نصوص

أزمة المعابر..رسائل من قلب الضفة والقطاع : بقلم رفـقـة شـقـور

إن أزمة المعابر والحواجز في الضفة الغربية وغزة المحاصرة على وجه الخصوص لكارثية الوضع الإنساني الذي أفرزته الإجراءات الإسرائيلية اللاإنسانية والتي استهدفت من خلالها شن جملة مقدمات لتسهيل عدوانها الأخير على غزة عبر حصارها واستحكام حلقات هذا الحصار من أجل شن هذه الحرب وتحقيق أهدافها في إبادة جيل كامل. لقد حولت اسرائيل الضفة الغربية وغزة إلى معتقلات ضخمة تمارس فيها كافة أشكال الحصار وتتفنن فيها بإلقاء أحكام الموت البطيء والسريع كما تشاء، فهي تتحكم بكافة المعابر وتقيم الحواجز العسكرية بدعوى تحقيق نظر

0
2 يناير 2010
مصدر الوثيقة:
الحوار نت
مشاركة

 

إن أزمة المعابر والحواجز في الضفة الغربية وغزة المحاصرة على وجه الخصوص لكارثية الوضع الإنساني الذي أفرزته الإجراءات الإسرائيلية اللاإنسانية والتي استهدفت من خلالها شن جملة مقدمات لتسهيل عدوانها الأخير على غزة عبر حصارها واستحكام حلقات هذا الحصار من أجل شن هذه الحرب وتحقيق أهدافها في إبادة جيل كامل.
لقد حولت اسرائيل الضفة الغربية وغزة إلى معتقلات ضخمة تمارس فيها كافة أشكال الحصار وتتفنن فيها بإلقاء أحكام الموت البطيء والسريع كما تشاء، فهي تتحكم بكافة المعابر وتقيم الحواجز العسكرية بدعوى تحقيق نظرية الأمن الإسرائيلية، فمن تبديد وقت الفلسطينين على الحواجز لساعات والتضييق عليهم في التنقلات اليومية دون مراعاة لظروف الحالات الإنسانية وبالذات الطارئة منها، إلى سياسة فرض الطوق الأمني والإغلاق المتكرر للمناطق وعزلها عن بعضها البعض لحجج أمنبة واهية وبدون حجج احيانا.


فكم من مريض لم يسعفه الوقت بالبعد الإسرائيلي فقد حياته على هذه الحواجز، وكم من امرأة وضعت طفلها على تلك الحواجز في مشهد يومي خلال الانتفاضة، حيث أقرأ هذا المشهد ببعده الآخر وهو الإصرار على مولد الحياة من رحم المعاناة الفلسطينية اليومية، وتظاهرة بأسلوب عفوي واستثنائي لإعلان خيار البقاء الذي ينطق به لسان حال الفلسطينين رغم كل هذا الصلف والتعنت الإسرائيلي.

إلا أنها وعبر كل هذه السنوات بدا أنها لم تنجح في إلغاء الرغبة الفلسطينية في الحياة، وهذا ما يدعمه المشهد اليومي والمتكرر الذي يثير الإعجاب والدهشة في نفس الوقت خاصة ذلك المتعلق بطلاب الجامعات الذين يصرون على مقاومة هذا التضييق وعبورهم الحواجز العسكرية بشكل يومي قادمين من مدنهم وقراهم نحو الجامعات، فموقفهم يأتي إعلانا يوميا وتصريحا منهم بأن ذلك لا يثنيهم عن القيام بواجبههم في الارتقاء بهذا الشعب والحصول على المعارف التي تخفف من معاناته وتضعه بقوة على خريطة العالم العلمية بإنجاز علمي في هذاالمجال أو ذاك كونه أحد أوجه المقاومة لممارسات الإحتلال الإسرائيلي .

 
إلا أن المسألة في قطاع غزة تأخذ أبعادا أخرى وأكثر مأساوية، وبخاصة بعد سيطرة حركة حماس على القطاع في سياق رفضها لمخطط دايتون , كإجراء وقائي لعدم تنفيذه في غزة على الأقل رغم أنه اتخذ مجراه في الضفة وما زلنا نشهد إفرازاته ونتائجه يوما بيوم، وهذا ما أثبتته حالة الصمت التي عكفت الأجهزة الأمنية الفلسطينية على الإبقاء عليها في أثناء الحرب على غزة ومنع مظاهر الاحتجاج التي خرجت في البداية منددة بالمجازر الإسرائيلية على غزة.

 

وفي رد إسرائيل على هذه الخطوة التي اتخذتها حركة حماس قامت بحصار غزة كمقدمة لهذه الحرب التي دارت رحاها خلال 23 يوما تأبى إلا أن تقبع في ذاكرة نسيان أي فلسطيني عايشها، إلا أنها في الجانب الآخر سلطت الأضواء على قطاع غزة، حيث أن هناك جملة عوامل فاقمت أزمة المعابر في القطاع يذكر منها :

 

أولا: لقد ساهم الانقسام الفلسطيني الداخلي حول آلية السيطرة على هذه المعابر في تفاقم هذه الأزمة؛ وتذرع اسرائيل بسيطرة حماس على غزة، حيث كرر محمود عباس الرئيس الفلسطيني المنتهية صلاحياته عن استعداده للسيطرة على المعابر في قطاع غزة، في الوقت الذي ترفض حماس فيه أي سيطرة اسرائيلية على المعبر.


