لا تُطرح إشكالية المثقف في الفكر الحديث والمعاصر باعتبارها سؤالًا عن صاحب المعرفة فحسب، وإنما باعتبارها سؤالًا عن العلاقة بين المعرفة والمجتمع، وبين الفكر والسلطة، وبين الانتماء والاستقلال، وبين إنتاج المعنى وتحويله إلى فعل تاريخي. فالمثقف لا يعيش خارج شبكة المصالح والمؤسسات والصراعات التي يتشكل داخلها المجتمع، كما أن المعرفة التي ينتجها لا تبقى محايدة عندما تدخل المجال العام وتتحول إلى خطاب وهوية وبرنامج وتنظيم. وتزداد هذه الإشكالية تعقيدًا في المجال العربي الإسلامي، حيث يتقاطع المثقف الحديث مع سلطة معرفية أقدم يمثلها الفقيه والعالِم، ومع فاعل حديث آخر هو المناضل الحزبي والسياسي. ومن هنا يصبح السؤال عن المثقف سؤالًا متعدد الأبعاد: ما الذي يميزه عن الفقيه؟ ومتى يتحول من منتج للأفكار إلى مناضل؟ وكيفِِِ يكون «عضويًا» في مجتمعه من دون أن يصبح تابعًا لجماعته؟ وكيف يحتفظ بالقدرة على النقد والاختلاف من دون أن يتحول إلى فرد معزول عن قضايا التاريخ والمجتمع؟
تنطلق هذه الدراسة من هذه الأسئلة لبناء قراءة مقارنة بين الدكتور عبد المجيد النجار، و العراقي يحيى محمد، وجيل كيبيل، وأنطونيو غرامشي، وجوليا كريستيفا، بوصفهم يقدمون، من مواقع فكرية ومنهجية مختلفة، مداخل متقاطعة لفهم وظيفة المثقف. فمن النجار نستخلص صورة «المثقف الشاهد» الذي يصل المعرفة بالقيم والعمران؛ ومن يحيى محمد إشكالية القطيعة وإعادة الوصل بين الفقيه والمثقف والنص والواقع؛ ومن كيبيل صورة المثقف-المناضل الذي ينتج المعنى الذي تحمله الحركة الاجتماعية والسياسية؛ ومن غرامشي مفهوم المثقف العضوي الذي يشارك في بناء الوعي والهيمنة والكتلة التاريخية؛ بينما تتيح كريستيفا بناء صورة تأويلية للمثقف المنشق أو المتمرد الذي يحتفظ بمسافة نقدية تجاه السلطة والجماعة والأيديولوجيا. ولا تقف الدراسة عند المقارنة النظرية بين هذه النماذج، بل تختبر قدرتها التفسيرية في الحالة التونسية، وبصورة خاصة في مسار المثقف الإسلامي وحركة النهضة بين 1981 و2026، بحثًا عن نموذج تركيبي يمكن تسميته «المثقف العضوي النقدي الشاهد»: مثقف ينتمي دون أن يستسلم، ويناضل دون أن يتحول إلى موظف أيديولوجي، ويقرأ النص دون أن يغفل التاريخ، ويقرأ الواقع دون أن يفقد المرجعية الأخلاقية.
يمثّل الدكتور عبد المجيد النجار أحد المفكرين الإسلاميين التونسيين المعاصرين الذين سعوا إلى نقل الفكر الإسلامي من الدفاع العقدي عن الإسلام إلى بناء منهج حضاري قادر على فهم الدين وتنزيله في الواقع. وقد تشكل مشروعه عند تقاطع العقيدة والفلسفة وأصول الفقه ومقاصد الشريعة وفقه الحضارة، وتوزعت أفكاره بين مؤلفات من أبرزها خلافة الإنسان بين الوحي والعقل، وفي فقه التدين فهمًا وتنزيلًا، والشهود الحضاري للأمة الإسلامية، وفصول في منهجية الفكر الإسلامي، ومقاصد الشريعة بأبعاد جديدة.
لا يقدم النجار نظرية مستقلة في العقل والعقلانية والثقافة والمثقف في كتاب واحد، بل تتوزع هذه القضايا على مشروعه الفكري كله. ولذلك يمكن إعادة بناء أطروحته بوصفها محاولة لإقامة علاقة منهجية بين أربعة أقطاب مترابطة: الوحي، والعقل، والواقع، والفعل الحضاري. والمشكلة المركزية التي يعالجها ليست امتلاك المسلمين للنصوص والقيم، وإنما كيفية تحويل هذه النصوص والقيم إلى وعي ومؤسسات وممارسات تاريخية.
ومن هنا يأتي تمييزه الأساسي بين «الدين» و«التدين». فالدين وحي إلهي يتضمن الحقائق والقيم والمقاصد والهدايات، أما التدين فهو الفهم البشري لهذا الوحي وكيفية تمثله وتنزيله في الحياة. وإذا كان الدين في مصدره متعاليًا عن الخطأ، فإن التدين فعل تاريخي يمكن أن يصيب ويخطئ، وهو ما يسمح بالفصل بين قداسة المرجعية ونسبية الاجتهادات البشرية.
يترتب على ذلك أن الآراء الفقهية والتفسيرات التاريخية والتجارب السياسية التي ينتجها المسلمون لا تكتسب العصمة بمجرد انتسابها إلى الإسلام. فهي اجتهادات قابلة للنقد والمراجعة والتجاوز. وبهذا يفتح النجار مجالًا واسعًا للتجديد من داخل المرجعية الإسلامية نفسها، دون الوقوع في تقديس التراث أو القطيعة معه.
