المقدمة

تكتسب الدعوة إلى وحدة الأمة معناها حين تقترن ببناء قدرتها على المعرفة والإنتاج والعدل وصيانة كرامة الإنسان. ومن هذا المنظور، يفتح مؤتمر الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين في إسطنبول االنقاش حول مسؤولية العلماء في وصل المرجعية الإسلامية بتحديات العصر، وتكامل العلوم الشرعية والإنسانية والطبيعية في خدمة المجتمعات. وهو ما يطرح أسئلة نقدية ومقترحات عملية لتطوير دور الاتحاد، وتحويل مكانته المعنوية إلى شراكات ومؤسسات ومشروعات تنهض بحياة الناس وتمنح الوحدة مضمونًا ملموسًا.

مؤتمر الاتحاد العالمي لعلماء المسامين

تأسّس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين سنة 2004، وتولى يوسف القرضاوي رئاسته التأسيسية، ويترأسه حاليًا علي محيي الدين القره داغي، ويتخذ من الدوحة مقرًا له. ويعرّف الاحاد باعتباره مؤسسة إسلامية مستقلة تجمع علماء من بلدان ومذاهب واتجاهات مختلفة لخدمة الإسلام وقضايا المسلمين. وهو هيئة أهلية ذات وظيفة علمية ودعوية وتأثير معنوي، وليس منظمة حكومية أو سلطة دينية ملزمة لجميع المسلمين؛ ولذلك تُقاس مكانته بقدرته على الإقناع، واتساع تمثيله، واستقلال قراره، وأثر مشروعاته في حياة الناس.

يستعد الاتحاد لعقد مؤتمره الدولي في إسطنبول خلال 28–30 أكتوبر 2026، بعنوان «وحدة الأمة الوسط: من الثوابت إلى ميثاق الوحدة». ووفق الإعلان الرسمي المتاح حتى 24 أكتوبر، يُنتظر أن يكون مشروع «ميثاق الأمة الوسط: الثوابت والمتغيرات» من أبرز مخرجاته. ونحن، إذن، أمام مؤتمر مرتقب ومشروع قيد التبلور، ويجوز التعامل مع غاياته المعلنة بوصفها طموحا وتطلعا للمستقبل، وابضا باعتبارها التزامات تستحق المتابعة والمساءلة خلال وبعد اختتام أعماله.

تضع الورقة التعريفية للمؤتمر العلاقة بين الوسطية والوحدة والشهادة الحضارية في مركز النقاش، وتطرح أسئلة عن أسباب التشتت، وضرورة الاجتماع، والمداخل الواقعية للتقارب، وإمكان بناء ميثاق تقبله مختلف مكونات الأمة. وهذه مضامين مهمة، لكن قيمتها تتوقف على تعريف الوحدة نفسها: هل تعني التعاون بين مجتمعات متعددة، أم توحيد التصورات والمواقف؟ إن الوحدة القابلة للحياة تحتاج إلى إدارة الاختلاف والاعتراف بالتعدد، وإلى مصالح ومؤسسات مشتركة تحمي التعاون عندما تتباين الاجتهادات.

ويتبادر السؤال لدى المتابعين والمراقبين الدوليين حول طبيعة العلاقة بين الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين وحلف مكة خاصة وان وأن لقاءين متزامنين سيعقدان في إسطنبول للمؤسستين. الا أن التغطيات المنشورة في 23 أكتوبر تتحدث عن اجتماع وزاري في إسطنبول، لكن لم توجد في المواد الاعلامية ما يثبت انعقاد قمة قادة حلف مكة بالتزامن المحدد مع مؤتمر الاتحاد، أو وجود ارتباط تنظيمي بين الحدثين. والمثبت مباشرة أن الاتحاد أصدر في 9 أغسطس 2026 بيانًا مؤيدًا لاتفاقية مكة للدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان؛ وهذا يثبت موقفًا داعمًا للاتفاقية، ولا يثبت أن المؤتمر جزء من ترتيبات الحلف.

