أولًا: مسار الحركة ومسار تونس
مرت حركة النهضة بأطوار متعددة منذ تأسيسها كاتجاه إسلامي زمن بورقيبة، وتحوّلها إلى حزب سياسي اسمه حركة النهضة زمن بن علي، ثم إلى المشاركة في حركة ثورية حقوقية تعددية مع حركة 18 أكتوبر، انتهاءً بالمشاركة في الثورة التي أطاحت بزين العابدين بن علي وتوليها الحكم في فترات متقطعة في عشرية الثورة. لم تكن كل تلك التحولات التي شهدتها الحركة معزولة عن قانون الحركة الديناميكية للتطور الاجتماعي ومخاضاته في تونس، ولا عن قانون حركة التاريخ وسننه في تونس والمغرب الكبير والوطن العربي والنظام العالمي.
وفي كل مرة أثرت الحركة في واقعها الاجتماعي والاقتصادي والسياسي والثقافي وتأثرت به، فانضافت إلى هويتها وملكاتها الحركية هويات وخبرات جديدة، ومضت في هوية حداثية من أجل الإنسان إنسان التكريم والاستخلاف، ووحدة البشرية ضد ما اعتبرته حداثة الإنسان المغتربة المرتدة ضد الإنسان. وسقطت عن النهضة خلال مسيرتها سلوكيات وتصورات لم تعد ملائمة لتطورات الوطن في تونس والوطن العربي والأمة الإسلامية، ولا مواكبة للتحولات العالمية وحروبها ونزاعاتها وارتداداتها.
كل الظواهر كانت لها تحولاتها وقانونها في التطوير.
تولت حركة النهضة الحكم بقاعدة اجتماعية وانتخابية عريضة ومريحة مع نظراء علمانيين لها في الترويكا، ومارست الخطأ والتجريب كما كل الحكومات العربية والليبرالية والبرجوازية الطرفية، وانفرط من بين يدي جاهزيتها وخبراتها التنظيمية والتاريخية خيطُ الإحاطة بمتطلبات تحويل الثورة إلى الدولة ومؤسساتها ومفاعيلها، فتآكلت تدريجيًا قاعدتها الانتخابية، واهتزت قاعدتها الاجتماعية، وتراجع حلمها وتمثلها لتطلعات شعبها للتغييرات السعيدة للإسلام الوطني والرسالي والحضاري.
وتراجع سقف انتظاراتها نحو التسويات التوافقية ليس من أجل الثورة في الدولة، ولا من أجل الموضعة التدريجية لمشروعها الوطني، بل من أجل المحافظة على وجودها الحزبي والتنظيمي وتمثيليتها، ولو بين التمثلات الارتجاعية للنظام القديم. وقدمت من أجل ذلك تنازلات دراماتيكية من الخروج من الحكم إلى مسايرة نمط تنموي مشوّه وتقليدي لا يشبع ولا يشبه مشروع البديل الذي بشرت به الحركة شعبها منذ سبعينات القرن الماضي.
وتسلل الارتباك السياسي وترددات زلزاله الارتجاعي إلى الداخل التنظيمي للحركة، في شكل تشققات خجولة وحادة، ونزاعات ساخطة، بعد انقلاب مصر وتنمره، وانقلاب الاتحاد والنقابات، الأمنية والإعلامية، ومجاميع اليسار الدستوري الوظيفي على دولة الثورة.
ثم جاء انقلاب 25 جويلية ليقلب الطاولة لصالح النظام القديم البيروقراطي البوليسي والدكتاتوري لعقود بورقيبة وبن علي، ويعيد ساعة حركة النهضة إلى الصفر. أغلب قيادات الصف الأول والصف الثاني في السجون والمنافي تمامًا كما كانت الحال قبل الثورة زمن بن علي وبورقيبة.
واقع تونسي يمزقه الفقر والرعب والتفكك والعجز والفرقة وتخلف الوعي التاريخي. ووضع إقليمي مغاربي متخاصم ومضطرب، وواقع عربي متلاطم بين احتلال استيطاني غاشم لغزة وفلسطين، وموقف عربي مشلول ومنكفئ على تراتيب قطرية ومحلية، وحروب ضروس تهز العالم ومصالحه الاستراتيجية من إيران إلى أوكرانيا إلى فنزويلا وما تبعها من حروب تجارية على المضائق والتبادل ورأس المال التجاري ورأس المال المالي.
