سؤال خطير يخامر الاذهان كيف تتحوّل الدولة، المفترض أن تحمي مواطنيها وتصون حقوقهم، إلى جهاز لتجريم الاختلاف ومعاقبة المعارضين؟

يفتح هذا السؤال مدخلًا لقراءة تاريخ القمع السياسي في تونس، من عهد بورقيبة إلى بن علي وصولًا إلى قيس سعيّد، مع مراعاة اختلاف السياقات والمؤسسات وأشكال ممارسة السلطة. ومن خلال استحضار كتاب «الإجرام السياسي» للقاضي والمفكر الفرنسي لويس بروال، يتناول هذا المقال مسارات مواجهة الدولة للإسلاميين بوصفها كاشفًا لأزمة أوسع في علاقتها بالمجتمع والتعدد والحرية. فحين يتداخل أمن الدولة مع أمن الحاكم، ويُستخدم القانون لإقصاء المنافسين، تصبح مساءلة السلطة ضرورة لفهم كيف تتجدّد آليات الاستبداد، وكيف يستمر إرث الإخضاع رغم تعاقب العهود ووعود الإصلاح والتحرّر.

قضية التسجيلات الصوتية

أصدرت محاكم قضاء التعليمات احكامها الابتدائية فيما يعرف بقضية «التسجيلات الصوتية» مساء الثلاثاء 27 أكتوبر 2026 عن الدائرة الجنائية المختصة بقضايا الإرهاب بالمحكمة الابتدائية بتونس. وشملت قيادات من حركة النهضة وصحفيين. بدأ الملف في سبتمبر 2023 إثر تداول تسجيلات منسوبة إلى الدكتور منذر الونيسي، الرئيس السابق بالنيابة لحركة النهضة، تتصل بشؤون الحركة وعلاقات بعض قياداتها؛ فأُوقف في 5 سبتمبر، وأُحيل الملف إلى قطب مكافحة الإرهاب في 7 سبتمبر. وفي جلسة الحكم، مثل الونيسي والصحفي زياد الهاني عن بُعد من سجن المرناقية، وجرى استنطاقهما وسماع مرافعات المحامين، قبل الحكم على الونيسي بتسع سنوات سجنًا، وعلى الهاني بأربع سنوات، مع النفاذ العاجل.

أما بقية المحكوم عليهم، فقد حكم بالسجن خمسًا وعشرين سنة مع النفاذ العاجل لكلٍّ من الطاهر بوبحري، وثمانية متهمين محالين بحالة فرار، وهم: رفيق عبد السلام، وشهرزاد عكاشة، وفتحي العيادي، ومعاذ الخريجي، وماهر زيد، ومحمد الصامتي، وأحمد قعلول، ورضا إدريس. وتتعلق التهم المعلنة بتكوين وفاق مرتبط بجرائم إرهابية، والاتصال بأعوان دولة أجنبية للإضرار بوضع تونس الدبلوماسي في ارتباط بتلك الجرائم؛ أما الخبر المتعلق بالونيسي والهاني فأورد اتهامات بعدم إشعار السلطات بمعلومات عن جرائم إرهابية أو احتمال وقوعها، إلى جانب الاتصالات الأجنبية، دون تفصيل مسؤولية كل واحد منهما.

وتُفسَّر شدّة العقوبات، من حيث المسار القضائي المعلن، بتكييف الملف بما ينقله إلى مجال العقوبات الثقيلة؛ واعتبرت لجنة احترام الحريات وحقوق الإنسان في تونس أن القضية تكشف توظيف تشريعات الإرهاب لتجريم النشاط السياسي والصحفي، وانتقدت ظروف المحاكمة عن بُعد وضمانات الدفاع، فيما طالبت نقابة الصحفيين بمراجعة الحكم على الهاني. وتسمح هذه الاعتراضات بقراءة الأحكام ضمن سياق التضييق على المعارضة والإعلام والسؤال الحاسم هو مدى إثبات أفعال الاتهام المحددة لكل متهم، وكفاية الأدلة.