مع ذلك، توجد مساحة تقاطع فكري وسياسي تستحق النقاش؛ فقد دعا الاتحاد، في بيانه، إلى توسيع التعاون المرتبط بالاتفاقية ليشمل الاقتصاد، والعلم، والتنمية والمجتمع. وهنا يتوجه السؤال عن كيفية توسيع التعاون من زاوية نظره كمؤسسة علمية وعلمائية؟ وهل يستطيع تقييم هذا التعاون وفق حماية الشعوب ومنع العدوان وتحقيق المنفعة المشتركة؟

وحدة علماء الطبيعة وعلماء الشريعة

يثير اسم الاتحاد سؤالًا معرفيًا أساسيًا: من المقصود بـ«علماء المسلمين»؟ فالتعريف المنشور للعضوية يركز على خريجي الكليات الشرعية والأقسام الإسلامية، وعلى أصحاب الإنتاج أو النشاط المعتبر في علوم الشريعة والثقافة الإسلامية. وهذا يفسر غلبة الهوية الشرعية بحكم التأسيس والوظيفة. لكن السؤال المشروع هو: هل يتناسب هذا النطاق مع طموح الحديث باسم نهضة الأمة كلها، في زمن أصبحت فيه المعرفة الطبية والتقنية والاقتصادية والاجتماعية شرطًا لفهم مشكلاتها وصياغة الحلول؟

مع ذلك، فإن القول إن الاتحاد لا يضم أو لا يستعين مطلقًا بأصحاب التخصصات الأخرى يحتاج إلى تصحيح؛ فقد ذكرت رئيسة النشاط النسائي بفرع قطر مشاركة متخصصات في العلوم الإنسانية والاجتماعية والاقتصاد الإسلامي والطب والصيدلة ضمن لجانه. وهذه علامة انفتاح تستحق البناء عليها، لكنها لا تكفي لإثبات توازن التخصصات في العضوية العامة والقيادة. ولذلك يصبح السؤال الأدق: ما موقع هؤلاء في اتخاذ القرار، وما نسبتهم، وهل يشاركون بوصفهم أصحاب معرفة مستقلة تسهم في تحديد الأولويات؟

و. يستطيع الاتحاد أن يحافظ على اختصاصه الشرعي، وأن يبني في الوقت نفسه شراكة مؤسسية دائمة مع علماء الطب والفيزياء والرياضيات والهندسة والعلوم الرقمية، ومع الباحثين في التاريخ والاجتماع والاقتصاد والفلسفة. ويمكن تحقيق ذلك بتطوير العضوية أو إنشاء مجالس مشتركة ذات صلاحيات واضحة. فالمطلوب تكامل اختصاصات يحترم مناهجها: يوضح الفقيه الاعتبارات الأخلاقية والتشريعية، ويقدم الباحث المعرفة التجريبية، ويختبر الاقتصادي قابلية التمويل ومشاريع النهوض، ويقيس عالم الاجتماع الأثر الفعلي في الناس.

وإذا كانت وحدة المسلمين غاية مركزية، فإن بناء القدرة العلمية ينبغي أن يصبح أحد معاييرها العملية. والسؤال الموجه إلى المؤتمر هو: هل ستقترن الدعوة إلى الوحدة بشبكات للباحثين، وبرامج لتبادل الخبرات، ورعاية للموهوبين، وترجمة علمية، ومبادرات لردم الفجوة الرقمية؟ وليس مطلوبًا من الاتحاد أن يحل محل وزارات التعليم أو الجامعات، لكنه يستطيع تعبئة الأوقاف والتبرعات والشراكات والمبادرات لدعم مشروعات محددة، مثل تعليم البرمجة للناشئة، أو توفير مراجع مفتوحة للطلبة، أو ربط الكفاءات عالية التخصصات والمقيمة في مختلف المؤسسات العالمية بالمؤسسات العلمية في بلدانها.

في المجال الاقتصادي

وفي المجال الاقتصادي، يحتاج خطاب النهضة إلى تجاوز الاكتفاء بالمشروعية الفقهية للمعاملات نحو دراسة شروط الإنتاج والتشغيل والعدالة الاجتماعية. فأين موقع الأمن الغذائي، والتصنيع، والطاقة، وإدارة المياه، والتفاوت بين الجهات، وحقوق العاملين في رؤية الاتحاد؟ وهل يستضيف اقتصاديين مختلفين في مناهجهم لتحليل أسباب الفقر والتبعية وضعف الاستثمار في مناطق عديدة من الجغرافيا السياسية والطبيعية الممتدة للامة؟ إن التعاون الاقتصادي بين المسلمين يكتسب معناه حين يزيد قدرتهم على إنتاج الغذاء والدواء والتكنولوجيا، ويتيح للمواطن العادي نصيبًا عادلًا من عائدات التنمية.