ثانيًا: بلورة الإشكالية
هل في حركة النهضة، والحال هذه، نفس الممكنات والقدرة على متابعة التكيف مع التطورات الاجتماعية والوطنية والعالمية، وإعادة إنتاج تنظيمها ومشروعها وقاعدتها الاجتماعية والشعبية بنفس الروح الكفاحية المتدفقة عبر تاريخها؟ أم أن حركة النهضة بصيغتها القديمة قد انتهت وهي تغالب الرياح والعواصف والتطورات بغير أدواتها المغالبة للتحدي؟ وليس أمامها إلا ثلاثة خيارات:
• الاستسلام للصيرورة العفوية، ومواصلة مسيرتها بنفس التصورات والرؤى والجاهزيات التي أملكتها وأدت بها إلى الابتلاء والهزيمة ولو الجزئية.
• أن تعلن عن حل نفسها وتفكيك ممكناتها وقاعدتها ومشروعها، والانسحاب من معاركها النبيلة في تحرير الوطن وتحرير الشعب وتحرير الإنسان.
• أو أن الأمر يتطلب خيارًا ثالثًا وهو إعادة تأسيس مشروعها الوطني والتاريخي، والتشكل في كتلة تاريخية على أسس جديدة، ومعارف وتصورات استراتيجية جديدة، وجاهزية تنظيمية واجتماعية ووطنية جديدة تسترجع المبادرة وتمتلك ناصية السياسة والتكيف والصراع.
يمكن صياغة الإشكالية على نحو أعمق من السؤال التقليدي: هل انتهت حركة النهضة أم ما تزال قادرة على البقاء؟ فالسؤال الحقيقي هو: هل ما تزال الصيغة التاريخية والتنظيمية والفكرية التي أنتجت النهضة منذ السبعينات صالحة لإنتاج الفعل السياسي في تونس ما بعد 25 جويلية 2021، وفي عالم 2026؟
وقد يكون من الضروري هنا التمييز بين انتهاء صيغة تاريخية للنهضة وبين انتهاء النهضة باعتبارها تيارًا اجتماعيًا وثقافيًا وسياسيًا له امتداد في المجتمع التونسي. فالحركات قد تنتهي تنظيماتها بينما تستمر أفكارها وقواعدها الاجتماعية، وقد تبقى التنظيمات بينما تنتهي قدرتها التاريخية على إنتاج المعنى والمبادرة.
ثالثًا: التكيف ليس طارئًا على تاريخ النهضة
تاريخ النهضة نفسه يقدم حجة قوية على أن هويتها لم تكن جامدة. فقد انتقلت من الجماعة الإسلامية إلى حركة الاتجاه الإسلامي، ثم إلى حركة النهضة، ومن العمل الدعوي والحركي إلى الحزب السياسي، ومن المعارضة الراديكالية إلى المشاركة في ائتلافات عابرة للانقسام الإسلامي–العلماني. وكانت حركة 18 أكتوبر 2005 مثالًا مبكرًا على ذلك؛ إذ جمعت النهضة مع قوى علمانية ويسارية وحقوقية مختلفة في مواجهة نظام بن علي.
وهذا يعني أن التكيف ليس طارئًا على تاريخ النهضة، بل أحد عناصر تاريخها السياسي.
لكن التكيف التاريخي ليس مجرد تغيير في الخطاب؛ إنه علاقة جدلية بين الحركة وبيئتها. فالنهضة التي تشكلت في سبعينات القرن العشرين لم تكن هي نفسها نهضة الثمانينات، ونهضة المنافي في التسعينات لم تكن نهضة الثورة، ونهضة 2011 ليست نهضة ما بعد 2021. وفي كل مرحلة تغيرت الدولة والمجتمع والاقتصاد والإقليم والنظام الدولي، يتغير معها جزء من وعي الحركة بذاتها.
ويمكن قراءة هذه السيرورة بمنطق هيغلي–غرامشي: الحركة السياسية ليست جوهرًا مكتملًا يسافر عبر التاريخ، وإنما علاقة اجتماعية متحركة. إنها تعيد تعريف نفسها كلما تغيرت الكتلة الاجتماعية التي تتحدث باسمها، وكلما تغير خصومها وحلفاؤها وموقعها داخل الدولة والمجتمع. ولذلك فإن السؤال عن مستقبل النهضة لا يمكن حسمه انطلاقًا من نصوصها القديمة وحدها، وإنما من قدرتها على قراءة البنية الاجتماعية الجديدة لتونس.
