يقفز إلى الواجهة من حين إلى آخر الجدل حول واقع اليسار التونسي وخيباته السياسية المتتالية؛ سواء في مرحلة الديمقراطية وفشله في جل المحطات الانتخابية البرلمانية والبلدية في الحصول على تمثيلية وازنة تجعله مؤثراً في المشهد السياسي والمدني، أو بعد أن أغلق قوس الديمقراطية من خلال مواقفه المترددة والمتضاربة من 25 جويلية 2021 وإعلان التدابير الاستثنائية وانطلاق المسار الذي انتهى إلى إقرار واقع دستوري ومؤسساتي غير ذلك الذي جرت عليه الأمور قبل هذا التاريخ.

أكيد أن في هذا الرأي شيئاً من التعميم والعُسف، فاليسار التونسي متعدد وليس كتلة موحدة متراصة ومنسجمة، وقد انقسمت الآراء حول ما حدث في هذا التاريخ داخل كل العائلات السياسية بما فيها اليسارية؛ غير أن الموقف الغالب في أوساط اليسار التونسي وللأسف كان الترحيب بحدث 25 جويلية وتوابعه، وإن بدأ الموقف يتغير الآن في اتجاه السلب.

لذلك تتالى الدعوات داخل أوساط اليسار إلى المراجعة والتخلي عن الثقة المفرطة التي وضعت في الاختيارات التي قام عليها مشروع اليسار، وتغيير المقاربات التي اعتمدت في تشخيص واقع البلاد وترتيب أولويات الممارسة السياسية، حتى تكون منسجمة مع مطالب الديمقراطية والتعددية السياسية التي هي شاغل جلّ الفاعلين السياسيين.

لكن في رأينا، لن يكون اليسار قادراً على إعادة بناء الثقة بينه ومكونات الحركة الديمقراطية إلا بتوفر عنصرين أساسيين:


أولاً: مراجعة عميقة للمرجعيات العقائدية التي شكلت نواة فكر اليسار، والتي تتلخص في فكرتي الثورة وإقامة نظام اشتراكي شمولي مستوحى من النموذج اللينيني والستاليني والماوي.

ثانياً: تبني سياسات الاشتراكية الديمقراطية الإصلاحية، والتخلي عن الأحلام الثورية في قلب نظام المجتمع وإرساء عالم جديد غير ذاك الذي نعيش فيه.

وسنركز هنا على الجانب الأول ونرجئ الجانب الثاني  لمقال قادم

جذور الشمولية في الفكر اليساري

لقد تشكّلت غالبية الفصائل اليسارية العربية والتونسية (خاصة الحركات الماركسية اللينينية في الستينيات والسبعينيات، مثل "آفاق" ثم "العامل التونسي" و"الشعلة") تحت تأثير مباشر للنماذج الشمولية؛ حيث ساد الانبهار بالثورة الروسية والتجربة السوفيتية، ثم تجربة الحزب الشيوعي الصيني والثورة الثقافية الصينية، والتصلب الذي عرفته الشيوعية في ألبانيا. لذلك كان مشروع اليسار من بدايته ثورياً قائماً على العداء لرأس المال واعتناق نظرية الصراع الطبقي، حيث أُعتبر كل نشاط اقتصادي خاص أو رأس مال محلي مرتبطاً بالدوائر الرأسمالية العالمية والإمبريالية بشكل مباشر أو غير مباشر، ما يبرر الصراع ضده دفاعاً عن العمال والمضطهدين ضد البرجوازية الطفيلية التي تستغلهم، واستكمالاً أيضاً لمهام التحرر الوطني وتحقيق سيادة البلاد واستقلالها.

هذا التصور للسياسة -باعتبارها حرباً طبقية تخاض بكل الأدوات الفكرية والثقافية والسياسية والعسكرية- رسّخ الاعتقاد بأن الحزب الذي يدير هذه المعركة ينبغي أن يكون "الطليعة الثورية" القائدة للطبقة العاملة، وهو ما يلغي كل مجال للحوار والتعددية السياسية، ليصبح من يخالف خط الحزب في خانة "الأعداء الطبقيين". وقد شخّص الفلاسفة وعلماء السياسة هذا التصور بأنه شمولي يؤسس لراديكالية على صعيد الفعل السياسي.

