أزمة الستينات: التليلي.. عاشور... والإقصاء
يوم 12 ماي 1881 أجبرت فرنسا محمد الصادق باي على التوقيع على معاهدة الحماية ويوم 12 ماي بالذات من سنة 1964 تم التوقيع على قانون تأميم الأراضي الزراعية واسترجاع ما كان بأيدي المعمّرين من أراض ومزارع. فرنسا تقطع مساعداتها وثارت ثائرة الجنرال ديغول، فقرّر في اليوم نفسه قطع القروض التي كانت تعهّدت بها الحكومة الفرنسية لفائدة الحكومة التونسية بمقتضى
- 29 يناير 2010
- مصدر الوثيقة:
- الحوار نت
يوم 12 ماي 1881 أجبرت فرنسا محمد الصادق باي على التوقيع على معاهدة الحماية ويوم 12 ماي بالذات من سنة 1964 تم التوقيع على قانون تأميم الأراضي الزراعية واسترجاع ما كان بأيدي المعمّرين من أراض ومزارع.
فرنسا تقطع مساعداتها
وثارت ثائرة الجنرال ديغول، فقرّر في اليوم نفسه قطع القروض التي كانت تعهّدت بها الحكومة الفرنسية لفائدة الحكومة التونسية بمقتضى اتفاقيات التعاون المبرمة.
وفي الواقع لم تكن المرّة الأولى التي تعمد فيها فرنسا إلى قطـــــع المساعـــــدات، إذ فعلت بالمثــــل على إثر تأميم القطاعات الحيوية ما بــين 1956 و1960 مثل السكك الحديدية والموانئ وقطاع الماء والكهرباء والغاز والمناجم وبعث عدد من الدواوين والمؤسسات الوطنية مثل شركة الفسفاط وشركة عجين الحلفاء وشركة النزل والسياحة وديوان الصناعات التقليدية وديوان الصيد البحري وديوان المناجم وديوان إحياء وادي مجردة وديوان النفيضة.
ولم تتردّد فرنسا عن قطع إعاناتها المالية بداية من 1957، فضلا عن تهريب رؤوس الأموال من تونس في اتجاه فرنسا وتخفيض قيمة الفرنك الفرنسي في مناسبتين، بدون تنسيق مسبق مع الحكومة التونسية وذلك في أوت 1957 ثم في ديسمبر 1958.
الدينار يعوّض الفرنك
وما كان من حكومة الاستقلال إلاّ أن أقدمت على إحداث بنك إصدار تونسي، هو البنك المركزي التونسي الذي عوّض «بنك الجزائر وتونس» في 19 سبتبمر 1958 وإنشاء وحدة نقدية تونسية، الدينار بدل الفرنك في 18 أكتوبرس 1958 وضبط قيمة الدينار التونسي بالقياس إلى الذهب، ليتمّ بذلك فصل الدينار التونسي عن الفرنك الفرنسي وانسحاب تونس من منطقة الفرنك الفرنسي يوم 30 ديسمبر 1958 وفرض تضييقات كبيرة على تحويل العُملة إلى الخارج والانخراط في صندوق النقد الدولي والبنك الدولي للإنشاء والتعمير.
كما أقدمت الحكومة التونسية الفتية يوم 20 أوت 1959 على فك ارتباطها بالوحدة القمرقية التي يعود تاريخها إلى 30 مارس 1928 ومن أبرز ما كانت تنصّ عليه تلك الاتفاقية تمتّع البضائع الفرنسية بإعفاء قمرقي مطلق في حين كانت توظّف معاليم قمرقية مشطّة على البضائع الواردة من سائر البلدان، كما كانت تنصّ على إجبار تونس على استيراد حاجياتها من فرنسا وبالأسعار التي يضبطها المزوّدون الفرنسيون وتصدير بضائعها بالأسعار التي يحدّدها الفرنسيون.
التقشّف والتخطيط
وفي غياب رأس المال الوطني الكافي حاولت الحكومة منذ سنة 1961 انتهاج سياسة تخطيط صارمة أو ما أطلق عليها بـ«معركة التصميم الفاصلة» و«وجوب امتثال الفرد لصالح الأمّة كأحد شروط النجاح في المعركة الكبرى ضد التخلّف».
انقضت أولى سنوات المخطّط الأوّل (1962 - 1964) ليصادق مجلس الأمة يوم 27 ماي 1965 على المخطط الرباعي (1965 - 1968). وكانت الحكومة أقرّت يوم 18 نوفمبر 1964 «إجراءات هامة لتنظيم دواليب الدولة وإحكام مسيرة الشعب باعتماد مقتضيات التقشّف عند إعداد ميزان التصرّف» بعدما اضطرت الدولة إلى تخفيض قيمة الدينار بنسبة %25 يوم 27 سبتمبر 1964.
البؤس يعضّ بأنيابه
على الصعيد الاجتماعي عمّ البؤس واستفحل في صفوف العملة وصغار الموظّفين والمزارعين ولم تكف أكياس «الفرينة» التي كانت تبعث بها الولايات المتحدة الأمريكية «هديّة» للشعب التونسي مثلما كان مرسوما على تلك الأكياس (من القماش الأبيض) التي كانت تأتي محمّلة بالمادة الأساسية لصنع الخبز.
وكان الكثير من التونسيين، من ضعاف الحال، يستعملون تلك الأكياس ليخيطوا منها ما أمكن من الملابس أو ليجعلوا منها أغطية وستائر.
لا للمطلبيّة
واضطرّت الحكومة إلى استيراد مواد غذائية لا عهد للتونسيين بها مثل زيت الصوجا تعويضا لزيت الزيتون، ونشطت السوق السوداء في غياب المواد الاستهلاكية اللازمة في الأسواق.
وفي تلك الظروف الاجتماعية الصعبة، ارتفعت بعض الأصوات النقابية مدافعة عن حق الأجراء في تحسين أوضاعهم المعيشية، وهو ما اعتبرته الحكومة موقفا مطلبيّا في غير وقته، وسرعان ما توتّرت العلاقة مع إثنين من أركان الحزب والمنظمة الشغيلة، الحبيب عاشور وأحمد التليلي.
المهيري، التليلي وعاشور
يوم 28 جوان 1965 قرّر الديوان السياسي «توقيف عاشور عن كل نشاط حزبي» بعدما رفع عنه مجلس الأمّة الحصانة البرلمانية في اليوم نفسه، على إثر جلسة صاخبة دافع أثناءها أحمد التليلي عن زميله دفاعا مستميتا لتفادي المظلمة.
وشاءت الصدف أن تفقد تونس في ذلك اليوم مناضلا وطنيا كان له وزنه وكلمته ألا وهو المرحوم الطيب المهيري.
في ذلك اليوم الحزين، وبعد حضور موكب تشييع جنازة الفقيد، عاد أحمد التليلي إلى بيته وهو مقر العزم على الرّحيل.
أما الحبيب عاشور فقد تمّ إيقافه يوم 3 جويلية 1965 بعدما وُجّهت إليه تهمة ملفّقة «الإهمال الذي كشف عنه التحقيق إثر اختراق البطّاح يوم 7 جوان 1965 بجزيرة قرقنة واكتشاف مخالفات قانونية تتعلّق بتأمين الباخرة المتضرّرة».