رابعًا: 2011 — من مقاومة الدولة إلى إدارة الدولة
كانت سنة 2011 لحظة انتقال نوعي، لأنها نقلت النهضة من خبرة مقاومة الدولة إلى مسؤولية إدارة الدولة. وقد فازت في انتخابات المجلس الوطني التأسيسي بنحو 37% من الأصوات، ثم شكلت الترويكا مع المؤتمر من أجل الجمهورية والتكتل. وهذه النقلة كانت أعمق بكثير من مجرد الانتقال من المعارضة إلى الحكومة، لأنها استلزمت الانتقال من عقلية التنظيم إلى عقلية الدولة.
وهنا ظهرت إحدى المشكلات البنيوية الكبرى: رأس المال النضالي والرمزي للثورة لا يتحول آليًا إلى رأسمال الدولة. فالتنظيم الذي يعرف كيف يصمد أمام الاستبداد، ويحافظ على أعضائه وشبكاته وهويته، لا يعرف بالضرورة كيف يدير المالية العمومية والبنك المركزي والمؤسسات العمومية، والسياسة الصناعية والتعليم والصحة والأمن، والتنمية الجهوية والاستثمار.
ولذلك يمكن القول إن أحد الاختبارات الكبرى للنهضة بعد الثورة كان سؤالًا لم تستعد له بما يكفي: كيف تتحول الثورة إلى دولة؟
لقد امتلكت الحركة خبرة طويلة في السياسة والمعارضة والتنظيم، لكنها لم تكن تمتلك بالقدر نفسه نظرية متكاملة للدولة التونسية: جهازها البيروقراطي، اقتصادها السياسي، شبكات مصالحها، أجهزتها السيادية، علاقاتها الخارجية، مراكز النفوذ فيها، وحدود قدرة الحكومة المنتخبة على تغيير بنيتها.
وهنا يمكن التمييز بين ثلاثة مستويات لم تتطابق بعد 2011: امتلاك الشرعية الانتخابية، وامتلاك الحكومة، وامتلاك القدرة على تحويل الدولة. فقد يستطيع حزب الفوز بالانتخابات وتشكيل حكومة، لكنه لا يمتلك بالضرورة الأدوات الاجتماعية والمؤسسية والمعرفية اللازمة لتغيير منوال التنمية أو إصلاح الإدارة أو إعادة توزيع القوة بين المركز والأطراف، رغم بعض ما تحقق من جهود وإنجازات.
خامسًا: من التوافق الأداتي إلى التوافق الدفاعي
وهذا يساعد على فهم التحول اللاحق نحو التوافق. فقد أدركت النهضة تدريجيًا أن الشرعية الانتخابية وحدها غير كافية في مجتمع منقسم وفي دولة ذات مؤسسات راسخة وشبكات مصالح متعددة. لكن المشكلة أن التوافق الذي بدأ باعتباره أداة لتجنب الصدام تحوّل تدريجيًا، في نظر منتقدين داخل الحركة وخارجها، إلى استراتيجية بقاء سياسي.
لذلك ينبغي التمييز بين التوافق الاستراتيجي والتوافق الدفاعي. الأول يقيم التسوية من أجل تحقيق أهداف انتقالية محددة: دستور، مؤسسات، إصلاحات، انتقال اقتصادي واجتماعي. أما الثاني فيخفض الأهداف باستمرار للحفاظ على الوجود داخل المنظومة. وفي الحالة الثانية يصبح البقاء التنظيمي بديلًا تدريجيًا عن المشروع السياسي.
كان المؤتمر العاشر سنة 2016 محاولة مهمة لإعادة تعريف الهوية؛ إذ أكدت النهضة التخصص في العمل السياسي وقدمت نفسها ضمن مفهوم «الديمقراطيين المسلمين». وتصف دراسات تلك المرحلة هذا التحول بوصفه انتقالًا نحو حزب سياسي أكثر تخصصًا، مع بقاء نقاشات داخلية بشأن معنى هذا التحول وحدوده.
سادسًا: فجوة الأيديولوجيا والاقتصاد السياسي
لكن المعضلة أن التحول الأيديولوجي لم يصاحبه بالقدر نفسه تحول في الاقتصاد السياسي. فالثورة وللمستضعفين، فمن الأسهل نسبيًا الانتقال من خطاب «الحركة الإسلامية» إلى «الإسلام الديمقراطي» من إنتاج نظرية جديدة للتنمية، والعدالة الجهوية، والملكية، والجباية، والدولة الاجتماعية، والسيادة الغذائية، والتحول الصناعي.
