نصوص

أرسى الله الجبال متاعا، فما بال الشعانبي!

أرسى الله الجبال متاعا، فما بال الشعانبي! [تعرضت أمس الجمعة فرقة من جنودنا البواسل، كانت بصدد تمشيط وفتح المسالك بالسفح الجنوبي لجبل الشعانبي داخل المنطقة العسكريّة المغلقة عن طريق عربة مزجنرة ضمن رتل لسيارات عسكريّة، إلى انفجار لغم أدّى إلى استشهاد ضابطي صف وإصابة أربعة جنود بجروح]... يجب عند الكلام عن العسكر، استعمال المفردات العسكريّة، ذات الدّلالات العسكريّة، سواء فيما تعلّق بالأحجام (الفرقة، عربة مزنجرة، رتل لسيّارات عسكريّة) أو النوعيّة (اللغم) أو الأعمال (التمشيط، فتح المسالك، المنطقة الع

0
29 مايو 2014
مصدر الوثيقة:
الحوار نت
مشاركة

أرسى الله الجبال متاعا، فما بال الشعانبي!

 

[تعرضت أمس الجمعة فرقة من جنودنا البواسل، كانت بصدد تمشيط وفتح المسالك بالسفح الجنوبي لجبل الشعانبي داخل المنطقة العسكريّة المغلقة عن طريق عربة مزجنرة ضمن رتل لسيارات عسكريّة، إلى انفجار لغم أدّى إلى استشهاد ضابطي صف وإصابة أربعة جنود بجروح]...

 

يجب عند الكلام عن العسكر، استعمال المفردات العسكريّة، ذات الدّلالات العسكريّة، سواء فيما تعلّق بالأحجام (الفرقة، عربة مزنجرة، رتل لسيّارات عسكريّة) أو النوعيّة (اللغم) أو الأعمال (التمشيط، فتح المسالك، المنطقة العسكريّة)... ولذلك فسأتوقّف عند هذا الخبر مبديا بعض الملاحظات الضروريّة... فإن أصبت فالحمد لله، وإن لم أصب فالإثم على من منعني مواصلة تكويني العسكري!...

 

1 - الفرقة حجم كبير، وهي أكبر من اللواء... واللواء يعدّ ثلاثة أفواج مقاتلة بالإضافة إلى فوج الإسناد وبقيّة وحدات أخرى تُلحق به للإسناد كذلك... ولا أحسب أنّ الخبر قد أراد هذا الحجم، لذلك وجب التدقيق محافظة على سلامة استيعاب المواطن التونسي والعربي ومنعه السباحة مع الأهوال والأغوال!... وأحسب أنّ العربة المزنجرة ليست سوى ناقلة جنود مزنجرة أو هي دبّابة أو هي كاسحة مزنجرة، وقد وجب في كلّ الحالات تسميتها بما لا يترك عند المواطن التونسي هامشا للتكهّن!... كما وجب تحديد هذا الرّتل، هل هو فصيل أم سريّة أم فوج أم لواء أم فرقة!... وأمّا اللغم فقد وجب كذلك بيان نوعه (مضاد للأفراد أم مضادّ للدبّابات) وهل كان الجنود عند انفجاره داخل ناقلتهم أم كانوا خارجها راجلين، وإذا كانوا راجلين فلمَ وقع ذكر السيارة المزنجرة؟!... أَذُكِرَت استعانة بزنجيرها على تهويل المشهد على التونسي الذي ربّما لم يعرف إلى حدّ الآن معنى المزنجرة، والذي لو عرف تساءل عن القدرة الفائقة في التحطيم لهذه الألغام "الإرهابيّة" المزروعة في المنطقة العسكريّة المغلقة!...