وفي بناء الوحدة، يمكن للاتحاد أن يطور تعاونًا يبدأ بالحاجات المشتركة: منح دراسية، وترجمة علمية، وتبادل معرفي، وتدريب مهني، ومساندة جامعات متضررة من النزاعات. فهذه المجالات تتيح تعاونًا بين مجتمعات ودول تختلف سياسيًا ومذهبيًا. والسؤال للمؤتمر: هل يستطيع اعتماد عدد محدود من المشاريع المشتركة ذات التمويل والجدول الزمني، بحيث تصبح الوحدة خبرة اجتماعية نافعة يلمسها الناس في حياتهم؟

ويقتضي بناء القوة الاقتصادية تجاوز العموميات إلى تشخيص الإنتاج والتشغيل والتمويل والتبعية التقنية. فالاقتصاد السياسي يسأل عمن يملك الموارد، ومن يستفيد من السياسات، وكيف توزع المخاطر والأعباء، وما موقع العمال والفئات الهشة. ولذلك نسأل الاتحاد: هل يفتح نقاشه الاقتصادي أمام مدارس متعددة، وهل يربط الأخلاق الاقتصادية بمقاومة الاحتكار والفساد والاستغلال وتحسين شروط العمل، إلى جانب اهتمامه بمشروعية المعاملات المالية؟

هياكل الاتحاد

وللاتحاد هياكل فعلية؛ فصفحته الرسمية تعرض لجانًا للشباب والأسرة والتدريب والعناية بالعلماء والاجتهاد والفتوى والفكر والتعليم الشرعي، إلى جانب لجان أخرى. لذلك لا يصح القول باختزال نشاطه في البيانات وحدها. غير أن وجود اللجان يفتح سؤالًا عن قدرات مواردها ومشاريعها ونتائجها؟ وما هو حجم مشاريعها ومجالات اهتمامها المعاصرة لاهتمامات شعوب الامة.؟ ومن المستفيدون؟ وما هي سبل الاسهام والمساعدة في التغير في أنماط حياتهم ومعيشتهم دون التعارض مع مشاريع حكوماتهم الوطنية؟ وما هو مدى التتابع في نشر التقارير السنوية ومخرجات الندوات، و لوائح التوصيات والمتابعات، والمشروعات النافذة، والنتائج التي أمكن التحقق منها بما يحرك الروابط الديناميكية بين شعوب الامة ويعكس تطلعاتها وقضاياها استكمالا لأدوارها الوطنية والمواطنية.

قضايا الأمن والسلم والتعاون

وفي قضايا الأمن والسلم والتعاون، تعلن غايات المؤتمر الاهتمام بالتعاون ونصرة المظلوم، كما يحمل موقف الاتحاد من اتفاقية مكة اهتمامًا بالأمن المشترك. لكن الانتقال إلى أثر عملي يحتاج إلى أدوات للوساطة ومنع النزاعات وحماية المدنيين. فهل ينشئ الاتحاد فريقًا يجمع علماء دين ومتخصصين في القانون الدولي والتفاوض وعلم الاجتماع السياسي؟ وهل يضع مبادئ ثابتة ترفض استهداف المدنيين والتحريض الطائفي والتكفير، وتدين الإرهاب بصرف النظر عن هوية مرتكبيه، وتقاوم كذلك توظيف تهمة الإرهاب وحملات الإسلام وفوبيا لقمع المعارضة السلمية؟

أما الفقر والمجاعات، فإن التعامل معهما يحتاج إلى الجمع بين الإغاثة العاجلة ومعالجة الأسباب. فالسؤال ليس فقط: هل يدعو الاتحاد إلى التبرع؟ بل أيضًا: هل يساعد على إنشاء شراكات موثوقة لمكافحة سوء التغذية، واستعادة مجانية التعليم ورفع الامية التثقيفية والرقمية، وتأمين المياه والعلاج، ودعم سبل العيش؟ ويمكنه أن يؤدي دورًا مهمًا في توجيه التمويل الخيري نحو الوقاية والتنمية، مع ضمان وصول المساعدة إلى المحتاجين من أبناء الشعوب المفقرة والمضطهدة بصرف النظر عن انتماءاتهم، ونشر بيانات عن المبادرات والمشاريع والجهات المنفذة ونتائج التدخلات.