ولهذا لم تكن أزمة النهضة بعد 2011 مرتبطة بما زعمه خصومهم بالفشل في «أسلمة الدولة والتغول فيها»، بل كانت الأزمة أكثر ارتباطًا بفشلها، مع بقية النخب الحاكمة، في إنتاج بديل اجتماعي اقتصادي محسوس يربط الديمقراطية بتحسن شروط الحياة.
فالديمقراطية التي لا تغيّر شروط البطالة والتهميش والخدمات العمومية تصبح لدى قطاعات من المواطنين نظامًا سياسيًا مجردًا.
وهذا البعد ما يزال مركزيًا في تونس الراهنة. فالبنك الدولي قدّر البطالة في الربع الثاني من 2026 بنحو 14.9%، مع ارتفاعها بين النساء إلى 21.6%، فيما لا تزال البلاد تواجه قيودًا هيكلية على النمو ومشكلة متفاقمة في ندرة المياه. ولذلك فإن أي إعادة تأسيس حزبية لا تضع الاقتصاد السياسي في مركزها ستعيد إنتاج فجوة السياسة عن المجتمع.
سابعًا: إعادة النظر في مفهوم القاعدة الاجتماعية
ومن هنا ينبغي مراجعة مفهوم القاعدة الاجتماعية للنهضة. فالقاعدة الانتخابية ليست هي القاعدة الاجتماعية، والعضوية التنظيمية ليست هي المجال الاجتماعي، والمتعاطفون ليسوا بالضرورة ناخبين دائمين. وهذه فروق أساسية لفهم ما حدث بين الصعود سنة 2011 والتحولات اللاحقة.
قد تكون النهضة احتفظت خلال مراحل مختلفة برأسمال رمزي وتنظيمي، لكنها خسرت أجزاء من قدرتها على تحويله إلى ثقة سياسية متجددة. وهذه أخطر من خسارة عدد من المقاعد؛ لأن المقاعد يمكن استرجاعها في دورة انتخابية، بينما استعادة الثقة تتطلب إعادة بناء العلاقة بين الحزب والمجتمع.
ولذلك فإن المؤسسات تستطيع الحفاظ على ذاكرتها التنظيمية أطول بكثير من قدرتها على الحفاظ على وظيفتها التاريخية.
ثامنًا: 25 جويلية 2021 وما بعدها: نقد مزدوج
ثم جاءت لحظة 25 جويلية 2021 لتفتح مرحلة جديدة جذريًا. وقد أعقب تعليق البرلمان ثم حله وإعادة بناء المؤسسات السياسية تركيزًا أكبر للسلطة التنفيذية وتراجعًا في المجال المدني والسياسي بحسب تقارير حقوقية دولية. وفي 2026 تصف هيومن رايتس ووتش المشهد بأنه شهد تضييقًا منهجيًا على المعارضة، والمجتمع المدني، والصحفيين، والمحامين.
والنهضة تحملت جانبًا كبيرًا من هذا الضغط، لكنها ليست وحدها المستهدفة؛ فقد شملت الملاحقات شخصيات من اتجاهات سياسية وحقوقية مختلفة. وهذه نقطة مهمة تحليليًا، لأنها تعني أن قراءة الأزمة باعتبارها «صراعًا بين النهضة وقيس سعيد» وحده تضيق مجال الفهم؛ فالمسألة تتعلق أيضًا ببنية النظام السياسي والحريات واستقلال المؤسسات ومستقبل التعددية التونسية.
وبالنسبة للنهضة تحديدًا، أصبح الضغط شديدًا على القيادة والتنظيم. فرئيسها راشد الغنوشي معتقل منذ أفريل 2023 ويواجه أحكامًا وقضايا متعددة، بينما أدين الأمين العام العجمي الوريمي في جويلية 2026 بالسجن ثلاث سنوات في قضية وصفتها منظمة العفو الدولية بأنها ناتجة عن الانتماء السياسي وطالبت بإسقاط الحكم والإفراج عنه.
لكن القمع الخارجي لا يلغي ضرورة النقد الداخلي. وهذه قاعدة منهجية مهمة: يمكن لحركة سياسية أن تكون ضحية تضييق سلطوي، وأن تكون في الوقت نفسه مسؤولة عن أخطاء استراتيجية سابقة. والخلط بين المستويين يؤدي إما إلى تبرير القمع بسبب أخطاء الحزب، وإما إلى منع نقد الحزب بسبب تعرضه للقمع.
القاعدة المنهجية: يمكن أن تكون الحركة ضحية تضييق سلطوي ومسؤولة في الوقت نفسه عن أخطاء استراتيجية سابقة.