الإرث الكولونيالي

ويمثّل استمرار السجن التعذيب وقمع المعارضين في الدولة الوطنية أحد أخطر وجوه الإرث الكولونيالي؛ إذ ورثت دول عديدة عن الاستعمار أجهزة أمنية وتشريعات استثنائية وتقنيات للمراقبة والإخضاع، ثم أعادت توظيفها لحماية السلطة وضبط المجتمع. ففي التجربة الاستعمارية، عومل المقاوم بوصفه خطرًا أمنيًا يستوجب الاستئصال، واستمر هذا المنطق بعد الاستقلال حين جرى تحويل المعارض السياسي من مواطن صاحب حقوق إلى عدوّ داخلي تُستباح كرامته باسم أمن الدولة والوحدة الوطنية. غير أنّ تفسير هذا العنف بالإرث الاستعماري لا يعفي النخب الحاكمة من مسؤوليتها المباشرة؛ فقد اختارت أن تجدّد أدواته وتوسّعها بدل تفكيكها وإخضاع المؤسسات الأمنية للقانون والرقابة والمساءلة. وهكذا ظهر تناقض عميق بين شرعية التحرّر الوطني وممارسة الحكم: دولة تأسّست على مقاومة إذلال الإنسان أعادت إنتاج الإذلال داخل سجونها. ولذلك يظلّ استكمال الاستقلال مرهونًا بتحرير علاقة الدولة بالمجتمع من منطق الإخضاع، وتجريم التعذيب فعليًا، ومحاسبة مرتكبيه وآمريه، وضمان حقّ المعارضة باعتباره من أسس المواطنة والشرعية السياسية.

ولازالت حلقات المحرقة العبثية تتري الى حين من الزمن المعلوم. فدوام الحال من المحال، وكل لحظة تتجاوز الحد ستنقلب الى الضد.

لويس بروال وملحمة المحاكمات

وتذكر ملحمة المحاكمات التي شهدتها حركة النهضة منذ سنة 1981 بالملاحظات والتحاليل الدقيقة الواردة في كتاب "الإجرام السياسي" (La Criminalité politique / للقاضي والمفكر القانوني الفرنسي لويس بروال في أواخر القرن التاسع عشر، وظهرت ترجمته الإنجليزية سنة 1898. وينتمي الكتاب إلى مرحلة مبكرة من تشكّل علم الإجرام السياسي، لكنه يتميز عن كثير من أدبيات عصره بأنه لا يحصر «المجرم السياسي» في الثائر أو المعارض الذي يعتدي على الدولة، بل يقلب زاوية النظر ليسأل عن الجريمة التي ترتكبها السلطة باسم الدولة والمصلحة العليا والأمن. وهذه النقلة هي التي تجعل الكتاب صالحًا كإطار تحليلي لقراءة التاريخ السياسي التونسي.

كان بروال قاضيًا فرنسيًا، ولذلك لم يكتب بوصفه ثوريًا يدعو إلى إسقاط الدولة، بل بوصفه قانونيًا مشغولًا بالمفارقة التي تنشأ عندما تصبح الدولة، التي يفترض أن تحمي القانون، قادرة على استخدام القانون نفسه في الظلم. وتلخص بعض المراجع غايته في دراسة الجرائم التي ترتكبها الحكومات بدعوى «أسباب الدولة»، وتلك التي يرتكبها السياسيون بدعوى الضرورة أو المنفعة السياسية.

والأطروحة الأخلاقية المركزية للكتاب تتمثل في رفض فصل السياسة عن الأخلاق. فالمشكلة السياسية، في منظور بروال، ليست مسألة قوة ونجاعة فحسب، وإنما هي أيضًا مسألة أخلاق وعدالة. ولذلك يرفض بصورة خاصة المنطق الميكيافيلي المبسط الذي يجعل نجاح الغاية السياسية مسوغًا لاستخدام أي وسيلة للوصول إليها. ومن أهم مفاتيح الكتاب فكرة "جريمة السلطة" قبل أن يصبح هذا المفهوم مجالًا مستقلاً في الدراسات السياسية والحقوقية الحديثة. فالسلطة لا تفقد قابلية المساءلة الأخلاقية والقانونية لمجرد أنها صاحبة السيادة؛ بل إن خطورة انتهاكها قد تكون أكبر لأنها تحتكر قوة الاكراه الأمني والسجون والقضاء والتشريع والقوة الصلبة. ويميز هذا المنظور ضمنيًا بين الجريمة ضد السلطة والجريمة بواسطة السلطة. الأولى يرتكبها أفراد أو جماعات ضد النظام السياسي، أما الثانية فتحدث عندما تستخدم السلطة إمكاناتها القانونية والأمنية لمعاقبة الخصوم لا بسبب فعل إجرامي مثبت وإنما بسبب هويتهم السياسية أو أفكارهم أو تنظيمهم. وتزداد خطورة الإجرام السياسي، عند تطبيق منطق بروال، عندما يُلبس نفسه ثوب القانون. فالاستبداد البدائي ينتهك القانون علنًا، بينما تستطيع الدولة السلطوية الأكثر تعسفا أن تضع قانونًا استثنائيًا، ثم تعتقل خصمها وفقه وتحاكمه أمام محكمة رسمية، وبعد ذلك تقول إنها لم تفعل إلا "تطبيق القانون".

