أزمة الحضارة العربيّة المتردّدة لأبي يـعـرب الـمـرزوقـي... أمّة تحت الخطر
أزمة الحضارة العربيّة المتردّدة للمرزوقي... أمّة تحت الخطر بيروت - عبد الله أحمد صدر حديثاً عن {الدار العربية للعلوم ناشرون} وعن {مركز الجزيرة للدراسات} كتاب {أزمة الحضارة العربية المترددة} للكاتب الدكتور أبو يعرب المرزوقي. يعتبر المؤلف في مقدمة كتابه أن العرب والمسلمين شرعوا في عملية النهوض الحضاري منذ ما ينيف على القرنين. لكن تخلفهم الاقتصادي والاجتماعي لا يختلف فيه اثنان. ولا تزال الأزمة التي تعاني منها الأمة حرجة ليس بالنسبة إلى العرب والمسلمين فحسب، بل بالنسبة إلى العالم كله. يوضح المؤلف أن
- 3 يناير 2010
- مصدر الوثيقة:
- الحوار نت
أزمة الحضارة العربيّة المتردّدة للمرزوقي... أمّة تحت الخطر
بيروت - عبد الله أحمد
صدر حديثاً عن {الدار العربية للعلوم ناشرون} وعن {مركز الجزيرة للدراسات} كتاب {أزمة الحضارة العربية المترددة} للكاتب الدكتور أبو يعرب المرزوقي. يعتبر المؤلف في مقدمة كتابه أن العرب والمسلمين شرعوا في عملية النهوض الحضاري منذ ما ينيف على القرنين. لكن تخلفهم الاقتصادي والاجتماعي لا يختلف فيه اثنان. ولا تزال الأزمة التي تعاني منها الأمة حرجة ليس بالنسبة إلى العرب والمسلمين فحسب، بل بالنسبة إلى العالم كله.
يوضح المؤلف أنه على رغم التسليم بأن آثار هذه الأزمة السطحية يؤججها التدخل الأجنبي عموماً والتدخل الأميركي والإسرائيلي خصوصاً، إلا أن جوهر الإشكال يبقى صادراً عن علل ذاتية للحضارة العربية والإسلامية نفسها، وأهمها دور الموروث الثقافي الذي يبدو فقدانه الحيوية الذاتية متصاعداً يوماً تلو آخر، ما يهدد مفعلات التطور الاجتماعي وحيوية الإبداع الحضاري فضلاً عن عجزه البين في غياب القدرة على إبداع القفزة النظرية الكافية لتحليل علله على رغم كثرة المشاريع والاستراتيجيات المزعومة.
يعلن المرزوقي أنه يحاول في كتابه فهم الراهن بتحليل علله البعيدة، معتمداً على التشخيص النظري والعملي الذي قدمه أربعة مفكرين، الغزالي، ابن رشد، ابن تميمة، وابن خلدون، عالجوا مسألة الحيوية الحضارية العربية الإسلامية من منظور فلسفة التاريخ وفلسفة الدين الإسلاميتين، علاج بدأت نسقيته تتضح على رغم بقائها في المراحل الأولى من النشأة الجديدة لمثل هذه الدراسات في الحضارات القديمة والوسيطة.
يؤكد صاحب الكتاب أن اختياره هؤلاء الأربعة جاء بصورة تمثّل الفكرين الفلسفي والديني في جناحي قلب دار الإسلام: الوطن العربي. كذلك حاول المرزوقي جعل هذا الاختيار ممثلاً للعلاج النظري الذي يغلب عليه الجدل بين منظوري حدي الموقف النظري (الغزالي وابن رشد) كما يتعين في أعماق الكلام الفلسفي، وللعلاج العملي الذي يغلب عليه الجدل بين منظوري حدي الموقف العملي (ابن تيميه وابن خلدون)، كما يتعين في أعماق الفقه والتصوف. فالغزالي وابن رشد يمثلان العلاج الساعي إلى تجاوز الأزمة في الحلّين الكلامي والفلسفي المسستتبعين للحلّين الفقهي والصوفي، وابن تيميه وابن خلدون يمثلان العلاج في الاتجاه المقابل والساعي إلى تجاوز الأزمة في الحلّين الفقهي والصوفي المستتبعين للحلّين الكلامي والفلسفي.
انفعال
هدف المرزوقي من الكتاب فهم النتائج الخطيرة لما آل إليه موقف الأمة الحضاري، موقفها الذي أصبح منحصراً في رد الفعل على المؤثرات الخارجية التي حددت خصائص الفكر والعمل عند من يقبل بها ومن يرفضها، من دون أن يكتشف الفريقان مبدأ الإبداع الكوني الذي تشترك فيه الحضارات الأصيلة كافة. لذلك فتطبيق هذا التوصيف على وضع تاريخنا الفكري والمؤسسي يبدو أبعد ما يكون عن التشكيك، فلا أحد يجادل في تفاقم الموقف الانفعالي والتبعية الناتجة منه في المستويين الفكري والمؤسسي. وهذا الموقف الانفعالي يتردد بين محاكاة المؤسسات الأجنبية وتكرار ماضينا الذاتي المسرحي.