في الثقافة والتعليم والمنصات الإعلامية والفنون

وفي الثقافة والتعليم والفنون، يبرز سؤال عن صورة الإنسان الذي يسعى الاتحاد إلى الإسهام في تكوينه: هل تتسع رؤيته للخيال والإبداع والنقد والتذوق الجمالي إلى جانب التكوين الديني؟ فالنهضة تحتاج إلى الأدب والمسرح والسينما والفنون البصرية، وإلى تعليم ينمي السؤال والتحليل والاستدلال وتطوير المناهج والباراديغمات الجديدة. والمطلوب حوار مؤسسي مع المبدعين والتربويين، يدرس كيف تخدم الثقافة كرامة الإنسان وذاكرته وتضامنه، وكيف يمكن تجاوز تحويل النقاش الفني إلى سلسلة من الأحكام المنفصلة عن شروط الإنتاج وأثر الأعمال.

وتكتسب المنصات الإعلامية الإلكترونية وحركة النشر الورقي والقنوات السمعية البصرية أهمية استراتيجية في التعريف بالاتحاد العالمي لعلماء المسلمين ومتابعة أنشطته، وتحويل رسالته العلمية والحضارية إلى حضور مجتمعي متواصل؛ فالمنصات الرقمية تتيح سرعة التواصل وتوسيع الانتشار وفتح الحوار مع الجمهور، فيما تمنح الكتب والدوريات والتقارير الورقية إنتاجه المعرفي عمقًا وتوثيقًا وتراكمًا، وتساعد البرامج الإذاعية والتلفزيونية والمواد الوثائقية على تقريب أفكاره ومبادراته من مختلف الفئات بلغات وأساليب تراعي تنوعها الثقافي والعمري. ويتطلب تكامل هذه الوسائط استراتيجية تحريرية واتصالية تربط خطاب الاتحاد بقضايا الناس على امتداد جغرافية الامة وأسئلتهم، وتعرض مشاريعه ونتائج أعماله بوضوح ومصداقية، وتفسح المجال للنقد والاقتراح والمشاركة؛ بما يخلق جمهورًا تفاعليًا يسهم في اقتراح البرامج، وتقييم الفعاليات، ونشر المعرفة، والتطوع ودعم المبادرات. وبهذا يصبح الإعلام رافدًا لتطوير مناشط الاتحاد وتجديد أولوياته وتوسيع شراكاته مع الجامعات والمؤسسات الثقافية والمجتمع المدني، وتُقاس فاعليته بقدرته على بناء الثقة وتحويل الاهتمام برسالة الاتحاد إلى مشاركة مستدامة وأثر علمي واجتماعي ملموس.

وفي البحث الجامعي، يستطيع الاتحاد أن يشجع دراسات تتناول أوضاع المجتمعات المسلمة بأدوات علمية صارمة، من جودة التعليم إلى العنف الأسري والتفاوت الاجتماعي والهجرة والتحولات الرقمية. وتكون خدمة رسالة الأمة هنا بإتاحة المعرفة ومراجعة الأخطاء، مع استقلال الباحث في طرح السؤال والوصول إلى نتيجة قد تخالف التصور السائد. فهل يخصص الاتحاد منحًا تنافسية وشراكات جامعية وتحكيمًا مستقلًا ونشرًا مفتوحًا؟ وهل يقبل البحث التقييمي والنقدي في خطاب المؤسسات الدينية نفسها، وفي أثرها الاجتماعي والسياسي؟

وعن الجوائز، لم نجد في المواد المنشورة للاتحاد ما يثبت وجود منظومة سنوية شاملة يديرها الاتحاد لتكريم الإبداع في مختلف العلوم. وتوجد، مثلًا، توصية منشورة ضمن مؤتمر رعاه بإنشاء جائزة بحثية باسم عبد المجيد الزنداني، لكن التوصية لا تثبت بدء تنفيذها، ولا تعادل برنامجًا متعدد التخصصات. فلماذا لا يطلق الاتحاد، بالشراكة مع جامعات ومؤسسات مستقلة، جوائز للطب والرياضيات والعلوم الشرعية والطبيعية والرقمية والعلوم الإنسانية والفنون، بمعايير معلنة ولجان متخصصة وتمويل مستدام، مع عناية خاصة بالباحثين الشباب؟