ولهذا يولي بروال اهتمامًا خاصًا لما يمكن تسميته فساد القانون بواسطة السياسة. ففي فصل منشور من الكتاب يصف قوانين الاستثناء السياسية بأنها تتحول إلى أسلحة تستخدمها الأطراف السياسية لإقصاء خصومها، ويحذر من أن غرائز الخوف والغضب والكراهية السياسية يمكن أن تدفع المؤسسات التشريعية إلى إنتاج قوانين إقصائية  إجرامية.

الإسلاميون والدكتاتورية

من هنا يمكن بناء قراءة لتاريخ العلاقة بين الأنظمة الدكتاتورية التونسية والحركة الإسلامية منذ 1981م. لم يفعل الإسلاميون سوى طلب الترخيص وشرعية الوجود السياسي والمدني في مجتمعهم التونسي، اسوة بنظرائهم من الاحزاب السياسية المعارضة. لكنه ترخيص ثارت حوله رياح وعواصف من النزاع والصراعات والدماء والتفكيك المنهجي للنسيج الاجتماعي والوطني. كما واجهت الحركة موجات من الترذيل والاتهام بالتآمر والعنف والتطرف دون وجه حق الا ما تعلق منها ببعض التمردات الفردية.

وفي المقابل، وثقت منظمات حقوقية مستقلة أن الغالبية الكبرى من السجناء السياسيين المرتبطين بالنهضة لم يكونوا مدانين بأعمال عنف، وأن محاكماتهم تخللتها انتهاكات جسيمة.

ولذلك فإن السؤال الأكثر دقة ليس: هل كان كل إسلامي بريئًا من كل فعل مخالف للقانون؟ وإنما: هل احترمت الدولة مبدأ المسؤولية الفردية، أم حوّلت الانتماء السياسي والفكري نفسه إلى شبهة أمنية؟ هنا تحديدًا تصبح أطروحة بروال أداة تفسيرية قوية.

بدأت الحلقة الأساسية في 6 جوان 1981 عندما أعلن راشد الغنوشي ورفاقه تأسيس حركة الاتجاه الإسلامي وطلبوا الاعتراف القانوني بها. وتشير مصادر حقوقية إلى أن السلطات رفضت اعتمادها، ثم بدأت في شهر جويلية من نفس السنة موجة اعتقالات واسعة، وصدرت أحكام بالسجن وصلت إلى عشر سنوات بحق عدد من قياداتها ونشطائها.

قراءة اللحظة، في ضوء لويس بروال

ويمكن قراءة هذه اللحظة، في ضوء بروال، بوصفها لحظة مفصلية كان أمام الدولة فيها خياران: إدماج تيار اجتماعي وسياسي ناشئ في المجال القانوني، أوتحويله إلى قضية أمنية. وقد غلب الخيار الثاني تدريجيًا، رغم اختلاف شدة القمع من مرحلة إلى أخرى.

هنا يظهر مفهوم بالغ الأهمية يمكن استخلاصه من بروال: التجريم السياسي للهوية.. ففي دولة القانون، يعاقَب الإنسان على فعل محدد يجرمه القانون وتثبت مسؤوليته عنه فرديًا؛ أما حين يصبح مجرد الانتماء إلى تنظيم غير معترف به مدخلًا واسعًا للاعتقال والعقوبة، فإن المسافة بين القانون والسياسة تضيق بصورة خطيرة.

وبذلك نشأت حلقة سببية شديدة الخطورة: ترفض السلطة الاعتراف بالتنظيم، ثم يصبح التنظيم غير قانوني بسبب رفض السلطة الاعتراف به، ثم يعاقَب أعضاؤه بذرائع وتهم مختلفة لأنهم ينتمون إلى «تنظيم غير قانوني». وهذا ما يجعل مسألة الترخيص أكثر من قضية إدارية؛ إنها تصبح تقنية لإنتاج اللامشروعية.

لا يعني ذلك أن الدولة ملزمة قانونيًا بالترخيص لأي تنظيم مهما كان برنامجه أو سلوكه. للدولة حق حماية النظام العام والتحقيق في الجرائم الحقيقية. لكن المنطق الحقوقي يقتضي أن تكون القيود ضرورية ومتناسبة ومبنية على أفعال محددة، لا على الهوية الفكرية وحدها.

اخر زمن بورقيبة

خلال النصف الثاني من الثمانينيات تصاعد الصدام بين نظام بورقيبة وحركة الاتجاه الإسلامي. وتفيد وثائق تاريخية بأن الحكومة اتجهت إلى إجراءات أمنية متشددة تجاه الإسلاميين، في سياق اتسم أيضًا باحتجاجات ومواجهات واتهامات رسمية للحركة بالعنف ومحاولة تغيير طبيعة الدولة.

