ليست كلّ مغادرة للتنظيم تحرّرًا من الفكرة، كما أنّ البقاء داخل التنظيم ليس بالضرورة دليلًا على الوفاء لها. وبين هذين الحدّين تتشكّل شخصية عبد الحميد الجلاصي، الذي يمثّل نموذجًا سياسيًا يستحقّ القراءة خارج التصنيفات الجاهزة، وخارج ثنائية الولاء والخيانة التي كثيرًا ما تختزل التجارب السياسية التونسية في أحكام تنظيمية مغلقة.
لقد تخلّص الجلاصي من الانتظام الحزبي، لكنّه لم يغادر الفكرة، ولم يتنكّر للمسار الذي صاغ وعيه السياسي، ولم يجعل من خلافه مع القيادة أو البنية التنظيمية مناسبة للالتحاق بمعسكر الخصومة الإيديولوجية. وتكمن خصوصية تجربته في قدرته على الصمود في ثلاث جبهات متداخلة، لكلّ واحدة منها امتحانها الخاص، ولكلّ واحدة منها كلفتها السياسية والأخلاقية.
أولًا: الصمود داخل القواعد الإسلامية دون الارتهان للتنظيم
لم يكن خروج الجلاصي من حركة النهضة مجرّد استقالة إدارية من حزب سياسي، بل كان اختبارًا صعبًا لقدرته على الاحتفاظ بمقبوليته لدى جمهور إسلامي تشكّلت علاقته بالسياسة، لعقود، من خلال التنظيم والانتماء والذاكرة المشتركة للسجون والملاحقات والتضحيات.
في مثل هذه الحالات، يسهل على المغادر أن يشتري رضا خصوم الأمس بتبنّي خطاب القطيعة الشاملة، كما يسهل على التنظيم أن يحوّل الخلاف إلى تهمة أخلاقية تمسّ الوفاء والشرعية التاريخية. أمّا الأصعب فهو أن يغادر المرء البنية التنظيمية دون أن يتحوّل إلى خصم هوياتي للفكرة التي انطلق منها، وأن يحتفظ بحقّه في النقد والمراجعة دون أن يستجدي الاعتراف من قواعدها.
هنا تتجلّى إحدى نقاط قوة الجلاصي: الفصل بين الانتماء الفكري والطاعة التنظيمية، وبين احترام تجربة المناضلين وتقديس اختيارات القيادة. فالمقبولية الحقيقية لا تُبنى على استرضاء القواعد، بل على القدرة على مخاطبتها بصدق، واحترام ذاكرتها، ومصارحتها بأخطاء التجربة دون التشفي فيها أو التنكّر لتضحياتها.
ثانيًا: التموقع بالفكرة داخل فضاء إيديولوجي مختلف
لم يختر الجلاصي أن يجعل من مغادرته التنظيمية جسرًا نحو معسكر إيديولوجي مناقض، ولم يكن مضطرًا إلى إخفاء جذوره الفكرية كي يحاور المختلفين معه. وهذه مساحة دقيقة في السياسة التونسية، حيث يُطلب من المنشقّ أحيانًا أن يثبت استقلاله بإعلان القطيعة مع ماضيه، كما يُطلب من صاحب المرجعية الإسلامية أن يبرّر حضوره في المجال العام وفق شروط لا تُفرض بالضرورة على غيره.
إنّ التموقع خارج التنظيم لا يعني الذوبان في الآخر، بل امتلاك لغة سياسية مشتركة تسمح بالالتقاء حول الحرية والديمقراطية ودولة القانون والعدالة الاجتماعية، دون اشتراط التطابق في المرجعيات أو المناهج. فالوطن ليس ملكًا لتيار، والديمقراطية ليست منحة إيديولوجية، والحقوق لا تتجزّأ بحسب هوية أصحابها.
وتكمن أهمية هذا التموقع في أنّه ينقل الاختلاف من مستوى الصراع على شرعية الوجود إلى مستوى التنافس على البرامج والخيارات. فالجلاصي يستطيع أن يظلّ ابن تجربته الإسلامية، وأن يتقاطع في الوقت نفسه مع خصومه الفكريين حول مقاومة الاستبداد، دون أن يتخلّى عن حقّه في الاختلاف معهم. وتلك ليست مناورة بين المعسكرات، بل محاولة لتحرير السياسة من منطق الاصطفاف المغلق، وإعادة الاعتبار إلى المواطن بوصفه شريكًا في الوطن قبل أن يكون تابعًا لهوية حزبية.
ثالثًا: الصمود داخل الزنازين... حين يُمتحن الجسد بما تبقّى من الفكرة
هنا تبلغ الشخصية امتحانها الأكثر قسوة. فقد عرف الجلاصي السجن في عهد بن علي، ثم عاد إلى الزنزانة في سياق سياسي مختلف، بعد الثورة التي كان يفترض أن تجعل الحرية حقًا مستقرًا لا امتيازًا تمنحه السلطة وتسحبه متى شاءت.
إنّ السجن لا يختبر قدرة الإنسان على تحمّل الألم فحسب، بل يختبر أيضًا قدرته على الاحتفاظ بمعناه الداخلي، وعلى ألّا يسمح للجدران بأن تتحوّل إلى حدود لوعيه أو أن تنتزع منه حقّه في الاعتراض. ومن هذه الزاوية، فإنّ إضرابه عن الطعام، في سياق احتجاجه على وضعه السجني، يضعنا أمام صورة المناضل الذي يلجأ إلى جسده حين تضيق أمامه وسائل التعبير والاحتجاج.
لكنّ الصمود لا ينبغي أن يُقاس بمدى الاقتراب من الموت، ولا أن يتحوّل إضراب الجوع إلى سباق في التضحية. إنّ حياة السجين ليست تفصيلًا في معركة سياسية، وحمايتها مسؤولية عاجلة تستوجب الاستجابة للمطالب المشروعة، وضمان الرعاية الطبية، وصون الحقوق الأساسية.
إنّ مساندة الجلاصي اليوم لا تعني تبنّي كلّ مواقفه، بل الدفاع عن حقّه في الحرية والمحاكمة العادلة والمعاملة الإنسانية، ورفض أن يصبح السجن أداة لتصفية الخلاف السياسي.
عبد الحميد الجلاصي تخلّص من الانتظام ولم يغادر الفكرة؛ حافظ على خيط يصل القواعد بالجذور، وفتح للفكرة مجالًا للحوار مع المختلفين، وواجه الزنزانة بما راكمته تجربته من صلابة. وفي هذه الجبهات الثلاث تكمن دلالة شخصيته: أن يكون الإنسان مستقلًا دون اقتلاع، منفتحًا دون ذوبان، وصامدًا دون أن يتخلّى عن حقّه في الحياة.
إنّ الحرية التي ندافع عنها للجلاصي ليست استثناءً يُمنح لمن نتّفق معهم، بل مبدأ لا يستقيم الوطن من دونه. ومن واجب كلّ من يؤمن بهذا المبدأ ألّا يتركه وحيدًا، وألّا يسمح بأن يتحوّل جسده إلى الثمن الذي يدفعه مرّة أخرى من أجل حقّ كان يفترض أن يكون مضمونًا لجميع التونسيين.