ليست أزمة الوساطة في تونس مجرّد أزمة ثقة بين المواطن والأحزاب، ولا نتيجة طبيعية لتراجع شعبية النقابات والمنظّمات والجمعيات. إنّها أزمة أعمق تمسّ العلاقة بين الدولة والمجتمع، وتطرح سؤالًا جوهريًا: من يملك حقّ التّعبير عن المجتمع وتنظيم مصالحه والدّفاع عنها والتّفاوض بشأنها؟ وهل يمكن أن تقوم حياة سياسية ديمقراطية دون مؤسّسات وسيطة مستقلّة وفاعلة؟

منذ 25 جويلية 2021، اتخذت هذه الأزمة طابعًا سياسيًا وبنيويًا واضحًا. فمشروع الحكم الذي أرساه قيس سعيد يقوم، في أحد مرتكزاته، على تجاوز الأحزاب والمنظّمات والهيئات الوسيطة، وتقديم علاقة مباشرة ومفترضة بين رئيس الجمهورية والشّعب بوصفها أساسًا للشرعية والتّمثيل. ووفق هذا التصوّر، تبدو الأجسام الوسيطة أقرب إلى عوائق تعترض الإرادة الشّعبية منها إلى مؤسّسات ضرورية لتنظيم الحياة العامّة والتّعبير عن تنوّع المصالح والاختيارات.

قد يبدو هذا الخطاب جذّابًا في مجتمع سئم المناورات الحزبية وفقد الثّقة في مؤسّسات لم تفِ بوعودها. لكنّ السّؤال الذي يتجاهله هو: كيف يتحوّل صوت المواطن الفردي إلى قوّة قادرة على التّأثير في القرار؟ ومن ينظّم مطالب العمّال والموظّفين والفلّاحين والطّلبة والجهات المهمّشة؟ ومن يراقب السّلطة حين تنفرد بتحديد الأولويات واتّخاذ القرارات؟

إنّ العلاقة المباشرة بين الحاكم والمحكوم ليست ضمانة للدّيمقراطية؛ فقد تتحوّل إلى مدخل لإضعاف المجتمع حين تُستخدم لتجاوز المؤسّسات التي تمنحه القدرة على التّنظيم والتّعبير والمساءلة. فالشّعب ليس كتلة متجانسة ذات صوت واحد، بل مجتمع متعدّد المصالح والتصوّرات والانتماءات، يحتاج إلى فضاءات حرّة تُدير اختلافاته وتحوّلها إلى قوّة مُنتجة للحياة العامّة.

وهنا تكمن المفارقة: مشروع تجاوز الأجسام الوسيطة يَعِد بإعادة السّلطة إلى الشّعب، لكنّه يُضْعِف الأدوات التي تُمَكّن الشّعب من ممارسة سلطته بصورة جماعية ومنظّمة. وقد تجسّد ذلك في التحوّلات الدستورية والمؤسّسية والانتخابية التي أعقبت 25جويلية، وفي تركيز السّلطات وتراجع مراكز التّأثير والمساءلة. كما وثّقت تقارير حقوقية تصاعد الضّغوط على جمعيات مستقلّة، شملت التّحقيقات والتتبّعات وتعليق الأنشطة والقيود الإدارية والمالية، بما ضيّق مجال المشاركة المدنية المستقلّة.

لكنّ تفسير الأزمة بالضّغوط الخارجية وحدها لا يكفي. فالأجسام الوسيطة تواجه أيضًا خطر التّآكل من الدّاخل، بفعل نخب سياسية استنفدت أطروحاتها، ووجوه اعتادت إعادة تدوير الخطاب نفسه مهما تغيّرت الوقائع، وأشباه محلّلين يقدّمون قراءات تبدو أحيانًا أقرب إلى أداء مهامّ محدّدة سلفًا منها إلى محاولة فهم الواقع. ليس العيب أنْ يخطئ المُحلّل، بل أن يصرّ على أطروحات ثبت قصورها، وأنْ تُسَخّر الوقائع لتبرير استنتاجات جاهزة بدل مُراجعة أدواته وتقديراته.

وتبرز في هذا السّياق ظاهرة يمكن أنْ نسميها، مجازًا، «التّقيّة»: أي إخفاء المقاصد الأيديولوجية خلف واجهات مدنية أو ثقافية أو حقوقية أو إعلامية، مع السّعي إلى التّغلغل داخل الأحزاب والمنظّمات ووسائل الإعلام والفضاء الثّقافي للتّأثير في أجنداتها وخطاباتها، دون كشف واضح عن طبيعة المشروع الذي تتحرّك في خدمته.

ولا يتعلّق الأمر هنا باتّهام كلّ اختلاف فكري أو نشاط داخل المؤسّسات بالتَخَفّي؛ فالتعدّد حقّ، والتّنافس الفكري مشروع. إنّما موضع الإشكال هو تحويل الفضاءات المشتركة إلى أدوات لتمرير مشروع مذهبي أو أيديولوجي مغلق، يتخفّى وراء شعارات المدنية والاستقلالية، بينما يسعى إلى احتكار تعريف المجتمع وتحديد ما يجوز له التفكير فيه والتعبير عنه.

فالخطر ليس في وجود تيّارات فكرية تتنافس على التّأثير، بل في أن يتحوّل التّنافس إلى تغلغل مستتر، وأن تصبح المؤسّسات ساحات للفرز والإقصاء بدل أنْ تكون فضاءات للتعدّد والحوار. وإذا اتّسعت موجة التّمذهب هذه، فإنّها لن تنتج إلّا مزيدًا من التّشظّي، لأنّها تنقل المعركة من مجال الأفكار والبرامج والمصالح إلى مجال التّصنيف والولاء والوَصْمِ. ولا يمكن مواجهة التّمذهب بإنتاج تمذهب مضادّ، أو حماية الديمقراطية بممارسات تناقض جوهرها؛ بل بالشّفافية والمساءلة واحترام استقلال المؤسّسات وإخضاع الأفكار للنّقاش والحجّة.