مفهوم الشمولية وتمددها

ونجد لدى السياسي والمثقف التونسي أحمد نجيب الشابي في ص. 296 من كتابه "المسيرة والمسار" تعريفاً للشمولية (Totalitarisme) نراه واضحاً ودقيقاً:"الشمولية واحدة من أنظمة الحكم الثلاثة في العالم إلى جانب الديمقراطية والاستبداد. وتتميز الشمولية بأنها تذهب إلى أبعد من مراقبة أنشطة الفرد في الحقل العام لتتدخل في الفضاء الشخصي عن طريق الإكراه. وتعمل على فرض أيديولوجيا ملزمة، يُعتبر الخارج عنها عدوّاً للأمة. ومن خصائص الشمولية المتفق عليها، احتكار الحقيقة المُطلقة التي لا تحتمل الشك أو النقد وإلزام الجميع بها في حياتهم العامة والخاصة على حدّ السواء."

وقد عرفت فترة ما بين الحربين العالميتين صعوداً قوياً في أوروبا لأحزاب وتنظيمات تتبنى الشمولية نظاماً للحكم في شكلها الفاشي والنازي في إيطاليا وألمانيا، وفي شكلها الشيوعي اللينيني والستاليني السوفياتي في روسيا. ولئن عرفت نهاية الحرب العالمية الثانية اندحار النظامين الشموليين النازي والفاشي، فقد شهدت أيضاً توطد أركان الشمولية في الاتحاد السوفياتي وفي شرق أوروبا، وانتصار الثورة الصينية وإقامة نظام شيوعي شمولي في الصين.

وفي فرنسا، تعزز رصيد الشمولية من خلال تنامي شعبية الحزب الشيوعي الفرنسي مستفيداً من مشاركته في مقاومة الاحتلال النازي لفرنسا، ومن مشاركة الاتحاد السوفياتي في إسقاط النازية وتخليص أوروبا من خطرها. وقد كان انتشار الشيوعية في صفوف المثقفين وفي النقابات ومنظمات المجتمع المدني قوياً وكاسحاً إلى حدّ جعل عالم السياسة مارك لزار (Marc Lazar) يتحدث في كتابه (Communisme: une passion française) عن "شغف الشيوعية" لدى الجمهور المتعلم الفرنسي في أشكالها المتطرفة، من سوفياتية وستالينية وماوية صينية وتروتسكية.

غياب "اللحظة المعادية للشمولية" في تونس

تونس أيضاً أُبتلي فيها المثقفون - وعلى وجه الخصوص الحائزين منهم على تعليم جامعي في فرنسا وفي تونس - بالشيوعية، ذلك الشغف الفرنسي. لكن خلافا لفرنسا التي عرفت منابرها وساحاتها الفكرية والثقافية اتجاهات مناهضة للشيوعية والشمولية وجدلاً عاماً صاخباً جسّد ما سمّاه الدارسون "لحظة معادية للشمولية"، لم تعرف تونس مثل هذه اللحظة التي كان يمكن أن تحدث رجة داخل الثقافة العامة للمجتمع من شأنها أن تحمل اليسار على مراجعة أسس مرجعياته الفكرية والعقائدية.

يكفي هنا أن نذكر أن هذه اللحظة المعادية للشمولية تبلورت في فرنسا في فترات متتالية:


المحطة الأولى (سنة 1947): مع صدور النسخة الفرنسية لكتاب "اخترت الحرية" لفيكتور كرافتشينكو (Kravchenko)، المسؤول السوفياتي الرفيع الذي انشق سنة 1944 ولجأ إلى الولايات المتحدة الأمريكية، وقد عرض فيه على أنظار العالم وقائع التجميع القسري للأراضي في الاتحاد السوفياتي وتجريد الفلاحين من ممتلكاتهم والمجاعة والتطهير العرقي والمحتشدات، وقد انقسم المثقفون ذاك الوقت بين مؤيد ومعارض له.