بلغت المواجهة ذروتها في محاكمة 1987 أمام محكمة أمن الدولة. وحوكم نحو تسعين متهمًا؛ وحُكم على سبعة بالإعدام، خمسة منهم غيابيًا، وعلى راشد الغنوشي بالسجن المؤبد مع الأشغال الشاقة، بينما صدرت أحكام أخرى تراوحت بين عامين وعشرين عامًا.

ولا يمكن تحليل هذه المحاكمة من زاوية النتائج وحدها. فقد سجلت منظمة العفو الدولية عيوبًا جدية في الإجراءات، منها الجمع المثير للشكوك بين أدوار قضائية، والاعتماد على اعترافات قال متهمون إنها انتزعت تحت التعذيب ومحدودية الوقت المتاح للدفاع للاطلاع على ملف القضية.

وهنا يعود بروال بقوة: فقد تتحول المحاكمة السياسية من آلية لاكتشاف المسؤولية الفردية إلى آلية لإنتاج شرعية قضائية لقرار سياسي سبق اتخاذه. والفرق جوهري بين قضاء يبحث: «من ارتكب ماذا؟» وقضاء يصبح جزءًا من صراع سلطة النظام مع خصم سياسي.

وتكشف وثيقة دولية تعود إلى نوفمبر 1987 أن أحد دوافع الأزمة الأخيرة لنظام بورقيبة كان إصراره، وفق التقرير، على إعادة محاكمة الغنوشي بقصد الحصول على حكم بالإعدام؛ وقد عُدَّ ذلك عاملًا يمكن أن يفجر اضطرابات واسعة.

وفي منطق بروال، تكمن الخطورة هنا في انتقال العقوبة من وظيفة قضائية إلى أداة لإدارة ميزان القوى السياسي. فإذا كانت العقوبة تُشدّد لأن الشخص قائد تيار سياسي خطير على السلطة، لا لأن الأدلة الفردية تقتضيها، يصبح الحد الفاصل بين العدالة والانتقام السياسي هشًا.

عقود الظلام في الزمن البوليسي

جاء بن علي في 7 نوفمبر 1987 بخطاب مختلف، وأُفرج عن أعداد كبيرة من السجناء وقد ذكرت منظمة العفو الدولية أن أكثر من عشرة آلاف من السجناء الجنائيين والسياسيين استفادوا من إجراءات عفو في المرحلة الأولى من حكمه.

فقد شهدت سنواته الأولى انفراجًا نسبيًا ومحاولة استيعاب سياسي، قبل أن تنهار هذه التجربة ويبدأ صدام أشد اتساعًا مع النهضة.

غيّرت حركة الاتجاه الإسلامي اسمها إلى «حركة النهضة» وسعت مرة أخرى إلى الحصول على الاعتراف القانوني، لكن طلبها لم يُقبل. وشارك إسلاميون في انتخابات 1989 بصفتهم مستقلين؛ وتقدر هيومن رايتس ووتش أنهم حصلوا على نحو 14 في المئة من الأصوات على المستوى الوطني، ما أظهر أنهم يمثلون قوة اجتماعية وسياسية معتبرة.

وهذه النقطة أساسية في تطبيق بروال على الحالة التونسية: لم تعد القضية مجرد تنظيم صغير خارج القانون؛ فقد كشفت صناديق الاقتراع عن وجود قاعدة انتخابية حقيقية. وهنا أصبح السؤال الذي يواجه النظام: كيف سيتعامل مع قوة سياسية لا تشاركه مرجعيته الفكرية، ولكن لها حضور اجتماعي؟

كان يمكن نظريًا بناء قواعد للتنافس: حزب قانوني، انتخابات، رقابة قضائية، تجريم واضح للعنف الفردي أو التنظيمي متى ثبت، ومساءلة متساوية للجميع. لكن النظام اتجه في مطلع التسعينيات إلى مقاربة أمنية واسعة النطاق.

ويجب مرة أخرى تجنب السردية الأحادية؛ فقد شهد عاما 1990 و1991 أعمال عنف وملابسات متفرقة ارتبط بعضها بأعمال فردية اختلط فيها الاستدراج الأمني والمنهجي بالتورط الشخصي.

غير أن وجود جرائم ارتكبها أفراد لا يمنح الدولة، وفق المبدأ الذي يمكن استخلاصه من بروال ومن دولة القانون الحديثة، حق الانتقال من المسؤولية الفردية إلى العقوبة الجماعية. فالدولة مطالبة بإثبات المسؤولية عن الفعل المحدد، لا باعتبار آلاف المنتمين أو المتعاطفين مسؤولين عنه بالانتساب.