ثانيا: المخاوف الفلسطينية المصرية من إلحاق قطاع غزة بمصر مما يعمق حالة الفصل بين أوصال فلسطين المحتلة وهذه إحدى السيناريوهات التي أعدت من قبل الجانب الاسرائيلي للتعامل مع التهديد الأمني في قطاع غزة الذي انسحب منه في عام 2005م، حيث يطالب المسؤولون الإسرائيليون عزل قطاع غزة وراء ستار حديدي.


ثالثا: أزمة المعابر تأخذ بعدا إقليميا ودوليا ولا يقتصر الأمر على التنافس الحاصل بين الأطراف الفلسطينية مما يزيدها تفاقما ويعمق الأزمة الانسانية بخاصة في قطاع غزة حيث توالى سقوط شهداء الحصار على مر سنوات الحصار المتواصل حيث لا يسمح بدخول أي مقوم من مقومات الحياة إلى القطاع ويتم حرمان الأشخاص من حقهم الطبيعي في المغادرة للحصول على علاج.

 

وما رأيناه في الحرب الأخيرة عكس مدى كارثية الوضع الذي عاناه الفلسطينيون في غزة والذي أوصلته اسرائيل خلال الحرب إلى درجة لا يمكن توصيفها لقسوة تفاصيلها فهي سابقة في التاريخ الإنساني لم يشهد لها مثيل على الإطلاق. مما دفع بأزمة المعابر لتطفو على السطح بقوة خاصة بعد تحول القطاع الى منطقة منكوبة بفعل آلة الحرب الإسرائيلية كون هذه الحرب تعاملت مع بقعة في العالم ذات أكبر كثافة سكانية رغم صغر مساحتها ودون أن يكون لها أي منفذ على العالم سوى هذه المعابر.

 

و رغم التغطية التي حظيت بها أزمة المعابر عبر سنوات الحصار على غزة إعلامياً إلا أنها لم ترتق إلى المستوى المطلوب من التعاطي معها بإيجابية على المستويات الداخلية والإقليمية والدولية، وكانت سببا مباشرا في الخرق المتكرر لاتفاقات التهدئة الهشة ما بين حركات المقاومة في غزة واسرائيل والتي جاءت تمهيدا لتصفية القضية الفلسطينية وليس تسويتها حسب ما أعلنته الأطراف الراعية والوسيطة أيضا وهذا ما اتضح من خلال تصريحاتها ومواقفها في خلال الحرب على غزة.


ومن الطبيعي أن يكون أي وقف لإطلاق النار أو إبرام صفقة لتبادل الأسرى مشروطا بفتح هذه المعابرالتي طالما كانت في مرمى النيران الإسرائيلية وشهدت العديد من المواجهات ما بين فصائل المقاومة وإسرائيل وأحيانا حرس الحدود المصرية في معبر رفح كما شهدنا في الحرب على غزة ، وفي حادثة اقتحام المعبر سابقا لذلك أصبح لزاماً أن تؤخذ بعين الاعتبار، وتكون ضمن أساسيات أي حل مرتقب أو أي ترتيبات جديدة ما بين الأطراف ذات العلاقة.

 

وإمعاناً في إستمرار سياسة العزل والتجويع لسكان القطاع , وتكريساً لمنهج العقاب الجماعي للشعب الفلسطيني , نشهد اليوم فصلاً جديداً من فصول الحصار اللا إنساني , وهذه المرة بأيادي عربية , وذلك من خلال بناء الجدار الفولاذي بين مصر وقطاع غزة , وهو ما يهدد بإنهاء آخر متنفس ومنفذ للحياة للشعب الفلسطيني في قطاع غزة .

 

ومن المؤسف أن نشاهد القوافل الإنسانية التي تسعى لكسر حلقات الحصار وهي تمنع من دخول القطاع وتوضع في طريقها شتى العقبات , بل وتضرب على يد الأمن المصري كما شاهدنا في قلب القاهرة في ميدان التحرير من ضرب للمعتصمين والمتضامنين الأجانب , بدلاً من تسهيل دخولهم إلى القطاع وفتح المعابر ولو بالحد الأدنى للحالات الإنسانية , فكم من نفس ٍأزهقت بسبب منعها من العلاج في الخارج , حيث تعجز مستشفيات القطاع بسبب الحصار ونقص المواد الطبية من معالجة الحالات المستعصية .

** رفـقـة شـقـور : باحثة سياسية وصحفية فلسطينية وأستاذة بجامعة النجاح قسم العلوم السياسية ..مقيمة في فلسطين

جميع الحقوق محفوظة لمنصة الذاكرة 2026 ©