المحطة الثانية (سنة 1973): تمثلت في صدور كتاب المنشق السوفياتي سولجنيتسين (Soljenitsyne)  "أرخبيل الغولاغ". فقد كانت الساحة الفكرية والأكاديمية ذاك الوقت في فرنسا تحت سيطرة اليسار الراديكالي والحزب الشيوعي الفرنسي. وعلى الرغم من صدور كتاب كرافتشينكو بالفرنسية والجدل الذي أثاره وصدور تقرير خروتشوف عام 1956 الذي عزز روايته، ظل أغلب المثقفين اليساريين الفرنسيين يتغاضون عن مآسي التجربة السوفياتية أو يعتبرونها مجرد أخطاء شخصية لستالين لا خللاً متأصلاً في الفكر الشيوعي ذاته. وقد قدّم سولجنيتسين شهادات موثقة لمئات المعتقلين مبيّناً أن نظام معتقلات السخرة (الغولاغ) لم يكن مجرد تجاوز هامشي، بل ركيزة أساسية قامت عليها الدولة السوفيتية منذ عهد لينين، مبرزاً أن قمع المعارضة وإنشاء المعتقلات قد لازما القوانين والقرارات منذ المرحلة الأولى للثورة البلشفية.

المحطة الثالثة (أعوام 1995 و1997): عرفها الفكر الفرنسي إبان صدور كتابي "ماضي وهم" سنة 1995 للمؤرخ الفرنسي فرنسوا فوري، و"الكتاب الأسود للشيوعية" سنة 1997 لمجموعة من الباحثين في التاريخ المعاصر حرّروا الكتاب بعد أن فتحت مخازن الوثائق أمام الباحثين والدارسين بعد انهيار المنظومة الشيوعية. ولئن هيّأت الفترة الأولى والثانية المناخ الفكري المناسب لاستقبال مؤلفات فلاسفة مثل كارل بوبر  Popper وحنة أرندت Arendt حول الشمولية وجلبت الانتباه أيضاً إلى أهمية دراسات أرون  Aron للظاهرة الشمولية وتحوّلاتها، كانت الفترة الأخيرة ذات أهمية خاصة في إبراز الوقائع العنيدة والصادمة للتاريخ؛ حيث قدّرت الدراسات المدرجة في هذا الكتاب عدد ضحايا الشيوعية ما بين 85 و100 مليون، وهو ما يفوق كثيراً عدد ضحايا النازية والفاشية (12 مليون نسمة).

وبطبيعة الحال، هذه اللحظة الفكرية المناهضة للشمولية التي عرفتها فرنسا في مختلف الفترات التي أوردنا ذكرها ظلت بعيدة عن أفق تفكير أو اهتمام اليسار التونسي؛ فلم نقرأ لا في الصحافة ولا في الإعلام ولا في الكتب التي نشرها شيوعيون سابقون هجروا العقيدة الشيوعية بعد سقوطها وتحولوا إلى حقل النضال الحقوقي أي حديث عن الشيوعية أو نقد لها، أو ما يشي بإحساس بالمسؤولية تجاه جرائمها، ولا شعور بالذنب باعتناق عقيدتها والترويج لها ضمن الطلبة والناشئة.

فالأمر كله عبارة عن صفحة وطويت وقوس وأغلق ووضعت ضمن مدارج النسيان. لكن، ألا يطرح ذلك مسؤولية أخلاقية للمثقفين تجاه الماضي والفكر الذي كان سبباً في مآسيه؟

سؤال الاشتراكية الديمقراطية

تبدو مراجعة اليسار لمرجعياته العقائدية والتنظيمية نقطة جوهرية ومصيرية، خاصة بعد القطيعة المعنوية والسياسية مع الشمولية والتباين الصريح مع مشاريعها المجتمعية. إن هذا التحول الفكري ينطوي على انحياز مبدئي ومحوري لحقوق الإنسان بمفهومها الشامل، ولحرية الفرد في استقلاليته وتدبيره الذاتي، وحقه الأصيل في اختيار من يحكمه بطرق ديمقراطية شفافة، فضلاً عن ضمان نصيب عادل ومُنصف من الثروات التي ينتجها بلده. وهو ما يفرض بالتالي تبنياً واضحاً وصريحاً لفكر الاشتراكية الديمقراطية وسياساتها الإصلاحية، كخيار عقلاني يوازن بين حرية الفرد وعدالة التوزيع.