في الشباب والطفولة والمرأة

ويحتاج الشباب كذلك إلى مسارات تصل المعرفة بفرص الفعل؛ فقائمة اللجان تتضمن لجنة للشباب، لكن عنوان اللجنة لا يوضح وحده نطاق برامجها أو نتائجها. ويمكن أن يكون من أولوياتها الإرشاد الأكاديمي والمهني، ودعم البحث والمبادرة الاجتماعية، والتربية على الحوار والمشاركة السلمية. والسؤال للاتحاد: ما الذي يتيحه للشاب كي ينتقل من متابعة الخطاب إلى امتلاك مهارة ومشروع ودور مستقل في مجتمعه؟

وفي مجال الطفولة، لا يكفي إدراج الطفل ضمن الاهتمام العام بالأسرة؛ فهو يحتاج إلى سياسة مستقلة تراعي حقه في التعليم والصحة والحماية من العنف والاستغلال والتجنيد والعمل المبكر. ولم تبرز في المواد المنشورة فعاليات لإثبات برنامج عالمي متكامل للاتحاد في هذه المجالات، وهو ما يتطلب مزيدا من التوضيح. فما خطط الاتحاد لدعم الأطفال المنقطعين عن الدراسة، والمتضررين من الحرب والنزوح، ولتوفير الدعم النفسي والتربية الرقمية الآمنة؟ وكيف يشارك التربويون وأطباء الأطفال والمتخصصون النفسيون في إعداد هذه الخطط وتقييمها؟

وفي شؤون المرأة، توجد برامج معلنة بفرع قطر للتأهيل العلمي والتدريب والتوعية الأسرية وإعداد باحثات وقيادات؛ وهي جهود تستحق كل التقدير والمتابعة، مع الحذر من تعميم تجربة فرع على الاتحاد كله. والسؤال الأوسع هو: ما حضور النساء في قيادته ولجانه وصناعة قراراته؟ وهل تشمل رؤيته لتمكينهن في التعليم العالي والدراسات الجامعية والعمل والبحث العلمي والحماية من العنف والتشجيع على المشاركة العامة؟ إن الاستفادة من طاقات النساء تستلزم الاعتراف بتنوع تجاربهن واحتياجاتهن، وإشراكهن في تحديد المشكلات والحلول. ويظل السؤال الأعمق عن موقع النساء في إنتاج المعرفة والقرار داخل المؤسسة: ما حجم مشاركتهن في القيادة واللجان العلمية وصياغة المواقف؟ وكيف يعالج الاتحاد تعليم الفتيات، والعنف الأسري، والوصول إلى العمل والصحة والعدالة؟ إن برنامج المرأة يزداد جدية حين يتيح للنساء تحديد حاجاتهن ومناقشة أولوياتهن والمشاركة في التقييم، ويستفيد من خبرات الباحثات، والطبيبات، والحقوقيات، والمربيات.

الاحتياجات الخاصة

ويستحق الأشخاص ذوو الإعاقة موقعًا صريحًا في برامج الاتحاد، يتجاوز المساعدة الخيرية إلى الحقوق والاستقلال والمشاركة. ولم نتمكن من توثيق برنامج شامل خاص به في هذا المجال، ولا يعني ذلك الجزم بعدم وجود مبادرات غير ظاهرة في المصادر. لكن السؤال يبقى: هل تتاح مواده ومؤتمراته بلغة الإشارة والصيغ المناسبة للمكفوفين؟ وهل يدعم التعليم الدامج والتقنيات المساعدة والتأهيل المهني؟ وهل يضم أشخاصًا ذوي إعاقة إلى فرق إعداد البرامج، بحيث يشاركون في تعريف احتياجاتهم وتقييم الخدمات المقدمة إليهم؟