وهذا تحديدًا ما جعل حملة 1990--1992 محل انتقاد حقوقي شديد. فقد وثقت منظمة العفو الدولية اعتقال آلاف المشتبه في انتمائهم إلى النهضة أو تعاطفهم معها، واحتجاز كثيرين بمعزل عن العالم الخارجي لفترات طويلة، وورود روايات متعددة عن التعذيب وسوء المعاملة. والأخطر من ذلك أن القضية لم تبق عند حدود السجن. فقد وثقت منظمة العفو الدولية في أكتوبر 1991 خمس وفيات في الحجز خلال بضعة أشهر، في سياق اعتقالات واسعة لأنصار النهضة والمتعاطفين معها، وطالبت السلطات بتوضيح ملابساتها.

رشيد الشماخي وفيصل بركات

ويمثّل استشهاد الشابين رشيد الشماخي وفيصل بركات تحت التعذيب في 27 أكتوبر 1991 إحدى الصفحات المأساوية في تاريخ تونس السياسي والحقوقي خلال حكم زين العابدين بن علي. فقد ارتبطت وفاتاهما بحملة القمع الواسعة التي استهدفت حركة النهضة ومناضليها ومناصريها، في سياق تحوّل الخلاف السياسي إلى مواجهة أمنية استُخدمت فيها الاعتقالات والتعذيب والمحاكمات لتفكيك المعارضة وإسكات أصواتها.

وفي مارس 1992 تحدثت المنظمة عن عشرة رجال على الأقل، بينهم ثمانية ممن عُدّوا من المتعاطفين مع النهضة، يُعتقد أنهم توفوا في حجز الشرطة منذ أفريل 1991 في ظروف أثارت شبهات قوية بأن الوفاة نجمت عن التعذيب.

تمثل قضية فيصل بركات أحد أكثر الأمثلة دلالة. فقد أصبح موته في الحجزسنة 1991 قضية رمزية في ملف التعذيب في عهد بن علي؛ وناقضت قراءة طب شرعي مستقلة الرواية الرسمية التي نسبت موته إلى حادث مرور، وأشارت إلى إصابات متوافقة مع تعذيب شديد. وتجاوز عدد الشهداء والوفيات بسبب التعذيب او مضاعفاته السجنية الستين مواطنا وطنيا تونسيا يشكو لربه ظلم العباد. منهم الحقوقي سحنون الجوهري وعبد العزيز المحواشي وعثمان بن محمود والرائد محمد المنصوري وعبد الرؤوف العريبي وعدنان بن سعيد وغيرهم .فضلا عن ضحايا المحاكمات والتعذيب ممن يعانون الفقر والفاقة والحرمان والاعاقة والجنون الذي أدى ببعضهم الى الانتحار.

إذا طبقنا بروال هنا، فإننا نصل إلى إحدى أخطر صور الإجرام السياسي: ليست المشكلة مجرد تجاوز شرطي فردي، وإنما احتمال نشوء سلسلة مؤسساتية تبدأ بالتصنيف السياسي، ثم الاعتقال، ثم الاحتجاز السري أو المطول، ثم التعذيب، ثم خطر التحقيق والمساءلة.

عذبوا المعارضين؟

فالإجرام السياسي السلطوي لا يحتاج بالضرورة إلى أمر مكتوب يقول «عذبوا المعارضين». يكفي أن تبني السلطة نظام حوافز يجعل الأمن يعرف أن المطلوب هو تحطيم التنظيم، وأن يشعر الموظف بأن التجاوز لن يؤدي غالبًا إلى مساءلة فعالة. وتتحول البيروقراطية عندئذ إلى ما يمكن تسميته آلة لنزع المسؤولية، الشرطي يقول إنه ينفذ التعليمات، والإدارة تقول إنها تطبق القانون، والقاضي
يقول إنه يحاكم وفق الملفات المقدمة إليه، والقيادة السياسية تقول إن القضاء مستقل، فتضيع المسؤولية بين المؤسسات.

ومن منظور بروال، هذا أخطر من العنف العفوي؛ لأن الجريمة تصبح قابلة للاستمرار والتكرار. إنها لا تعتمد على غضب فرد، وإنما على انتظام مؤسسة. وقد لاحظت هيومن رايتس ووتش لاحقًا أن الغالبية الكبرى ممن عُرفوا بالسجناء السياسيين في تونس كانوا مرتبطين بالنهضة، وأن عددًا قليلًا جدًا منهم أدين بالمشاركة في أعمال عنف، فضلًا عن المشكلات الجسيمة التي شابت عدالة المحاكمات.