تاسعًا: الخيار الأول — الاستمرارية والانتظار
من هنا يظهر الخيار الأول: الاستمرار بالصورة القديمة. وهو يعني عمليًا انتظار تغير الظروف، والمحافظة على ما تبقى من الهياكل، واستعادة القيادة عند انفراج المجال السياسي، ثم العودة إلى المنافسة بالأدوات والخطاب نفسيهما تقريبًا.
مشكلة هذا الخيار أن التاريخ لا يعيد البيئة نفسها.فتونس التي ستخرج من الأزمة الراهنة لن تكون تونس 2011. تغيرت علاقة الشباب بالأحزاب، وتغير الإعلام، وتوسعت الشبكات الرقمية، وتغير الاقتصاد، وتراجعت الثقة في المؤسسات الوسيطة، وظهرت أجيال لا تمتلك ذاكرة مباشرة عن الصراع بين الإسلاميين وبورقيبة أو بن علي.
ولذلك فإن التنظيم الذي ينتظر عودة الماضي قد يكتشف أن الماضي نفسه لم يعد موجودًا. وهذه إحدى أهم قواعد علم الاجتماع السياسي:
المؤسسات تستطيع الحفاظ على ذاكرتها التنظيمية أطول بكثير من قدرتها على الحفاظ على وظيفتها التاريخية.
عاشرًا: الخيار الثاني — الحل وتفكيك الشكل
أما الخيار الثاني، أي حل الحركة، فهو بدوره يحتاج إلى تدقيق. فحل الجهاز القانوني لا يحل الظاهرة الاجتماعية التي أنتجته. إذا بقيت الأسئلة التي أنتجت النهضة — الدين والدولة، الهوية، العدالة، الحرية، العلاقة بين الإسلام والحداثة، المركز والأطراف — فستظهر تعبيرات سياسية جديدة عنها، سواء حملت اسم النهضة أم لم تحمله.
ولذلك فإن ثنائية «البقاء كما نحن أو الحل» ستكون ثنائية زائفة. فالتاريخ السياسي يعرف احتمالًا ثالثًا أكثر تعقيدًا:
موت الشكل وبقاء الطاقة الاجتماعية التي أنتجته، ثم إعادة تركيبها في شكل جديد.
الحادي عشر: الخيار الثالث — إعادة التأسيس
هنا يصبح الخيار الثالث، إعادة التأسيس، مفهومًا يستحق البناء النظري. لكن إعادة التأسيس لا تعني مؤتمرًا استثنائيًا، ولا تغيير القيادة فقط، ولا كتابة برنامج انتخابي جديد، ولا تعديل النظام الداخلي. إنها عملية أعمق: إعادة تعريف سؤال: لماذا توجد النهضة أصلًا في تونس القرن الحادي والعشرين؟
الحزب الذي لا يستطيع الإجابة عن سؤال «لماذا نحن ضروريون للمجتمع؟» يتحول تدريجيًا إلى جهاز لإدارة ذاكرته وأعضائه. أما المشروع التاريخي فيبرر وجوده بما يستطيع إضافته إلى المجتمع والدولة والمستقبل.
ولذلك تبدأ إعادة التأسيس من نقد التجربة. وليس المقصود محاكمة الأشخاص، بل إنتاج معرفة مؤسسية تجيب عن خمسة أسئلة:
• ماذا حدث بين 2011 و2021؟
• أين كانت المعلومات ناقصة؟
• كيف اتخذت القرارات؟
• ما الذي عرفته القيادة ولم تعرفه القواعد؟
بهذا المعنى تحتاج النهضة إلى شيء يشبه لجنة تاريخية استراتيجية مستقلة تدرس تجربتها منذ السبعينات، وخاصة تجربة الحكم بعد 2011، اعتمادًا على الوثائق والشهادات والبيانات والنتائج الاجتماعية والاقتصادية، لا على الذاكرة الانتقائية للقيادات أو الخصومات الشخصية.
محاور إعادة التأسيس السبعة
المحور الأول: نقد التجربة وإنتاج معرفة مؤسسية
ولذلك تبدأ إعادة التأسيس من نقد التجربة، لا بمحاكمة الأشخاص، بل بإنتاج معرفة مؤسسية: ماذا حدث بين 2011 و2021؟ أين كانت المعلومات ناقصة؟ أين أخطأت الحسابات؟ كيف اتخذت القرارات؟ ما الذي عرفته القيادة ولم تعرفه القواعد؟ وما البدائل التي كانت متاحة فعلًا في كل منعطف؟ وبهذا المعنى تحتاج النهضة إلى لجنة تاريخية استراتيجية مستقلة تدرس تجربتها منذ السبعينات، وخاصة تجربة الحكم بعد 2011، اعتمادًا على الوثائق والشهادات والبيانات والنتائج الاجتماعية والاقتصادية، لا على الذاكرة الانتقائية للقيادات أو الخصومات الشخصية.
