من خلال متابعتنا لعدد من المشاريع الفكرية العربية التي اهتمت بنقد الحداثة الغربية، نلاحظ أن ثلاثة منها تستحق أن نتوقف عندها، ليس فقط لما اتسمت به من جذرية في النقد، وإنما أيضًا لما تطرحه من أسئلة تتجاوز نقد التجربة الغربية إلى مساءلة الأسس التي قامت عليها، والبحث عن إمكان بناء أفق حضاري بديل من داخل المرجعية الإسلامية. أعني بذلك مشاريع عبد الوهاب المسيري، وطه عبد الرحمن، ووائل حلاق.

لا نزعم أن هؤلاء الثلاثة يمثلون تيارًا فكريًا متجانسًا، أو أنهم ينطلقون من مقدمات واحدة وينتهون إلى النتائج نفسها. لكن ما يجمع بينهم، رغم اختلاف التخصصات والمناهج، أنهم لم يتعاملوا مع الحداثة باعتبارها مجرد مجموعة من المؤسسات والأدوات التي يمكن استيرادها أو تعديلها، وإنما سعوا إلى الكشف عن منظوماتها المعرفية والأخلاقية والقانونية، وعن الافتراضات التي تقوم عليها، والحدود التي تصطدم بها.

ولأن نقدهم اتخذ منحى جذريا يجعل القارئ يتساءل عن جدوى المنجز الحداثي برمته، ويعيد للإذهان "الرفض الجذري" للمنجز الغربي الذي نادى به طائفة من المفكرين الإسلاميين الذين كانت كتباتهم الوقود المحرك لما عرف بالصحوة الإسلامية في السبعينات والثمانينات وعلى رأسهم سيد قطب والمودودي ومن سار على نهجهم، فقد قوبلت كتاباتهم بالتوجس وربما بالتبرم من أولائك الذين انشغلوا بمساءلة الحداثة وانجذبوا لنقدها من داخلها بحسبانه كاف للتفاعل معها، ومنهم مثقفين "إسلاميين".

ما قام به المفكرون الثلاث، ليس مجرد نقد للحداثة، بل نقد لادعائها امتلاك الطريق الكوني الوحيد نحو العقلانية والتقدم والتحرر، وما يترتب على ذلك من مساءلة حقها في أن تكون المعيار الذي نقيس به تجارب المجتمعات الأخرى ومآلاتها.

ثلاثة مداخل مختلفة إلى نقد الحداثة

انطلق عبد الوهاب المسيري من دراسته اليهود واليهودية والصهيونية، لكنه لم يبق أسير هذا الحقل. فقد تحولت دراسته للصهيونية إلى مدخل لفهم أوسع لبنية الحداثة الغربية، وللعلاقة بين المادية والنفعية والعلمانية الشاملة والنزعة الاختزالية التي تختزل الإنسان والعالم إلى عناصر قابلة للقياس والتوظيف والسيطرة.

ولعل أهم ما يميز مشروعه أنه لا يكتفي بنقد الظواهر والنتائج، وإنما يحاول الكشف عن النموذج المعرفي الذي ينتجها، وعن صورة الإنسان التي تتضمنها. فالإنسان، في مقابل النزعات الاختزالية، ليس كائنًا ماديًا تحكمه حسابات المنفعة وحدها، بل كائن مركب، تتداخل في حياته الأبعاد المادية والأخلاقية والروحية والتاريخية.

أما طه عبد الرحمن، فقد دخل إلى المسألة من باب الفلسفة والمنطق وفلسفة اللغة، ومن خلال مشروعه في إعادة بناء العلاقة بين العقل والعمل والأخلاق، مع حضور مركزي للتجربة الإيمانية والصوفية. ولم يكن اعتراضه على الحداثة نابعًا من كونها غربية فحسب، بل من نقده للعقل عندما يتحول إلى أداة للسيطرة والإنجاز، منفصلًا عن المسؤولية الأخلاقية وعن الغايات التي ينبغي أن توجه المعرفة والفعل.

ومن خلال مشروعه الائتماني، يسعى طه إلى تجاوز العقلانية التي تفصل بين المعرفة والقيمة، وإلى إعادة تأسيس علاقة الإنسان بالعالم على المسؤولية والأمانة، بدل اختزال الحرية في القدرة على الفعل، أو اختزال التقدم في توسيع السيطرة على الطبيعة والإنسان.