تنمية رؤوس الأموال وتوسيع السوق

يمكن للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين أن يسهم في بلورة رؤية حضارية للتنمية تجعل من تنمية رأس المال العلمي وراس المال المالي وراس المال الرمزي للأمة مسؤولية مشتركة بين المؤسسات العلمية والاقتصادية والحكومات الوطنية والمجتمع المدني. فرأس المال العلمي يتكوّن بالارتقاء بالتعليم والبحث والابتكار، وربط الجامعات بحاجات الزراعة والصناعة والصحة والتكنولوجيا؛ ورأس المال المالي يتعزّز بتعبئة المدخرات وتوجيه الاستثمار والتمويل والأوقاف نحو المشاريع المنتجة، مع ضمان الشفافية والمساءلة. أمّا رأس المال الرمزي، المتمثل في الثقة والمصداقية والقيم المشتركة والثقافة والذاكرة والتاريخ الرسالي للامة والاعتراف بالكفاءة، فيمكن للاتحاد أن يساعد على تنميته بخطاب يربط التدين بإتقان العمل واحترام المعرفة وصيانة المال العام ودعم القيم المشتركة والثقافة والذاكرة والتاريخ الرسالي للامة والوفاء بالعقود. وتقتضي هذه المساهمة تعاون علماء الشريعة ومختلف العلوم الإنسانية مع علماء الاقتصاد والاجتماع والطبيعة والتقنية، حتى تتحول الدعوة الأخلاقية إلى تصورات مؤسسية وبرامج قابلة للتنفيذ والتقييم، تراعي خصوصيات الدول الوطنية وحاجاتها.

وتتكامل رؤوس الأموال العلمية والمالية والرمزية حين تتحول المعرفة إلى إنتاج وابتكار، ويتجه التمويل إلى توسيع المؤسسات وفرص العمل، وتدعم الثقةُ التعاونَ والتبادلَ والاستثمارَ طويل الأجل. ويمكن للاتحاد أن يشجّع هذا التكامل بالدعوة إلى شراكات بين الجامعات والمقاولات، وتطوير التكوين المهني، وتمكين الشباب والنساء من العمل والمبادرة، وتعزيز التجارة وسلاسل القيمة بين بلدان الأمة. كما يتطلب توسيع فضاءات الاستهلاك والتسويق تحسين القدرة الشرائية، وتطوير النقل والخدمات اللوجستية والمنصات الرقمية ومعايير الجودة، بما يتيح للمنتجات الوصول إلى أسواق أوسع. وتغدو السوق محركًا للنهوض عندما يستند اتساعها إلى ارتفاع الإنتاجية والأجور والتشغيل؛ أما زيادة الاستهلاك المموّل بالمديونية والواردات وحدها فقد تعمّق التبعية وتستنزف الموارد. ومن ثمّ، فإن القيمة التنموية لدور الاتحاد تكمن في المساهمة في تشجيع اقتصاد منتج وعادل، تتكامل فيه المبادرة الخاصة والسياسات العمومية والتعاون بين الدول، وتُقاس ثماره بتحسين معيشة الشعوب وتقوية قدراتها العلمية وسيادتها الاقتصادية.

 

حركة الترجمة

يمثّل تشجيع الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين لحركة الترجمة العلمية والمعرفية، بالشراكة مع الجامعات ومراكز البحوث والحكومات الوطنية، مدخلًا مهمًّا إلى تجديد الوعي وبناء القدرة الحضارية للأمة؛ فالترجمة تتيح للطلاب والباحثين الاطلاع على منجزات المعرفة الشرعية والإنسانية في الطب والهندسة والفيزياء والرياضيات والعلوم الرقمية، وكذلك في الفلسفة والاقتصاد والاجتماع والعلوم السياسية. وتكمن أهمية إسهام الاتحاد في ترسيخ اعتبار اكتساب هذه المعارف وإنتاجها مسؤولية مجتمعية تتصل بحفظ الحياة وتحقيق العدل والعمران، وتوسيع معنى النهوض العلمي ليشمل مختلف التخصصات. ويستطيع، بما له من حضور ديني، المساهمة في بناء ثقافة تحترم البحث والتفكير النقدي وتدعم التواصل بين علماء الشريعة والعلوم الإنسانية والطبيعية.

وتحتاج هذه الشراكة إلى برنامج مؤسسي مستدام تتوزع فيه المسؤوليات بوضوح: تتولى المؤسسات العلمية اختيار الأعمال وتقييم قيمتها ومراجعة ترجماتها، وتوفّر الحكومات التمويل والبنية القانونية وسياسات الإتاحة، ويسهم الاتحاد في التعبئة الثقافية وتشجيع الأوقاف والتبرعات المخصّصة للمعرفة. ومن المفيد إنشاء صناديق للترجمة، وتكوين مترجمين متخصّصين، وتطوير معاجم علمية وقواعد مصطلحات مشتركة، وإقامة منصات رقمية تتيح الكتب والدراسات المترجمة بأسعار ميسّرة أو مجانًا وفق حقوق النشر. وينبغي أن يستند اختيار المواد إلى حاجات المجتمعات، مثل الأمن الغذائي والمائي والطاقة والصحة والتعليم والإدارة الرشيدة.