المحور الثاني: الانتقال من سؤال «كيف نصل إلى الحكومة؟» إلى «كيف تعمل الدولة؟»
ينبغي الانتقال من سؤال «كيف نصل إلى الحكومة؟» إلى سؤال «كيف تعمل الدولة التونسية؟». كيف تعمل الإدارة؟ كيف تتشكل السياسات؟ كيف تتوزع الموارد؟ ما علاقة الدولة برأس المال؟ ما حدود استقلال البيروقراطية؟ وكيف يمكن إصلاح الدولة من دون تحطيم قدرتها المؤسسية؟
المحور الثالث: الاقتصاد السياسي القابل للاختبار
النهضة الجديدة — إن حدثت — لا تستطيع الاكتفاء بمفردات الاقتصاد الاجتماعي والتضامن والعدالة. ينبغي تحويل هذه القيم إلى خيارات قابلة للاختبار في الصناعة والزراعة والطاقة والمياه والجباية والديون والمؤسسات العمومية والاستثمار والاقتصاد الرقمي.
المحور الرابع: المسألة الاجتماعية وتمثيل التناقضات
السياسة ليست صراعًا بين النخب فقط. تونس تتكون من عاطلين، وطلبة، وفلاحين، وعمال، وموظفين، وأصحاب مؤسسات صغيرة، ونساء، وشباب، ومهاجرين، وجهات داخلية وساحلية ذات مصالح وتجارب مختلفة. الحزب الذي لا يستطيع تمثيل هذه التناقضات داخل مشروع جامع يفقد بالتدريج وظيفته الاجتماعية.
المحور الخامس: المسألة الشبابية والثورة المعرفية
لا يمكن لحركة تأسست قبل نحو نصف قرن أن تعتبر انتقال تجربتها إلى الأجيال الجديدة أمرًا تلقائيًا. فجيل TikTok والذكاء الاصطناعي والعمل عن بعد والهجرة الرقمية ليس امتدادًا آليًا لجيل المساجد والجامعات والمنشورات السرية في السبعينات والثمانينات.
جيل TikTok والذكاء الاصطناعي ليس امتدادًا آليًا لجيل المنشورات السرية.
ومن هنا تصبح إعادة التأسيس أيضًا ثورة معرفية وديمقراطية داخل التنظيم. ينبغي أن يدخل到他 علماء الاقتصاد والاجتماع والبيئة والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والديمغرافيا والعلاقات الدولية والسياسات العمومية، لا بوصفهم خبراء تستدعيهم القيادة لتبرير قرار جاهز، وإنما شركاء في إنتاج القرار.
المحور السادس: اللاهوت السياسي والمرجعية الإسلامية
المحور السادس هو إعادة النظر في العلاقة بين اللاهوت السياسي والإسلام السياسي، بين التوحيد والإسلام الديمقراطي، وبين عبادة الكيانات السياسية المقدسة في المجتمع والدولة، في شكل رهبانية، ولاهوت سياسي علماني، أو ديني استبدادي، أو معياري وغير معياري.
لقد حاول المؤتمر العاشر معالجة هذه المسألة بالتخصص الوظيفي. لكن السؤال الأعمق يبقى: ما الذي يعنيه المرجع الإسلامي داخل حزب ديمقراطي حديث؟ هل هو برنامج تشريعي؟ منظومة قيم؟ رؤية للإنسان؟ أخلاق للعمل العام؟ أم هوية ثقافية حضارية؟ الجواب يجب أن يكون واضحًا في التمثل الرسالي الجديد والديمقراطي للإسلام.
سيكون مفهوم إنسان التكريم، وإنسان الاستخلاف المحب لأخيه الإنسان كما أوصى النبي، ومفهوم وحدة الجنس البشري كماقررته الآية الأولى من سورة النساء، قادرًا على فتح مسار فكري مثمر إذا أُعيدت صياغته بلغة سياسية كونية: كرامة الإنسان، والحرية، والعدالة الاجتماعية، وحرمة الجسد، والمواطنة المتساوية، وسيادة القانون، وحماية الضعيف، والبيئة، وحق الأجيال القادمة، ومقاومة الاستبداد. مقابل حداثة انتقدت مسيرتها بأنها انطلقت من مركزية الإنسان المحب لأخيه الإنسان، لكن سرعان ما انحدرت إلى الإنسان المدمر لأخيه الإنسان بالآفات والقهر والاستعباد والتمييز والحروب والممزقة لوحدة البشرية، انتهاءً بسيطرة الأشياء على الإنسان.