أما وائل حلاق، فقد انطلق من تخصصه في تاريخ الشريعة الإسلامية والفكر القانوني، ليصل إلى مساءلة بنية الدولة الحديثة نفسها. فالمشكلة، في نظره، لا تتعلق فقط بمضمون القوانين التي تسنها الدولة، وإنما بطبيعة الدولة التي تحتكر السيادة والتشريع والإكراه، وبالعلاقة التي تنشأ بين القانون والأخلاق والسلطة في ظل هذا الاحتكار.

وفي مقابل ذلك، يستعيد حلاق تجربة الشريعة التاريخية باعتبارها نظامًا لم يكن القانون فيه مجرد إرادة تصدر عن سلطة مركزية، وإنما ارتبط بتقاليد فقهية وأخلاقية واجتماعية متعددة.

وهكذا، إذا كان المسيري يسائل النموذج المعرفي الذي نرى العالم من خلاله، وكان طه يسائل طبيعة العقل والغايات التي توجهه، فإن حلاق يسائل البنية القانونية والسياسية التي تجسد بعض مقدمات الحداثة في تنظيم المجتمع والدولة.

لكن ما يستوقفنا في هذه المشاريع الثلاثة ليس فقط عمق النقد الذي قدمته، وإنما السؤال الذي تتركه مفتوحًا: إذا كانت الحداثة، بما قامت عليه من تصورات للإنسان والعقل والسلطة، تعاني هذه التناقضات البنيوية، فما الأفق البديل الذي يمكن أن نؤسسه، وكيف ننتقل إليه؟

حين يكون النقد أعمق من البديل

نجد أن هذه المسألة تظهر بصورة خاصة في تجربة وائل حلاق. فلئن وجدنا في تحليله للدولة الحديثة وإشكالية التوفيق بينها وبين المنظومة الأخلاقية للشريعة قدرًا كبيرًا من الإقناع، خصوصًا عندما ينقل النقاش من مقارنة الأحكام القانونية إلى مقارنة البنى الحضارية التي تنتج القانون وتحدد علاقته بالسلطة والأخلاق.

لكننا، عندما انتقلنا إلى البحث عن البدائل التي يقترحها، لم نجد، بالقدر نفسه، اختلافًا جوهريًا واضحًا عن كثير مما هو مطروح في بنية الدولة الحديثة والمجتمع المعاصر. وهذا لا يعني أن حلاق لم يقدم تصورًا بديلًا، أو أن استعادته للأفق الأخلاقي للشريعة بلا قيمة، وإنما يعني أن الانتقال من نقد بنية الدولة إلى تقديم بنية بديلة لها يظل، في تقديرنا، أقل اكتمالًا من عملية النقد نفسها.

فإذا كانت الدولة الحديثة، وفق أطروحته، تتضمن تناقضًا بنيويًا مع النظام الأخلاقي للشريعة، فكيف يمكن تنظيم مجتمع معاصر واسع ومعقد من دون إعادة إنتاج البنية التي نريد تجاوزها؟ من يسن القواعد الملزمة؟ وكيف تحل النزاعات بين الاجتهادات والمصالح المتعارضة؟ وكيف توزع السلطات وتراقب، وكيف تحمى الحقوق من تعسف الدولة، ولكن أيضًا من تعسف الجماعات والمؤسسات التي قد تدعي تمثيل المرجعية الأخلاقية؟

إن الكشف عن التناقضات التي تنطوي عليها الدولة الحديثة لا يقدم، في ذاته، إجابة عن هذه الأسئلة. كما أن استعادة نظام أخلاقي تاريخي، مهما كانت قيمته، لا تعني أن مؤسساته قابلة للاستعادة المباشرة في عالم تغيرت فيه طبيعة الدولة والمجتمع والاقتصاد والعلاقات الدولية.

وتبدو المسافة بين النقد والبناء قائمة، وإن بصور مختلفة، في مشروعي المسيري وطه عبد الرحمن أيضًا. فقد قدم الأول أدوات معرفية بالغة الأهمية لفهم الاختزال المادي وصورة الإنسان التي تنتجها بعض نماذج الحداثة، لكن الانتقال من النموذج التفسيري إلى نظرية في المؤسسات والسياسات العامة يظل مهمة أخرى. وقدم الثاني مشروعًا عميقًا في إعادة تأسيس العقل والأخلاق، لكن السؤال يبقى عن كيفية تحويل الائتمانية من مبدأ لتكوين الإنسان الأخلاقي إلى تصور محدد لتنظيم السلطة والقانون والاقتصاد والمجال العام.