وتتحقق القيمة الأعمق لهذه الحركة عندما ترتبط الترجمة بالتعليم والبحث والإنتاج، فتدخل المعارف المترجمة إلى المناهج والمختبرات والمستشفيات والمؤسسات الاقتصادية، وتصبح أساسًا للتجريب والتطوير وحلّ المشكلات المحلية. كما ينبغي دعم ترجمة البحوث المتميزة التي ينتجها علماء البلدان الإسلامية إلى اللغات العالمية، بما يجعل التبادل المعرفي متكافئًا ويمنح إسهاماتهم حضورًا أوسع. ويمكن قياس نجاح المشروع بجودة الترجمات، ومدى استعمالها في الجامعات، وأثرها في تطوير البحث والخدمات والسياسات العامة. وبذلك يسهم الاتحاد وشركاؤه في تحويل الترجمة إلى مشروع لبناء الكفاءات وتوسيع المشاركة في المعرفة وتعزيز استقلال القرار العلمي والتنموي للأمة.

التحديات والرهانات

وبالرغم ما يبذله الاتحاد من جهود عظيمة فان جملة من التحديات والرهانات لا زالت تواجهه. إذ يواجه الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين رهان تحويل الاستقلالية التي يعلنها إلى ممارسة مؤسسية يمكن التحقق منها؛ فهو يقدّم نفسه مرجعية علمائية مستقلة، ملتزمة بالموضوعية والعدل وخدمة القضايا الإنسانية. ويقتضي الوفاء بهذا التعريف شفافية التمويل، واستقلال القرار، وتطبيق معايير متسقة في نقد الانتهاكات، بصرف النظر عن هوية مرتكبيها أو علاقاتهم بالاتحاد. وفي تقديري، تتوقف قوته المعنوية على قدرته على الدفاع عن المظلوم وحقوق الإنسان ومساءلة السلطة، مع تجنّب اختزال رسالته في اصطفاف حزبي أو إقليمي؛ لأن ثقة الجمهور تتأسس على اتساق المواقف واستقلالها.

وتنص وثيقة الاتحاد التأسيسية على توحيد جهود العلماء وقوى الأمة بمختلف مذاهبها واتجاهاتها، وهو هدف يطرح سؤالًا عن كيفية إدارة الاختلاف داخل مؤسسة عالمية. ويتطلب تحقيقه توسيع المشاركة العلمية والجغرافية والنسائية، وإتاحة حضور مؤثر للأجيال الجديدة ولعلماء المجتمعات المسلمة خارج البلدان الإسلامية. فالرهان هو بناء شرعية تمثيلية تستوعب التنوع دون ادعاء احتكار التعبير عن الإسلام أو المسلمين، وتسمح بتعدّد الاجتهادات ضمن قواعد واضحة للحوار. وتمثّل هذه التعددية فرصة لتقريب المذاهب وتخفيف الاستقطاب إذا تحولت إلى إجراءات في العضوية والانتخاب وصناعة القرار.

ويحتاج الاتحاد إلى وصل التخصص الشرعي بمعرفة دقيقة بالمجتمعات والاقتصاد، والدولة والعلوم والتكنولوجيا. فالقضايا المعاصرة، من الذكاء الاصطناعي والتحولات الطبية إلى البطالة والمناخ والديون، تستلزم تعاون الفقهاء مع المختصين قبل إصدار الأحكام أو اقتراح الحلول. والفرصة المتاحة هنا هي إنشاء فرق بحث مشتركة تجمع علماء الشريعة والاقتصاد والاجتماع والطب والبيئة والعلوم الرقمية، مع احترام اختصاص كل مجال. أما الرهان الفكري فهو تطوير اجتهاد يفهم أسباب المشكلات وموازين المصالح والنتائج المتوقعة، ويحوّل المقاصد العامة، كالعدل وحفظ الحياة والكرامة، إلى أسئلة بحث وسياسات قابلة للنقاش والتقييم.