وبهذا يمكن أن تنتقل المرجعية من سؤال «كم هو إسلامي هذا القانون؟» إلى سؤال أوسع: كم يصون هذا النظام كرامة الإنسان وحريته وعدالته؟ وبهذا تدخل المرجعية الإسلامية في حوار حقيقي مع الديمقراطية الاجتماعية والليبرالية السياسية والفكر البيئي والإنسانية المعاصرة.
المحور السابع: الديمقراطية الداخلية والتنظيمية
الحركة التي تريد الدفاع عن الديمقراطية في الدولة تحتاج إلى مؤسسات داخلية تسمح بتداول القيادة، واستقلالية التفكير، وحق الأقلية، وإنتاج النخب الجديدة، ومساءلة القرار. وإلا أصبحت الهوة بين خطابها الديمقراطي الخارجي وبنيتها الداخلية مصدرًا دائمًا للأزمة.
وهذا يقتضي الانتقال من تنظيم يقوم بدرجة كبيرة على الثقة التاريخية إلى مؤسسة تقوم على القواعد. فالثقة بين رفاق السجون والمنافي مورد أخلاقي مهم، لكنها لا تستطيع أن تكون دستورًا دائمًا لحزب متعدد الأجيال.
الثقة مورد أخلاقي، لكنها لا تستطيع أن تكون دستورًا دائمًا لحزب متعدد الأجيال.
الكتلة التاريخية عند غرامشي: أفق أبعد من التحالف
أما مفهوم الكتلة التاريخية عند أنطونيو غرامشي فيقدم أفقًا أوسع. فالكتلة التاريخية ليست تحالفًا انتخابيًا بين قيادات أحزاب، وإنما اقتران بين قوى اجتماعية ومشروع فكري ومصالح مادية ورؤية للدولة تستطيع مجتمعة إنتاج اتجاه تاريخي جديد.
وبذلك فإن بناء كتلة تاريخية تونسية لا يعني جمع النهضة مع بضعة أحزاب في جبهة انتخابية، بل البحث عن المشترك التاريخي الممكن بين الإسلاميين والديمقراطيين الاجتماعيين والليبراليين واليسار الديمقراطي والنقابيين والمستقلين والمجتمع المدني والشباب وأصحاب المؤسسات والفئات المهمشة، مع الاعتراف بأن مصالح هذه القوى ليست متطابقة.
ويمكن أن يقوم هذا المشترك على مبادئ مؤسسية قابلة للتفاوض: دولة القانون الديمقراطي، المساواة بين المواطنين في الوطنية والحقوق، واستقلال القضاء، والتداول السلمي، والحريات العامة، والعدالة الاجتماعية، والتوازن الجهوي، ومكافحة الفساد، وحماية السيادة الوطنية، وإصلاح الإدارة، والاقتصاد المنتج. ولا تكون هذه المشتركات ملكًا أيديولوجيًا لأي طرف ضمن أرضية الحد الأدنى الجامع للمواطنين.
في الكتلة التاريخية يسع الحركة أن تكون مكوّنًا مهمًا من دون أن تكون مركز الكون السياسي.وهذه نقلة نفسية وسياسية كبيرة لأي تنظيم ذي تاريخ طويل.
التعامل مع الخصوم: من الخلاف إلى قواعد إدارة الاختلاف
كما تحتاج إعادة التأسيس إلى مراجعة العلاقة بالخصوم. فالتجربة التونسية منذ 2011 كشفت خطورة تحويل الخلاف الأيديولوجي إلى صراع وجودي. الإسلاميون ليسوا قادرين على إلغاء العلمانيين، والعلمانيون لا يستطيعون محو الإسلاميين من الاجتماع السياسي بقرار إداري من دون كلفة على التعددية.
لكن المصالحة لا تعني محو الخلافات. الكتلة التاريخية الديمقراطية الحقيقية لا تحتاج إلى اتفاق الجميع حول الهوية أو الدين أو الاقتصاد، وإنما تحتاج إلى اتفاق على قواعد إدارة الاختلاف. وهذا ربما يكون الدرس الأكثر أهمية الذي يمكن استخلاصه من تجربة 18 أكتوبر وتطويره إلى مستوى أعلى.