ولا أعتقد أن من العدل أن نطالب كل مفكر بتقديم دستور أو برنامج للحكم، ما دام ذلك ليس موضوع مشروعه الأصلي. لكن من حقنا أن نسأل عن مدى قدرة هذه المشاريع، مجتمعة أو منفردة، على توفير الموارد النظرية اللازمة لبناء بديل حضاري قابل للحياة.

هل فشل النموذج الغربي في تربته الأصلية؟

تطرح هذه المشاريع سؤالًا آخر لا يقل أهمية: إذا كانت الحداثة قد كشفت عن تناقضات عميقة في المجتمعات التي نشأت فيها، فما الذي يجعلنا نعتبرها المسار الضروري الذي ينبغي على مجتمعاتنا أن تسلكه؟ ولماذا نستورد نموذجًا حضاريًا كاملًا، بما يتضمنه من افتراضات معرفية وأخلاقية، بدل أن نبحث عن طريقنا الخاص؟

نرى أن هذا السؤال وجيه، لكن الإجابة عنه لا ينبغي أن تقودنا إلى استنتاج معاكس لا يقل إطلاقًا عن الاستنتاج الذي نريد نقده. فإخفاقات الحداثة لا تعني أنها أخفقت في كل ما سعت إليه، كما أن نقد كونية النموذج الغربي لا يعني أن كل مؤسسة أو قيمة نشأت في سياقه غير صالحة لمجتمعات أخرى.

لقد أنتجت الحداثة، إلى جانب الاستعمار والهيمنة والاختزال الأداتي، تحولات في الإدارة والمعرفة والصحة والتعليم، ووسعت إمكانات المشاركة السياسية، وأسهمت بعض تطوراتها في بناء ضمانات للحرية والمساءلة. ولا يجوز إغفال هذه الوقائع، كما لا يجوز اعتبارها دليلًا على صلاحية النموذج الغربي بكامله أو على احتكاره شروط التقدم.

المشكلة، في تقديرنا، ليست في الاستفادة من المؤسسات والمعارف الحديثة، وإنما في التعامل معها بوصفها حزمة متكاملة لا يمكن فصلها عن تاريخ الغرب وفلسفته، أو في استيراد أشكالها من دون بناء الشروط الاجتماعية والأخلاقية والسياسية التي تجعلها تؤدي وظائفها.

فوجود دستور لا يعني وجود سلطة مقيدة بالدستور، ووجود انتخابات لا يعني بالضرورة تداولًا حقيقيًا للسلطة، ووجود قوانين حديثة لا يضمن استقلال القضاء أو المساواة أمام القانون. لكن هذا لا يثبت أن الدستور أو الانتخابات أو استقلال القضاء مفاهيم غربية لا تصلح خارج بيئتها الأصلية؛ بل يثبت أن نقل الشكل المؤسسي لا يساوي بناء شروطه الفعلية.

لذلك، لعل السؤال الأجدى ليس: هل نحتاج إلى الحداثة أم لا نحتاج إليها؟ وإنما: كيف نستفيد من منجزاتها، وننقد تناقضاتها، ونستعيد مواردنا الحضارية، من دون أن نتحول إلى مقلدين لها أو إلى رافضين لها بالجملة؟

من المرجعية الأخلاقية إلى البديل المؤسسي

هنا أعتقد أن معضلة البناء تبلغ ذروتها. فإثبات غنى المرجعية الإسلامية الأخلاقي لا يكفي وحده لإثبات تفوقها المؤسسي، مثلما أن نقد العقل الأداتي لا ينتج تلقائيًا نظامًا للأخلاق العامة، وأن نقد الدولة الحديثة لا يقدم وحده نظرية للدولة البديلة.

يمكن أن نمتلك تصورًا عميقًا للعدل، لكن كيف يتحول إلى قواعد ملزمة؟ ويمكن أن نؤمن بأن السلطة أمانة ومسؤولية، لكن كيف نمنع احتكار تفسير هذه الأمانة؟ ويمكن أن نستعيد تجربة تاريخية ارتبط فيها القانون بالأخلاق، لكن كيف نعيد بناء هذا الارتباط في مجتمع معاصر تتعدد فيه المرجعيات والمصالح والتصورات، وتتشابك فيه السلطات المحلية والدولية والاقتصادية والتكنولوجية؟

هذه ليست اعتراضات على المرجعية الإسلامية، بل هي أسئلة موجهة إلى قدرتنا على تحويلها من مصدر للمعنى والقيم إلى أساس منتج للمؤسسات والممارسة الاجتماعية والسياسية.