انهيار الاتحاد السوفياتي والهروب نحو "الأمان الرأسمالي"

بعد انهيار الاتحاد السوفياتي وتفكك المنظومة الشيوعية في أوروبا الشرقية، شهد الفكر اليساري تحولا سياسياً وإيديولوجياً غير مسبوق؛ حيث تحولت عديد من الأحزاب الشيوعية — كالحزب الشيوعي الإيطالي والفرنسي وصولاً إلى التونسي — بصيغة أو بأخرى إلى "الاشتراكية الديمقراطية". وتخلت تدريجياً عن الشعارات الماركسية الكلاسيكية، مثل الإطاحة بالنظام الرأسمالي، وإقامة ديكتاتورية البروليتاريا، وإشعال فتيل الحرب الطبقية. وقبلت بدلاً من ذلك بالعمل وفق قواعد الديمقراطية التمثيلية الحديثة، والتكيف مع اقتصاد السوق الاجتماعي، مكتفية بالنضال الإصلاحي والتراكمي من داخل البنية الدستورية للنظام الرأسمالي لتحسين الأوضاع المادية والمعنوية للطبقة العاملة وللفئات الهشة.

ورغم أن النخب الماركسية روجت آنذاك لفكرة مفادها أن سقوط الشيوعية البيروقراطية لا يعني إطلاقاً فقدان الأدوات الماركسية وجاهتها التحليلية في نقد تناقضات الرأسمالية وفي تحفيز النضال من أجل العدالة الاجتماعية، إلا أن هذا الرأي يتغاضى عن حقيقة تاريخية هامة، وهي أن العدالة الاجتماعية قد غادرت المركب الماركسي الثوري منذ زمن بعيد. فقد أدركت الشعوب والمجتمعات أن رهن تحقق العدالة والرفاه بإسقاط النظام الرأسمالي بالكامل يحمل كلفة إنسانية واقتصادية باهظة ونتائج غير مضمونة، فخيرت الاستقرار داخل مركب الاشتراكية الديمقراطية، بوصفه البديل الأكثر أماناً وواقعية وقدرة على التطبيق.

وداع اليوتوبيا: صدق توقعات بوبر

يستند هذا التحول البراغماتي إلى جملة من الحجج الفلسفية والتاريخية؛ يبرز في مقدمتها الموقف الفكري الذي صاغه المؤرخ الفرنسي فرنسوا فوري في كتابه "ماضي وهم"، ومفاده أنه: "حُكم علينا، فيما يبدو، أن نعيش في العالم الذي نحيا فيه". وهي مقولة تختزل حتمية توديع الأحلام اليوتوبية بعالم آخر غامض المعالم، والتركيز بدلاً من ذلك على النضال من أجل تحسين شروط العيش اليومية وتجويد المؤسسات القائمة داخل هذا العالم الفعلي.

وتتكامل هذه الرؤية مع التحذير الصارم الذي قدمه الفيلسوف كارل بوبر في مؤلفه "عقم المذهب التاريخي" (1957)، حيث نبه إلى خطورة تحول الحلم الإنساني بالعدالة المطلقة إلى نبوءة تاريخية خلاصية تدعي امتلاك الحقيقة كاملة. فنحن جزء لا يتجزأ من هذا العالم، ومعارفنا البشرية تؤثر باستمرار في مسار تطوره وتتأثر به، ولا يمكننا ادعاء القدرة على التنبؤ الحتمي بمستقبله لأن معارفنا ناقصة ومتطورة باستمرار ولا تمدنا بوعي شامل أو نهائي. ورأى بوبر أن الإصرار على فرض التنبؤات التاريخية الشاملة على الواقع ينتهي حتماً بتكريس النزعات الشمولية والاستبداد السياسي الذي يطوع الإنسان والمجتمع قسراً وبشعارات براقة لخدمة يوتوبيا متخيلة.