كما انتقدت المنظمة محاكمات 1992 العسكرية، مشيرة إلى ادعاءات تعذيب واسعة وإلى مشكلات في الوصول إلى الملفات والدفاع، وإلى أن تهمة الانتماء إلى تنظيم غير قانوني استُخدمت ضد عدد كبير من المتهمين.

حلقة النار

هنا تتضح الحلقة، حلقة النار التي بدأت سنة 1981: رفض الترخيص يؤدي الى تجريم التنظيم ويؤدي ذلك الى تجريم العضوية يؤدي ذلك الاعتقال والمحاكمة ويؤدي ذلك الى اعتبار كثرة المعتقلين دليلًا على خطورة التنظيم. وهذه الدائرة هي شكل نموذجي لكيفية إنتاج السلطة لمبررات إجراءاتها بواسطة الإجراءات ذاتها.

وبهذا المعنى، لم تكن مشكلة دولة بن علي مع الإسلاميين أمنية فقط؛ لقد أصبحت مشكلة في تعريف المواطن السياسي المشروع. فمن يعترف بقواعد سقف النظام ويعمل داخل المساحة التي يسمح بها يمكنه الوجود؛ أما القوة التي تهدد احتكار الحزب الحاكم للتمثيل فكانت معرضة للإقصاء القانوني والأمني.

ويمكن توسيع التحليل: قمع النهضة لم يكن الاستثناء الوحيد في السلطوية التونسية؛ فاليساريون والنقابيون والقوميون والصحفيون والمدافعون عن حقوق الإنسان تعرضوا بدورهم، بدرجات ومراحل مختلفة، للقمع في عهدي بورقيبة وبن علي. ولذلك فالمشكلة البنيوية أوسع من علاقة الدولة بالإسلاميين: إنها مشكلة الدولة التي تضيق بالتعدد السياسي المستقل.

جاءت ثورة 2011 لتكسر هذه الحلقة مؤقتًا. حصلت حركة النهضة على الاعتراف القانوني، وشاركت في الانتخابات، وفازت بالمرتبة الأولى في انتخابات المجلس الوطني التأسيسي، ثم شاركت في الحكم وفي كتابة دستور 2014. وهكذا أثبتت مرحلة الانتقال إمكانية نقل الصراع مع الإسلاميين من الأمن والسجن إلى الانتخابات والبرلمان والتفاوض السياسي.

وهذا التحول مهم جدًا من منظور بروال: فأفضل علاج للإجرام السياسي ليس انتصار طرف على آخر، بل بناء مؤسسات تمنع الجميع، حاكمين ومعارضين، من تحويل خصوماتهم السياسية إلى قضايا جنائية دون سند قانوني مشروع.

زمن التصحيح الانقلابي

بعد 25 جويلية/ يوليو 2021 دخلت تونس طورًا مختلفًا. حيث جمّد الرئيس قيس سعيّد البرلمان وأقال رئيس الحكومة، ثم تركزت سلطات واسعة في الرئاسة وتتابعت تغييرات مؤسساتية وقانونية؛ وقد حذرت منظمات حقوقية منذ البداية من آثار هذه الإجراءات على الحقوق والحريات.

لكن من الضروري أيضًا عدم اختزال هذه المرحلة في «قمع الإسلاميين» وحدهم. فالتقارير الحقوقية توثق استهداف معارضين من اتجاهات متعددة: إسلاميين، ويساريين وديمقراطيين، ومحامين وصحفيين وقضاة ونشطاء مجتمع مدني وشخصيات سياسية لا تنتمي إلى النهضة. مثل نجيب الشابي وعصام الشابي وجوهر بن مبارك وخيام التركي ورضا بالحاج وشيما عيسى وعبد الحميد الجلاصي وزياد الهاني والقاضي الفاضل بشير العكرمي وعبد الكريم العبيدي.

مع ذلك، كانت النهضة من أكثر التنظيمات تعرضًا للإجراءات. فقد اعتُقل الشيخ راشد الغنوشي ذي الـ84 ربيعا رئيس حركة النهضة ورئيس البرلمان الديمقراطي التونسي في أفريل 2023، وأُغلقت مقرات الحركة، وتعرض عدد من قياداتها للملاحقة والاحتجاز والمحاكمة. مثل العجمي الوريمي والحبيب اللوز وعلي العريض ونورالدين البحيري وعبد الكريم الهاروني واحمد المشرقي ومحمد الغنودي ومنذر الونيسي وغيرهم كثير. وذكرت هيومن رايتس ووتش أن السلطات أغلقت مقر النهضة في تونس ومنعت الوصول إلى مكاتبها في كافة أنحاء البلاد.