وتتضمن أهداف الاتحاد المعلنة نشر العلم وتأهيل الكفاءات والتعاون مع المؤسسات ذات الأهداف المشتركة؛ وهي مجالات تتيح بناء برامج عملية يمكن قياس نتائجها. ومن الفرص الممكنة تأسيس شراكات جامعية، ومنح بحثية، وبرامج لتطوير التعليم الديني، وتأهيل الوسطاء الاجتماعيين، ودعم المبادرات المعرفية الموجهة للشباب. ويكمن الرهان في تحديد أولويات واقعية تتناسب مع موارده واختصاصه، ثم نشر تقارير عن الإنجاز والتمويل والمستفيدين. بذلك يمكن تقييم مكانته من خلال ما يضيفه إلى المعرفة والتعليم والحياة الاجتماعية، إلى جانب بياناته ومؤتمراته ومواقفه العامة.

يعلن الاتحاد دعمه للإصلاح وحرية التعبير في إطار سلمي، واهتمامه بالكرامة الإنسانية والمصالحة والتعاون الإنساني ويضعه ذلك أمام رهان صياغة خطاب متماسك تجاه الاستبداد والحروب والاحتلال والعنف الطائفي، يجمع الدفاع عن الحقوق بحماية المدنيين ورفض العقاب الجماعي والتحريض. وتتمثل فرصته في توظيف مكانته الدينية للمساهمة في الوساطة، ومقاومة التكفير، وتخفيف النزاعات، وبناء شراكات حقوقية وإنسانية. غير أن نجاح هذا الدور يتطلب معرفة ميدانية واستماعًا للأطراف المتضررة، وتقديرًا دقيقًا لتبعات المواقف؛ لأن التأثير الأخلاقي يقاس أيضًا بالقدرة على تقليل الضرر وفتح سبل الحل.

ويواجه الاتحاد، في المحصلة، سؤالًا عن مساهمته في بناء قدرة المسلمين على المعرفة والعمل والتعاون والمشاركة في الحضارة المعاصرة. ويستطيع تطوير هذه المساهمة عبر تجديد إدارته، وتداول المسؤوليات، وتقييم برامجه، وتوسيع حضوره بلغات متعددة، وإشراك الشباب في إنتاج المعرفة ومناقشتها. وتتيح له وسائل الاتصال والشراكات العلمية الوصول إلى جمهور واسع، شريطة تقديم محتوى رصين يعالج أسئلة الحرية والمواطنة والعمل والأسرة والعلم بلغة مفهومة. والرهان الأكبر هو الربط بين المرجعية الإسلامية وبناء الإنسان والمؤسسات: تعليم أفضل، وتفكير نقدي، ومسؤولية عامة، وتعاون علمي واقتصادي يترجم الانتماء إلى منفعة ملموسة للمجتمعات.

وأخيرًا، مع كل التقدير وتثمين جهود الاتحاد ومؤسساته وهياكله وغاياته النبيلة ومقاصده فإن سؤال إنهاء الخصومة مع الأنظمة الحاكمة يحتاج إلى التمييز بين دول وعلاقات مختلفة؛ فلا يصح افتراض خصومة واحدة شاملة. ومع ذلك، يستطيع الاتحاد طرح مسار للمصالحة يقوم على الحوار، واحترام سيادة الدول، واستقلال المجتمع المدني، ورفض العنف، وضمان حرية التعبير والمحاكمة العادلة وحقوق المعارضين السلميين. مع مراجعة خطابه ومواقفه بميزان ثابت، مع مطالبة الحكومات بإنهاء التضييق غير المشروع. فهل يخرج مؤتمر إسطنبول بميثاق تتبعه خطة زمنية وموارد ومسؤوليات معلنة، تجمع بين إصلاح العلاقة بالحكام وخدمة الشعوب وبناء المعرفة؟ ذلك هو الامتحان الذي يمكن أن ينقل وحدة الأمة من التطلعات الأخلاقية إلى تعاون قابل للقياس والمساءلة.

الخاتمة:

إن الرهان الذي يواجه الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين هو قدرته على ترجمة رسالته إلى أثر مستدام في التعليم والبحث، والإنتاج والحرية والتضامن. ويقتضي ذلك استقلالًا يصون المصداقية، وانفتاحًا يجمع التخصصات والأجيال، وبرامج واضحة تخضع للتقييم والمساءلة. وعندئذ تستطيع وحدة الأمة أن تتجسد في معرفة تتداولها، ومصالح تتشاركها، وحقوق تصونها، وقدرات تبنيها؛ ويصبح ميثاقها التزامًا بالنهوض، يختبر صدقه ما يضيفه إلى كرامة الإنسان وحياة الشعوب.