وفي المقابل، لا يعني الدّفاع عن استقلال الأحزاب والنّقابات والجمعيات إعفاءها من مسؤولية أخطائها. فقد عرفت الحياة الحزبية تشتّتًا وصراعات داخلية وشخصنة للقيادة، وعجزت مؤسّسات عديدة عن تجديد نُخبها وخِطابها والاستجابة لتحوّلات المجتمع. كما تراجعت الثّقة في بعض المنظّمات بسبب الحسابات الفئوية والابتعاد عن مشاغل المواطنين.

لكن ثمّة فرقًا جوهريًا بين أنْ يحاسِب المجتمعُ مؤسّسة بسبب إخفاقها، وبين أنْ تُحاصِر السّلطة هذه المؤسّسة وتنتزع منها أدوات الفعل والتّأثير. النّقد يفترض الاعتراف بحقّها في الوجود والعمل، أمّا الإقصاء فيستهدف هذا الحقّ نفسه. وضعف الأحزاب لا يعالج بإلغاء السّياسة، وفشل بعض المنظّمات لا يُبَرِّر إغلاقَ المجال أمام العمل المدني والنّقابي.

إنّ أخطر ما في إضعاف الأجسام الوسيطة ليس فقدانها نفوذها فحسب، بل أن المجتمع يفقد معها أدواته الجماعية للدّفاع عن مصالحه. فالعامل الذي لا يجد نقابة مستقلّة، والمواطن الذي لا يجد جمعية تترافع عن حقوقه، والنّاخب الذي لا يجد حزبًا يعبّر عن اختياراته، لا يصبحون بالضّرورة أكثر استقلالية؛ بل قد يجدون أنفسهم أكثر عزلة وأقلّ قدرة على التّأثير.

وحين تضعف هذه الوسائط، لا يصبح الشّعب بالضّرورة أقرب إلى السّلطة، بل قد يصبح أبعد عن القرار. فالمطالب التي لا تجد من ينظّمها تتحوّل إلى احتجاجات متفرّقة، والمظالم التي لا تجد من يتبنّاها تصبح غضبًا مكتومًا، والاختلافات التي لا تجد فضاءات للتّعبير قد تنزلق إلى الاستقطاب أو اللّامبالاة.

لذلك، لا يتعلّق الرّهان باستعادة منظومة سياسية سابقة بكلّ عيوبها، ولا بالدّفاع عن امتيازات نُخَبٍ حزبية ونقابية وحقوقية، بل بالتّمييز بين رفض احتكار التّمثيل ورفض مبدأ التّمثيل نفسه. فالديمقراطية لا تعني أنْ يتحدّث كلّ فرد بمفرده، وإنّما أنْ يمتلك المواطنون حقّ تأسيس تنظيمات تعبّر عن مصالحهم، وأنْ يحاسبوها ويغيّروا قياداتها ويختاروا من يمثّلهم بكلّ حرّية.

إنّ إعادة بناء الوساطة تقتضي استعادة شروط العمل السّياسي والمدني الحرّ، وضمان حرّية التّنظيم والتّعبير والتّظاهر، وحماية استقلال القضاء، واحترام حقّ الأحزاب والجمعيات والنّقابات في ممارسة أدوارها. كما تقتضي من هذه المؤسّسات مراجعة أدائها وتجديد قياداتها وتوسيع المشاركة داخلها، واعتماد الشفافية والمساءلة، حتى لا تتحوّل بدورها إلى هياكل مغلقة أو أدوات لخدمة مصالح ضيّقة أو مشاريع أيديولوجية مستترة.

تونس لا تحتاج إلى دولة بلا مجتمع، ولا إلى مجتمع بلا تنظيم، ولا إلى سلطة تدّعي تمثيل الجميع فيما تُضعف المؤسّسات التي تتيح لهم التّعبير عن اختلافهم. إنّها تحتاج إلى دولة قويّة بمؤسّساتها، ومجتمع قويّ بتنظيماته المستقلّة، وسياسة تعترف بأنّ التعدّد ليس خطرًا على الوحدة الوطنية، بل شرط من شروطها.

إنّ استعادة الوساطة ليست مطلبًا فئويًا للأحزاب والنّقابات والجمعيات، ولا محاولة لإعادة عقارب السّاعة إلى الوراء؛ إنّها معركة من أجل استعادة المجتمع قدرته على تنظيم نفسه، وألّا يبقى المواطن وحيدًا أمام سلطة تحتكر القرار، أو أمام نُخَب تحتكر التّمثيل، أو أمام مشاريع تتخفّى وراء واجهات لا تعكس حقيقة مقاصدها.

فحين تُنتزع من المجتمع وسائطه لا يصبح أكثر سيادة، بل أقلّ قدرة على ممارسة سيادته. وحين تُفرّغ هذه الوسائط من استقلالها ووظيفتها، من خارجها أو من داخلها، يفقد المجتمع أدواته للحديث عن نفسه والتّأثير في مصيره.

تلك هي أزمة الوساطة في تونس: ليست أزمة من يتحدّث باسم المجتمع فحسب، بل أزمة مجتمع يُراد له أنْ يفقد الأدوات التي تمكّنه من الحديث عن نفسه.