 

2 - إذا كانت المنطقة عسكريّة فقد امتنعت عن غير العسكريين وأمّا إذا كانت مغلقة فقد بات من العسير جدّا على غير العسكريين الدنوّ منها، ناهيك عن دخولها وزرع الألغام فيها، إلّا إذا كان الزارع غير مرئي أو كان هذا العسكريّ غير مدرك لما يدور حوله!... والردّ على قولي هذا يسير ولا يتطلّب الكثير من الذّكاء، فالألغام - كما قد يقول قائل - قد زرعت قبل قرار جعْل منطقة الشعانبي منطقة عسكريّة مغلقة أي أنّها قد أغلقت بما فيها ومَن فيها من إرهابيين وألغام ومفاجآت أخرى قد تأتي بها الأيّام... والحرب اليوم ضدّ ما فيها ومَن فيها وليس ضدّ مَن قد يحاول التسلّل إليها للإحداث فيها!... والردّ مقنع لو كان عدد الإرهابيين يفوق ثلث المهاجمين من جيش ووحدات أمن وربّما وحدات إسناد كواليسيّة لا نعلمها، كتلك الطائرات الفرنسية التي ساهمت بجرأة في مقاومة مجموعة المرغني بقفصة سنة 1980، ولو كانت إمكانيات الإرهابيين اللوجسيتيّة تفوق إمكانيات الدولة أو كانت الألغام المزروعة قد امتدّت على الحقول الشاسعة في الجبل وسفحه!... فالخبر يتحدّث عن فتح المسالك (وليس فتح مسلك)، ما يعني بالضرورة شساعة المنطقة المزروعة وغياب خارطتها، وما يحدّث كذلك بقدرة البواسل(*) على الفتح والإصرار عليه!...  

 

3 - إنّ أرضا لا توجد فيها المسالك، أو هي ذات مسالك لا تمكّن من التواصل بين الأفراد المقاتلين، لهي أرض يكثر فيها القتل لا محالة!... والمؤسف أنّ القتل لا يطال الكبار، أولئك القادة والمنظّرون والمحلّلون والمتخصّصون في الإرهاب وفي الحركات الإسلاميّة والصحافيون ومقومو "الإرهاب"، وإنّما يطال الصغار والبسطاء من رجالات الجيش والأمن والمواطنين، أولئك البواسل(*)!...

 

أقول: علاقة الشعانبي بـ"الإرهاب" هي عندي علاقة مريبة يزيدها ريبة تضامن الطرقات من وإلى الشعانبي مع الإرهابيين وتعاطف تضاريس الشعانبي دون تضامنها مع جنودنا الذين يخاتلهم الكبار وعائلاتهم بصفة البواسل... وقد كتبت أكثر من كرّة عن عدم قناعتي بما يقال عن "الإرهاب" ولا أصدّق من الجعجة التي تُسمع حوله إلّا شيئا واحدا هو وجود الإرهاب في تونس... وأمّا أن أساير الجميع في التسويق إلى أنّ الإرهابيين هم مجرّد قائمات صاغتها المصالح "المختصّة" في الدّاخليّة أو هم جماعة قرّرت حكومة العريّض - ذات فترة من حياة مناضل كبا - تحت ضغط "الوطنيين" تصنيفها إرهابيّة فلن يتحقّق ذلك ما دام بالإمكان استعمال العقل الذي ميّزنا الله به عن الأنعام!...

 

رحم الله الوكيلين علي الماي (هذا من بلدتي) ورابح العوادي وتقبّلهما من الشهداء وعوّض أهلهما وأهل جميع المفقودين - بفعل جرائم "الوطنيين" - فيهم خيرا كثيرا!... والله من وراء القصد...

 

--------------------------

(*): لا أشكّك البتّة في بسالة جنودنا البواسل، ولكنّي أستهجن مخاتلة "الكبار" للـ"صغار"، باستعمال الألقاب دون سعي حقيقيّ إلى الوقوف معهم وتغيير ما بهم. 

 

 

 

عبدالحميد العدّاسي، الدّانمارك في 27 ماي 2014 

       

جميع الحقوق محفوظة لمنصة الذاكرة 2026 ©