسة ،وإذا كنا نجد في فكر ابن خلدون ومالك ابن نبي ما يفيد بمسار محدد وصارم لنشوء الدول وأفولها فان ذلك ينسحب على التقدم الفكري والاجتماعي وتمدن الشعوب أفرادا وجماعات أي انه لابد من توفر الظروف الموضوعية والوقت الكافي لتحقيق بناء حضاري مؤمل ولذا فانه من الطبيعي الإقرار بان المرحلة التاريخية التي عاشها التونسي طيلة نصف قرن غذت فيه طبائع الاستبداد على حد تعبير الكواكبي
- 25 يوليو 2011
- مصدر الوثيقة:
- الحوار نت
ليس من الهين لأي شعب أن يتخلص من رواسب الماضي في تفكيره وممارساته بالسرعة التي يتعجل بها بعض العامة اليوم ،بل وبعض الخاصة من أهل السياسة ،وإذا كنا نجد في فكر ابن خلدون ومالك ابن نبي ما يفيد بمسار محدد وصارم لنشوء الدول وأفولها فان ذلك ينسحب على التقدم الفكري والاجتماعي وتمدن الشعوب أفرادا وجماعات أي انه لابد من توفر الظروف الموضوعية والوقت الكافي لتحقيق بناء حضاري مؤمل ولذا فانه من الطبيعي الإقرار بان المرحلة التاريخية التي عاشها التونسي طيلة نصف قرن غذت فيه طبائع الاستبداد على حد تعبير الكواكبي وربته وفق منهج لا يتوافق والاستحقاق الحضاري اليوم فهل من الممكن أن ينهض هذا المواطن الذي عاش متمثلا قيما سالبة متمثلة في الدناءة والخبث والخداع والنهم والشراسة غذاها فيه النظام القائم بمرجعياته الفكرية والسياسية والأخلاقية أقول هل يمكن أن يوكل له دور المشارك والمسهم في بناء الدولة المدنية والمجتمع المتعدد مباشرة بعد الثورة. إنني أشبه الحالة اليوم بالمرحلة التاريخية التي خرج فيها المواطن التونسي من ربق الاستعمار فإذا كان المجتمع حينها قد أخذته العزة بالنصر فاعتقد البعض أن الطريق إلى النهضة صار مذللا وان منظومة القيم التي ساهمت في الاستقلال على تداخلها واختلاف مرجعياتها (زيتونيين –فرنكفونيين- عروبيين...) كفيلة ببلوغ أهداف المرحلة الجديدة ، وان ذات الرجال الذين أسهموا في الاستقلال هم القادرون على المواصلة بلا معين ولا رقيب بل على العكس كانت انجازات تلك المرحلة عند بعض الأعلام منة على المجتمع ليسلم لهم كل شيء ولا عجب إذ لم تكن حتى قيم القادة تختلف عن قيم العامة ولذا فقد كانت نية الاستبداد جلية كما كانت القابلية للاستبداد واضحة مما يدفع إلى القول بان الظروف الموضوعية لم تكن مهيأة لمرحلة البناء وأعجب أن المتفيهقين حينها والمتشدقين اليوم بقيم الحداثة لم يتمثلوا القيم التي أرساها الإسلام بعد مرحلة النبوة متمثلة فيما تحلى به ابوبكر الصديق ومن يكون في مسيرة بناء الدولة الإسلامية آنذاك وما كان له من شريف الأعمال في العهد المكي و المدني حين قال وهو يفتتح مرحلة الخلافة الراشدة جاعلا بنود البيعة متعلقة بالحاضر والمستقبل (أطيعوني ما أطعت الله فيكم)متحللا من الماضي على إشراقه في عقول العامة وقلوبهم (فان عصيته فلا طاعة لي عليكم).