كما وثقت منظمة العفو الدولية في 2023 فتح تحقيقات جنائية ضد ما لا يقل عن 21 من أعضاء النهضة، كان 12 منهم رهن الاحتجاز في الفترة التي تناولها تقريرها، ضمن حملة أوسع شملت معارضين ومنتقدين آخرين.

وفي سبتمبر 2024 اعتقلت قوات الأمن، بحسب تقارير حقوقية، عشرات من أعضاء النهضة أو المتعاطفين معها قبيل الانتخابات الرئاسية، قبل إطلاق سراح معظمهم لاحقًا. وهذا يعيد إلى النقاش السؤال القديم نفسه: متى يكون التحقيق الأمني قائمًا على شبهة جنائية فردية محددة، ومتى يصبح الانتماء السياسي نفسه مدخلًا للاشتباه؟

وفي تقرير واسع صدر في أفريل 2025، قالت هيومن رايتس ووتش إن الاعتقال التعسفي أصبح أداة مركزية في قمع المعارضة، وإن أكثر من خمسين شخصًا كانوا محتجزين لأسباب سياسية أو بسبب ممارسة حقوقهم الأساسية حتى جانفي 2025، مع استخدام تهم  التآمر على أمن دولة وإرهاب غامضة الصياغة.

كلمة السر" امن الدولة"

رغم ان أمن الدولة من أمن المواطن ولا معنى لأمنها خارج أمن المواطن إلا أن النظام السلطوي له رأي آخر. ومن منظور بروال، فإن العبارة الأخطر في كل دولة سلطوية هي "أمن الدولة" عندما تنفصل عن تعريف جنائي دقيق. فلا دولة تستطيع الاستمرار دون حماية أمنها، لكن مفهوم أمن الدولة إذا اتسع بلا حدود يستطيع ابتلاع حرية التعبير والتنظيم والمعارضة. وتصبح المقارنة بين المراحل الثلاث لافتة:

  • في عهد بورقيبة ظهرت تهم «تغيير طبيعة الدولة» والانتماء إلى تنظيم غير مرخص فيه.

  • وفي عهد بن علي ظهرت تهم التنظيم غير القانوني والتآمر وأمن الدولة.

  • وفي مرحلة قيس سعيد الراهنة عادت بقوة مفردات «التآمر على أمن الدولة» والإرهاب وغيرها من التهم الأمنية الواسعة.


الاختلافات التاريخية كبيرة، لكن وظيفة اللغة الأمنية في إدارة الخصومة السياسية تستحق المقارنة الدقيقة.
وفي فيفري 2026 قالت منظمة العفو الدولية إن أحكامًا ثقيلة صدرت في قضية "التآمر على أمن الدولة 2" ضد عدد من الشخصيات، ومن بينهم قيادات في النهضة؛ وذكرت أن عقوبة الغنوشي في تلك القضية رُفعت من 14 إلى 20 عامًا، وأن مجموع الأحكام الصادرة ضده في قضايا متعددة بلغ أكثر من مائة سنة/اكثر من قرن/ مع حكم بالسجن مدى الحياة. المنظمة اعتبرت أن جزءًا كبيرًا من المواد المستخدمة كان متعلقًا بانتقادات سياسية واتصالات خاصة، وأن أدلة مستقلة قابلة للتحقق على بعض الادعاءات المركزية لم تُعرض.

والأحدث أن منظمة العفو أصدرت في 10 سبتمبر/أيلول 2026 تقريرًا مخصصًا لقضية الشيخ الرئيس راشد الغنوشي، وصفت فيه احتجازه بالتعسفي وربطت قضيته بتراجع أوسع للحقوق المدنية والسياسية والمحاكمة العادلة في تونس. وهذه أوصاف ومواقف للمنظمةالحقوقية، وليست حكمًا قضائيًا بني على المسؤولية الجنائية للأشخاص أو السلطات.

مأساة السياسة المزدوجة

وهنا يمكن فهم حصيلة العقود الماضية باعتبارها مأساة سياسية مزدوجة فالنظام المسيطر على الدولة يرفض دمج خصم اجتماعي واسع قد تدفعه إلى السرية والراديكالية، والتنظيم الذي يشعر بأنه مستهدف قد تنشأ داخله بدوره تيارات تبرر العنف باعتباره دفاعًا عن النفس. وهكذا يستطيع قمع الدولة وعنف المعارضة أن يتغذيا بعضهما من بعض، من دون أن يبرر أحدهما الآخر.