جدل الثروة: بين عفوية السوق وتدخل الدولة

على صعيد النظرية الاقتصادية وصياغة السياسات العامة، برز اتجاهان رئيسيان في تفسير العدالة وكيفية تحقيقها داخل البناء الاقتصادي. دافع الاقتصادي الأمريكي جون بيتس كلارك (John Bates Clark) في كتابه  "توزيع الثروة" (1899) عن قدرة النظام الرأسمالي الحر على تحقيق العدالة التوزيعية بشكل ذاتي وتلقائي. وجادل بأن قوى المنافسة في السوق تضمن حصول كل عنصر من عناصر الإنتاج (وخاصة العامل) على نصيب يعادل تماماً قيمة إنتاجيته الحديّة (Productivité marginale). وبناءً على هذه المنظومة، اعتبر أن التطور والرخاء الصناعي يوزعان الثروة طبيعياً وبشكل عادل، وأن أي خلل أو تفاوت يمكن معالجته عبر منع الاحتكار وتعزيز حرية المنافسة داخل السوق دون الحاجة إلى إلغاء الملكية الفردية، فالعدالة عنده تتحقق في لحظة الإنتاج ذاتها ولا تتطلب التدخل لإعادة التوزيع.

في المقابل، رفضت مدرسة "اقتصاد الرفاه" بقيادة أرثربيغو (Arthur Pigou) هذه الرؤية المتفائلة للسوق الحر، وأكدت قصور آليات السوق المجردة عن تحقيق الرفاهية الاجتماعية الكلية. واستناداً إلى نظرية "تناقص المنفعة الحديّة للدخل"، دافع بيغو عن التوزيع الضرائبي، موضحاً أن اقتطاع دولار واحد من الثري (حيث تكون منفعته الحدية منه منخفضة جداً بسبب التخمة والوفرة) وإعادة ضخه لصالح الفقير (حيث تكون منفعته الحديّة مرتفعة لسدّ احتياجاته الأساسية) يؤدي تلقائياً إلى رفع "المنفعة الكليّة المجمّعة" للمجتمع. وبذلك، أصبحت فكرة تعديل نتائج السوق عبر إعادة التوزيع والضرائب التصاعدية وتوفير المرافق الخدمات العامة هي الركيزة الأساسية التي اعتمدها الاشتراكيون الإصلاحيون واقتصاديو دولة الرفاه.

الانعطافة الألمانية: من راديكالية "إيرفورت" إلى واقعية "باد غودسبرغ"

بينما اعتبرت الماركسية الأرثوذكسية أن إنجاز العدالة الاجتماعية في ظل المنظومة الرأسمالية يعد مجرد وهم تستوجب إزالته بالإطاحة بالمنظومة كاملة، أثبتت الاشتراكية الديمقراطية الأوروبية والليبرالية الاجتماعية الأمريكية إمكانية بناء نموذج اجتماعي عادل ومستقر داخل الإطار الرأسمالي ذاته بالاستناد إلى نظريات كلارك وبيغو. غير أن الاشتراكية الديمقراطية الألمانية لم تبلغ هذا النضج وتتخلى عن الحمولات الطوباوية إلا عبر مخاض تاريخي طويل امتد حتى أواخر الخمسينات من القرن الماضي.