الدرس الأكبر: اتفاق على قواعد إدارة الاختلاف، لا اتفاق على المذهب.
شرط النجاح: إعادة التأسيس لا تكون ردًّا على القمع
وفي الوقت نفسه، فإن إعادة التأسيس لا ينبغي أن تكون مجرد استجابة للقمع الراهن. لأن التنظيم الذي يعيد بناء نفسه فقط لكي ينجو من خصمه سيظل أسير خصمه. المطلوب إعادة البناء انطلاقًا من سؤال تونس بعد عشرين أو ثلاثين سنة: الاقتصاد، الماء، التكنولوجيا، التعليم، الديمغرافيا، الهجرة، الطاقة، الذكاء الاصطناعي، والاندماج المغاربي.
التنظيم الذي يعيد بناء نفسه فقط لكي ينجو من خصمه سيظل أسير خصمه.
وهنا تدخل البيئة الدولية والتشارك مع نظرائنا داخلها. العالم لم يعد عالم التسعينات ولا عالم الربيع العربي سنة 2011؛ إنه عالم تنافس القوى الكبرى، والحروب، وإعادة تشكيل سلاسل القيمة، والصراع على الطاقة والممرات التجارية والتكنولوجيا ورأس المال. ومن ثم تحتاج أي حركة تطمح إلى حكم تونس إلى عقل استراتيجي دولي يتجاوز المواقف الأخلاقية العامة إلى فهم المصالح وموازين القوى.
تقييم ختامي: ماذا يقول التاريخ؟
بناءً على ذلك، لا يمكن الجزم بأن النهضة ستنجح في إعادة إنتاج نفسها؛ فهذا يتوقف على قراراتها الداخلية، والبيئة السياسية، والقوى الاجتماعية، ومسار الدولة التونسية. لكن تاريخها يقدم شواهد على قدرة معتبرة على التحول: من الحركة الإسلامية إلى الحزب الإسلامي الوطني الديمقراطي، ومن الصدام إلى المشاركة، ومن العزلة إلى تحالف 18 أكتوبر، ومن المعارضة إلى الحكم، ثم إلى صيغة «الإسلام الديمقراطي».
وكل نجاح سابق في التكيف لا يضمن نجاح التكيف القادم؛ لأن التحدي الحالي قد يكون أعمق من مجرد تعديل تكتيكي.
ولذلك يمكن إعادة صياغة الخيارات الثلاثة على النحو التالي:
• الأول هو الاستمرارية: المحافظة على التنظيم وانتظار تغير الظروف؛ وهو أقل الخيارات كلفة، لكنه يحمل خطر الجمود.
• والثاني هو الحل وإنهاء الشكل التنظيمي؛ وهو لا يحل بالضرورة المسألة الاجتماعية والسياسية والتاريخية والحضارية التي يمثلها التيار.
• أما الثالث فهو إعادة التأسيس: الاحتفاظ بما أثبت التاريخ قيمته — الرصيد النضالي، والشبكات الاجتماعية، والوعي الرسالي، والخبرة، والمرجعية الأخلاقية — مع إخضاع البنية والقيادة والبرنامج ونظرية الدولة والاقتصاد السياسي والعلاقة بالمجتمع لمراجعة عميقة.
وهذه ليست توصية سياسية، بل هي التمييز التحليلي الذي ينتج عن الخيارات التي وضعتها الإشكالية.
السؤال الأخير
قد يكون السؤال الذي ينبغي أن يوضع أمام أي مؤتمر فكري مستقبلي للنهضة ليس: كيف نستعيد حركة النهضة التي كانت؟ وإنما: ما الظاهرة السياسية والاجتماعية والفكرية التي تحتاج إليها تونس القادمة، وما الذي تستطيع النهضة ويتوجب عليها فعله من أجل ذلك؟
عندئذ يصبح الامتحان الحقيقي ليس المحافظة على الاسم أو الجهاز، بل الانتقال من ذاكرة المحنة إلى معرفة الدولة، ومن شرعية النضال إلى شرعية التموضع والفعالية المنتجة والملموسة، ومن التنظيم المغلق على تاريخه إلى شبكة اجتماعية مفتوحة على مجتمعها، ومن التوافق الدفاعي إلى التعاقد الوطني، ومن الحزب الباحث عن مكان داخل النظام إلى المساهمة مع قوى أخرى في بناء كتلة تاريخية ديمقراطية واجتماعية جديدة. هنا تحديدًا يقع الحد الفاصل بين إعادة إنتاج التنظيم القديم، وإعادة تأسيس مشروع تاريخي جديد.