وهذا أحد الدروس التي ينبغي استخلاصها من تاريخ 1981--2011: الخيار الحقيقي لم يكن بين «الدولة» و«الإسلاميين»، بل بين نموذجين للدولة: دولة تعتبر الاختلاف الفكري مشكلة أمنية، ودولة تعتبره واقعًا سياسيًا تديره بالدستور والانتخابات والقضاء المستقل. وقد أظهرت تجربة ما بعد 2011، رغم أزماتها وإخفاقاتها، أن الإسلاميين يمكن أن يوجدوا داخل المؤسسات القانونية وأن يتعرضوا للمحاسبة الانتخابية والسياسية مثل غيرهم.

أما الاستمرارية الأعمق بين بورقيبة وبن على والمرحلة التي بدأت بعد انقلاب التصحيح في 25جويلية 2021، فلا ينبغي البحث عنها في تطابق الأنظمة الثلاثة؛ فهي مختلفة تاريخيًا ومؤسساتيًا. والأجدى البحث عنها في إغراء الدولة التونسية بحل أزماتها السياسية بأدوات قانونية وأمنية: توسيع مفهوم أمن الدولة، تجريم الخصم، وإضعاف الحدود بين المسؤولية الجنائية والمنافسة السياسية.  التقارير الحقوقية الحديثة ترى تدهورًا كبيرًا في المجال المدني واستقلال القضاء والحقوق السياسية منذ 2021.

لا يبدا الإجرام في غرفة التعذيب

ومن هنا يمكن صياغة أطروحة تركيبية مستلهمة من بروال:: الإجرام السياسي لا يبدأ بالضرورة في غرفة التعذيب؛ قد يبدأ عندما تقرر السلطة أن وجود الخصم ذاته مشكلة ينبغي التخلص منها بدل تنظيم التنافس معه. بعد ذلك تأتي قوانين الاستثناء، والاتهامات الفضفاضة، والمحاكمات غير العادلة، والسجون، التي تجسد تفاهة الشر على قول "حنة ارنت" او نظام التفاهة على قول "الان دونو " وفي الحالات الأشد خطورة التعذيب والموت في الحجز. وهذا التسلسل موثق بدرجات مختلفة، خصوصًا في قمع الإسلاميين خلال أواخر عهد بورقيبة والتسعينيات في عهد بن علي. مع وضع شبيه به في عهد قيس سعيد.  

والخلاصة أن القيمة الكبرى لكتاب لويس بروال "الإجرام السياسي "بالنسبة إلى التجربة التونسية تكمن في قلب السؤال التقليدي: بدل أن نسأل فقط: "ماذا فعل الإسلاميون بالدولة؟"  ينبغي أن نسأل أيضًا "ماذا فعلت الدولة بخصومها،" وهل احترمت الحدود التي تجعلها دولة قانون؟

والجواب التاريخي هناك أيضًا سجل موثق من رفض الاعتراف القانوني، والاعتقالات الجماعية، والمحاكمات التي انتُقدت حقوقيًا، والتعذيب والوفيات في الحجز في عهد بن علي، ثم عودة واسعة للاعتقال
والمحاكمات السياسية منذ 2021 وفق منظمات حقوقية دولية. والدرس الذي يسمح به بروال يتجاوز النهضة وقيس سعيّد وبورقيبة وبن على جميعًا: حين تتحولا لدولة من حكمٍ بين الخصوم إلى خصم يمتلك الشرطة والقانون والقضاء والسجن، يصبح تقييد السلطة نفسها شرطًا سابقًا لأي حرية سياسية حقيقية.

إنّ الدرس الأعمق الذي تتيحه قراءة التجربة التونسية في ضوء أطروحة لويس بروال هو أنّ شرعية الدولة تُختبر بقدرتها على حماية حقوق من يعارضونها، وبخضوع مؤسساتها للمساءلة حين تنتهك تلك الحقوق. والدفاع عن ضحايا القمع، إسلاميين وغير إسلاميين، يؤسّس لقاعدة وطنية مشتركة لا تُسقط المسؤولية الفردية عن الجرائم متى ثبتت، ولا تقبل تحويل الانتماء السياسي إلى إدانة جماعية. لذلك يقتضي الخروج من تكرار المأساة كشف الحقيقة، وإنصاف الضحايا، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، وضمان استقلال القضاء وتقييد أجهزة الإكراه بالقانون والرقابة الديمقراطية. عندئذ يصبح استكمال التحرّر الوطني مشروعًا ملموسًا: بناء دولة يستمدّ أمنها معناه من أمن مواطنيها، وتستمدّ قوتها من عدلها واحترامها لكرامتهم.