ولا ينبغي أن نفترض أن الماضي الإسلامي كان تجسيدًا كاملًا للمثال الأخلاقي، أو أن الدولة الحديثة لا تنتج إلا الهيمنة. فالتجربة التاريخية الإسلامية نفسها عرفت التفاوت والصراع والتوظيف الانتقائي أو الإستغلالي للدين، كما أن التجربة الحديثة عرفت محاولات حقيقية لتقييد السلطة وحماية الحقوق. والمطلوب ليس استبدال صورة مثالية عن الغرب بصورة مثالية عن تاريخنا، وإنما إخضاع التجربتين للنقد والمقارنة، والبحث عما يمكن أن يسهم في بناء نظام أكثر عدلًا وحرية ومسؤولية.

إن البديل الحضاري لا يكتمل بمجرد تحديد المرجعية التي يستند إليها، وإنما بقدرته على الإجابة عن أسئلة السلطة والحرية والمساواة والمحاسبة، وعلى بناء مؤسسات تحمي الإنسان من التعسف، بما في ذلك التعسف الذي قد يمارسه من يتحدثون باسم المرجعية التي يؤمن بها.

من نقد الحداثة إلى أفق حضاري منتج

ربما لا تكون القيمة الأهم للمشاريع الثلاثة أنها قدمت لنا بديلًا حضاريًا مكتملًا، وإنما أنها كشفت عن ضرورة التفكير في هذا البديل خارج ثنائية التقليد والرفض. فالمسيري يتيح لنا نقد النموذج المعرفي الاختزالي، وطه عبد الرحمن يفتح أفقًا لإعادة تأسيس العقل والأخلاق، وحلاق يكشف عن عمق العلاقة بين الدولة والقانون والمرجعية الأخلاقية.

لكن هذه المسارات، مهما بلغت أهميتها، لا تعفينا من المهمة التالية: بناء الحلقة التي تصل المعرفة بالأخلاق، والأخلاق بالمؤسسات، والمؤسسات بالممارسة الاجتماعية، ثم تحديد كيفية الانتقال من الواقع القائم إلى الواقع المنشود.

ولعلنا نحتاج، في هذا السياق، إلى أربعة أسئلة تأسيسية: ما صورة الإنسان التي نريد أن نبني عليها مشروعنا؟ كيف نوزع السلطة ونمنع احتكارها؟ ما المؤسسات القادرة على تجسيد مبادئنا الأخلاقية في واقع متغير؟ وكيف نختبر نجاح هذه المؤسسات ونراجعها ونصحح انحرافاتها؟

إن الإجابة عن هذه الأسئلة لن تأتي من استعادة الماضي وحدها، ولا من استيراد الحاضر، ولا من الاكتفاء بالنقد الفلسفي. إنها تحتاج إلى تفاعل بين الفلسفة والتاريخ والفقه وعلم الاجتماع والاقتصاد والعلوم السياسية، وإلى إخضاع البدائل المقترحة للاختبار العملي، لا الاكتفاء بسلامة مقدماتها النظرية.

في النهاية، لا نعتقد أن تجاوز الحداثة يعني بالضرورة مغادرتها بالكامل، كما لا يعني الاستفادة منها التسليم بكونيتها. وربما يكون الرهان الحقيقي هو القدرة على بناء أفق حضاري مستقل، يستفيد من النقد الذي أنتجته الحداثة ضد نفسها، ويستعيد من المرجعية الإسلامية مواردها المعرفية والأخلاقية، ثم يحول ذلك كله إلى مؤسسات وممارسات قابلة للحياة والمراجعة.

فالمعضلة الكبرى ليست أن نكتشف أن النموذج القائم يعاني تناقضات عميقة؛ بل أن نثبت أن ما نقترحه بديلًا عنه قادر على معالجة تلك التناقضات، من دون أن يعيد إنتاجها بأسماء ومرجعيات مختلفة.

وهنا تبدأ، في تقديرنا، المهمة التي ما زالت مفتوحة: الانتقال من نقد الحداثة إلى بناء البديل الحضاري.