ما الذي رسخ هذه القيم في عقل أبي بكر وما الذي جعله يطلب تقويم القوم له ولو بحد السيف إن خالف الجادة ولم ينكروا عليه قوله ولا أطنبوا في ذكر شمائله ومآثره وانه لمن نفائس الاستخلاصات أن نزعم أن البناء المجتمعي مدخله الأساس منظومة القيم التي تحكمه وهي منظومة لا تؤسسها فقط كما يعتقد السياسي جملة القوانين التي تنظم شؤون البلاد على أهميتها لان هذه المنظومة اليوم لا تكفل المشاركة الطوعية للمواطن في الشأن العام وهو إشكال عويص يحول دون أمور كثيرة حسبنا اليوم أن المواطن العادي لا يجد مبررا قيميا دافعا للمشاركة في النشاط السياسي والاجتماعي أو المساءلة حول ذلك ولعل عدم إقباله الكبير على التسجيل في سجل الناخبين مؤشر خطير على ذلك فهل هي أزمة سياسة أم أزمة قيم؟
ولعل علم النفس الاجتماعي يؤكد مدى تدخل الأفكار اعتقادات وأحكاما وأخلاقا في التأثير على السلوك الاجتماعي للفرد فإذا كانت السياسة نظريا هي فن إدارة المجتمع وفق المجال الممكن فإنها في المخيال الشعبي هي خلاف ذلك ،إنها بفعل تراكم الممارسة السياسية المتعفنة عقودا من الزمن وبحكم المتابعة المستمرة للمواطن العادي يتجسد مفهومها عنده في المكر والوصولية والانتهازية والكذب على الشعب...وليس من الهين أن نزيح هذا المفهوم لنقيم بدله اليوم مفهوما يقوم على خدمة الشأن العام خدمة تراعي مصلحة المواطن والوطن بعيدا عن المصلحة الشخصية التي تحكمها الانتهازية والوصولية أو المصلحة الحزبية المقيتة التي تشيع المكر والاستبداد ،وليس من المستغرب اليوم أن ينأى المواطن البسيط عن السياسة والأحزاب ناي الخائف المتوجس أو ناي اللامبالي اليائس من أهل السياسة ، صحيح أن بدايات معالجة هذا الإشكال تتأسس على نظام سياسي ديمقراطي تعددي شفاف وسلطة قضائية عادلة وإعلام محايد جريء ومسئول إلا أن ذلك لا بد أن يترافق مع ممارسة راشدة أمينة في خدمة الشأن العام السياسي والاقتصادي والاجتماعي تراعي أولا وأخرا مصلحة الفرد والمجتمع واضرب هنا مثلا لتصرف عمر ابن الخطاب رضي الله عنه في عام الرمادة حين عطل حد السرقة مراعاة لظرفية اقتصادية يعيشها المجتمع الإسلامي حينها وهي حالة الجوع والخصاصة انه درس بليغ في القيم التي يستهدفها السياسي في إدارة شؤون المجتمع قيمة الإنسان أولا وقيمة العدالة ثانيا دون الامتثال الصارم للايدولوجيا أو الفكرة الدينية فلم يكن من المقبول في فهم الخليفة الثاني حينها على شدته في إقامة الحدود والذود عن الدين أن يقيم الحد على شخص يهده الجوع مد يده ليأكل في وقت لم تقم الدولة بواجب الإعالة في الشدة فكان ذلك هو الواجب إنها معادلة النفس البشرية والعدالة الاجتماعية مقابل الوقوف عند النصوص دون النظر إلى القيم التي يستهدفها هذا النص أو ذاك...اذكر هذه الواقعة لتأكيد أمرين :
* أن منظومة القيم التي ترتقي بالأمم ذات ريادة في البناء الحضاري فالصحابة كانوا يتحدثون أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يفرغهم ويملاهم، ولذلك لا نتعجل تحولا تاريخيا دون استهداف منظومة القيم الفاسدة التي أشاعها النظام السابق وغذاها بممارساته السالبة وهو عمل ضروري وشاق وطويل يرفد فيه الأخلاقي القانوني و تساعد الجمعيات الأحزاب وتسند المساجد المدارس ذلك أن قيما عديدة ومحورية أصابها ما أصابها من النظام السابق (العمل/الدراسة والتعلم /التطوع/الملك العام/الأمانة/التدين/الإدارة/ الضريبة/...).
* أن منظومة القيم لا تجددها النصوص القانونية فحسب لأننا لم نعدم سابقا بعض النصوص التي تستهدف العدالة أو الحرية ولكنها لم تتحقق مثلا وإنما تحددها الوقائع التي يفصل فيها بجعل قيمة الإنسان قيمة كبرى ومركزية(ولقد كرمنا بني ادم) وخاصة ممارسة المهتمين بالشأن العام سياسة وإدارة وقضاء وأمنا إنها تلك التي ستؤسس المفهوم الحقيقي للقيم التي تستهدفها النصوص التشريعية .
يحيى لجهر