فرغم من أن الحزب الاشتراكي الديمقراطي الألماني (SPD) تبنى الماركسية رسميا في "مؤتمر إيرفورت" عام 1891، إلا أن المفكر إدوارد برنشتاين قاد مبكراً تياراً "مراجِعاً" رأى إمكانية التخلي عن الثورة وتحقيق مصالح الطبقة العاملة سلمياً وديموقراطياً عبر صناديق الاقتراع والعمل التشريعي. وبعد الحرب العالمية الأولى وانشقاق الجناح الثوري (السبارتاكيين)، تمسكت قيادة الحزب بالمسار الديمقراطي وساندت تجربة "جمهورية فايمر" الديمقراطية. وجاءت المحطة التاريخية الحاسمة في عام 1959 خلال مؤتمر "باد غودسبرغ"، حيث أسقط الحزب الماركسية رسمياً من مرجعياته العقائدية، وتخلى عن مقولات "الصراع الطبقي" وتأميم وسائل الإنتاج، متصالحاً مع الرأسمالية بهدف تنظيمها وضبطها عبر الضرائب التصاعدية وإعادة التوزيع وبناء دولة الرفاه. وبذلك أنهى الحزب حالة الازدواجية التاريخية بين الخطاب الثوري الراديكالي والممارسة الإصلاحية البراغماتية.

المأزق التونسي: يسار نخبوي غارق في أدبيات الماضي

في المقابل، ولدت الاشتراكية الديمقراطية في تونس منتصف السبعينات وبداية الثمانينات كسيحة وضعيفة؛ حيث نشأت في ظل هيمنة واستبداد الحزب الاشتراكي الدستوري بالسلطة والحكم المطلق للرئيس حبيب بورقيبة، وافتقرت من ثمّ للعمق الجماهيري والامتداد النقابي الصلب الذي ميز مسيرة الأحزاب الاشتراكية الديمقراطية في أوروبا. وقد جسد هذا التيار التونسي حزبان رئيسيان انشقا أساساً عن الحزب الحاكم احتجاجاً على انغلاق الفضاء السياسي وغياب الديمقراطية الداخلية: "حركة الاشتراكيين الديمقراطيين" بقيادة أحمد المستيري، وحزب "الوحدة الشعبية" بقيادة أحمد بن صالح (ثم انشقاق محمد بالحاج عمر). ورغم نجاح هذين الحزبين في وضع الحرية السياسية والمطالب الحقوقية في صدارة أجندتهما، إلا أنهما لم يقدما مشروعاً اقتصادياً أو تنموياً يتباين جوهرياً وبشكل حازمً عن السياسات الرسمية للدولة في تلك الفترة. أما من جهة اليسار المتباين أيديولوجيا مع الحزب الحاكم، فقد مثل "حزب التجمع الديمقراطي" بقيادة أحمد نيب الشابي في الثمانينات محاولة فكرية لتقريب الفكرة الاشتراكية من الثقافة الديمقراطية، لكن هذه التجربة عابها الاستغراق في النخبوية والرفض الصارم الذي واجهتها به فصائل اليسار الراديكالي والماركسي التقليدي.

إن المعضلة الحقيقية تكمن في أن اليسار التونسي بمختلف أطيافه لم يستغل اللحظة التاريخية المفصلية المتمثلة في انهيار المنظومة الشيوعية للقيام بمراجعات نقدية جوهرية وشجاعة. لقد أخفق هذا اليسار في التخلي عن النزعات الشمولية الكامنة، وفي الدفاع عن حقوق الإنسان بمفهومها الكوني دون تجزئة، وفي تبني مقومات اقتصاد السوق الحر القائم على خلق الثروة وتحفيز الابتكار والنمو، وفي التصدّي الفعلي لمعوقات التنمية المتمثلة في الاحتكار واقتصاد الريع والزبونية السياسية. وبدلاً من التصالح البناء مع عالم المؤسسات الاقتصادية الحديثة والمبادرة الفردية الحرة ورأس المال الوطني — كما فعلت الاشتراكية الديمقراطية العالمية — ظل اليسار التونسي في معظمه أسيراً لعدائه التاريخي التقليدي للرأسمالية، وغارقاً في أدبيات الماضي وأحلامه بعالم خيالي خلوٍ من توازنات السوق وقوانين الاقتصاد.

https://shorturl.at/yqeG7

https://shorturl.at/dAOwu