بحسب الكاتب، هذان المرضان أصابا طموحات الأمة التاريخية بما يشبه الكساح وحالا دون أي إمكان للتجديد والخلق في تاريخنا الحديث. وعلى النخب الإسلامية الاعتراف بأن هذا النقاش مصيري لئلا تنخدع بطلاء التمدين الميت المادي كما هي الحال في مدن العرب التي لا يكاد يبقى عربياً فيها إلا العقال، أو بهراء التحديث الميت الفكري كما هي الحال في مشاريع {فكر العرب} التي ليس فيها عربي إلا الأقوال. وهذا النقاش لا يزال محدداً لأن الأزمة الراهنة لا يمكن الخروج منها إلا عبر معالجة هذين المرضين جذرياً. لأننا، بحسب المؤلف، لا نستطيع التخلص من التبعية كبنية فكرية وثقافية دائمة تستمد عللها من أعماق أبعد من الوضعية الراهنة في علاقتنا بالغرب الحديث إلا إذا عدنا إلى العلل التي تفسر انحطاط الإبداع الإسلامي، التي يجمع بينها فقدان مبدأ الأخوة والوحدة الإسلاميتين.
الموقف الانفعالي والتبعية الناتجة منه ليسا بالأمر الجديد في حضارتنا، إذ يصدران بوعي أو بغيره من سوء فهم النخب العربية الإسلامية خلال كل تاريخ الإسلام، سوء فهمهم المنظورين النظري والعملي الإسلاميين، إضافة إلى التزاحم بين ممثلي الفكرين الديني والفلسفي في صراعهما على سلطة العلماء الرمزية التابعة بالذات إلى سلطة الأمراء المادية، لذا ينبغي الاعتراف بشجاعة، بحسب المرزوقي، بأن كل تطور جدي في فكرنا وفعلنا باستثناء لحظة التأسيس القصيرة جداً، تميز بموقف انفعالي أمام المؤثرات الخارجية. ويصعب إيجاد عمل ناتج من مؤثرات ذاتية، أي مؤثرات نابعة من بواعث الإسلام الذاتية لأن هذه البواعث جهلت أو أهملت. كذلك تنبغي من وجهة نظر أبو يعرب المرزوقي، مواصلة الجهود التي بذلها المفكرون لتحديد علة السلوك التحييدي العميق لتطوّر فكرنا المقبل ومحاربة الصراع بين انفعال الرفض والتقليد الانفعالي لما أبدعته الحضارات الأخرى أو حتى ماضينا الذاتي أو كلاهما.
إصلاح
يحدد المرزوقي العلل العميقة التي أعاقت الإصلاح الدائم لإحياء شروط الثورة الإسلامية الملائمة. فاستئناف الثورة النظرية والعملية الإسلامية من حيث هي إصلاح متواصل، وتفعيل مبدأ الحيوية والإبداع الإسلامي بما يضمن خميرة الوحدة العربية الإسلامية التي هي شرط الشروط لكل نهوض، سيقلبان اتجاه قواها من الدفع السائد راهناً على علاقات أقطار دار الإسلام وأحزابه إلى الجذب بينها ليتحقق ما فهمت أوروبا ضرورته بعد الحرب العالمية الثانية، إذ علمت أنها خارجة من التاريخ الدولي لا محالة إذا لم تحقق شروط الفعل فيه إبداعاً علمياً وقياماً مادياً لا يتوافران لغير العمالقة في الصراع الدولي.
أما المرحلة الثانية فيحاول الكاتب فيها تحديد معنى الثورة العربية الإسلامية من حيث هي إصلاح متواصل وإمكان التجديد الذي سيمكنه من إيتاء أكله. ذلك أن فهم خصائص هذه الثورة بالذات قد يساعد في فهم العوائق وإحياء الثورة الإسلامية النظرية والعملية، ثم تحقيق وحدة الأمة الروحية والخلقية وبالتالي تعزيز وحدتها الثقافية والسياسية. وعلى رغم أهمية هذا التشخيص لا يمكن أن يكون تشخيصاً كلياً ما لم يتقدم عليه تحليل تصوري وتاريخي للعلاقة بين الموروث الثقافي أو قيام الأمم الخلقي خصوصاً والتقدم الاجتماعي عموماً.
يضيف الكاتب أن تطور الفقه الإسلامي (مصدر إلهي للتشريع المدني والشخصي والدستوري) آل إلى نظرية الشريعة من حيث هي روح الإخلاق والتشريع بدلاً من أن تكون مدونة قانونية. ذلك أن لفظ الشريعة الإلهية قد يفهم إما مادياً أو صورياً. والفهم المادي، الذي هو أضعف الفهوم الشرعية، يطابق استئناف تأسيس السلطة الروحية المتنكرة ممثلة بالفقهاء من دون عصمة لأن القدسية هي للتشريعات وليست للمشرعين. والخاصية المادية تعني تطبيق النصوص ليس بمقتضى دلالتها الكلية، بل بحسب الدلالة الخاصة التي لها في الوضعيات العينية التي تستمد امتيازها النموذجي من السنّة.
هذا المنظور الذي يجعل الشريعة روح الأخلاق وأخلاق القانون الطريق إلى خروج ثقافتنا من أزمتها. فالشريعة الإلهية لا تقبل الرد على الفقه بمعناه التقليدي، إنما هي روح الأخلاق وأخلاق الحقوق التي ينتظم بها العمران البشري، كما يفيد مفهوم الفطرة شرعاً أصلياً ومنبعاً لكل القيم، وفي ضوئها ينبغي أن يفهم التشريع النصي لكونه ليس إلا نماذج تؤثر بصفاتها الخلقية لا بمضموناتها الحكمية. ذلك هو المنظور الذي يقبل التعميم على كل تشريع سماوياً كان أو وضعياً لأنه يتأسس على مقاصد ومبادئ كلية مشتركة بين معاني الوحي التي لا يمكن استنفادها وتطور تأويل قوانين الظاهرات الإنسانية والطبيعية العقلي باتباع المبدأ الخلقي القرآني لأن الأمة هي السلطة الروحية الوحيدة، وليس الفقهاء إلا مستشارين فنيين مثل أي خبير في مجالات الحياة الأخرى.
جريدة الجريدة العدد 775 - 08/11/2009