ويحتل العقل موقعًا مركزيًا في هذا البناء. فهو ليس خصمًا للوحي، وإنما الأداة التي يُفهم بها الوحي ويُدرك بها الواقع وتُكتشف العلاقة بينهما. فلا يتحول الوحي إلى معرفة إنسانية إلا بواسطة العقل، ولا يصبح موجهًا للحياة الاجتماعية إلا عبر عمليات الفهم والاستنباط والصياغة والتنزيل.
لكن العقل ليس، في المقابل، سلطة مطلقة مكتفية بذاتها؛ فهو قدرة بشرية محدودة تتأثر باللغة والثقافة والتاريخ والمصلحة ومستوى المعرفة المتاح. لذلك يقيم النجار العلاقة بين الوحي والعقل على التكامل: يقدم الوحي الهداية والقيم والغايات الكبرى، ويمارس العقل الفهم والاستدلال والترجيح، بينما يمثل الواقع مجال المعرفة والاختبار والتنزيل.
ومن هنا تتشكل «جدلية النص والعقل والواقع». وهي لا تعني إخضاع النص لكل تحول تاريخي، ولا إخضاع الواقع لصيغ تاريخية جامدة، وإنما حركة متواصلة يُفهم فيها النص بالعقل والمقاصد، ويُقرأ الواقع بالعلم والخبرة، ثم تُصاغ الوسائل الملائمة لتحقيق المقاصد في الظروف المتعينة.
وتتجاوز وظيفة العقل إثبات أصول الاعتقاد إلى فهم النص وتمييز القطعي من الظني، والكلي من الجزئي، والثابت من المتغير، والمقصد من الوسيلة. كما تشمل ترتيب المصالح، وتقدير المآلات، والموازنة بين البدائل، واختيار الصيغ المؤسسية الأكثر قدرة على تحقيق القيم.
العقلانية الإسلامية عند النجار، لذلك، ليست مجرد الاحتفاء بالعقل، وإنما منهج في التفكير يقوم على البرهان، وربط المقدمات بالنتائج، والتمييز بين اليقين والظن، والاستعداد للمراجعة والتصحيح. وهي عقلانية تحاول تجاوز طرفين متقابلين: عقلانية مادية تستبعد الوحي والقيم المتعالية، ونصانية جامدة تلغي الاجتهاد وتحول الفهم التاريخي إلى حقيقة مطلقة.
وهي كذلك عقلانية غائية؛ لأن كفاءة الوسائل لا تكفي من دون تحديد الغايات الأخلاقية التي توجهها. فالعلم والتقنية قد يرفعان قدرة الإنسان على الفعل، لكنهما لا يحددان وحدهما ما ينبغي فعله. ومن هنا تأتي وظيفة الوحي والقيم في توجيه المعرفة نحو العدل والرحمة والعمران وصيانة كرامة الإنسان.
وترتبط هذه العقلانية بمفهوم «الخلافة». فالإنسان في تصور النجار مسؤول عن تعمير الأرض، والخلافة ليست تفويضًا بالاستبداد أو السيطرة المطلقة، وإنما أمانة تستلزم العلم والحرية والمسؤولية وحسن التدبير. ولذلك يصبح العقل شرطًا للاستخلاف لأنه أداة اكتشاف السنن وتقدير النتائج واختيار الوسائل.
ويولي النجار أهمية خاصة لفكرة السنن؛ فالإيمان والحماسة وحسن المقاصد لا تكفي لتغيير الواقع إذا لم تقترن بمعرفة قوانين الاجتماع والاقتصاد والسياسة. وقد يحمل الفاعل مقصدًا صحيحًا، لكنه يفشل بسبب سوء تشخيص الواقع، أو تجاهل موازين القوى أو ضعف الوسائل أو سوء تقدير المآلات. وهنا تتحول العقلانية إلى قدرة على وصل صحة المقصد بفعالية الإنجاز.
في قلب هذا المشروع يظهر مفهوم «فقه التدين»، وهو منهج لدراسة انتقال الدين من النص إلى الحياة. ويمكن اختزال مساره في ثلاث عمليات مترابطة: فهم الدين، وصياغة مقتضياته بما يناسب الواقع، ثم إنجازها عمليًا في الحياة.
فقه الفهم يبحث عن المراد من النصوص مستعينًا باللغة والسياق والمقاصد والمعارف العقلية. وهو لا يعني تكرار اجتهادات السابقين، وإنما الإفادة من التراث مع إبقاء باب الاجتهاد مفتوحًا أمام الأسئلة الجديدة.
أما فقه الصياغة فيتعلق بتحويل القيمة العامة إلى صورة مؤسسية قابلة للتطبيق. فالشورى مثلًا لا تصبح واقعًا بمجرد إعلانها قيمة إسلامية، وإنما تحتاج إلى مؤسسات تمثيلية وقواعد دستورية وضمانات للمحاسبة وآليات للمشاركة وتداول السلطة.
ويأتي فقه الإنجاز ليعالج شروط نقل الفكرة من المستوى النظري إلى الواقع، بما يتطلب معرفة الإمكانات والعوائق والأولويات والتدرج والنتائج المتوقعة. وهكذا يتوسع الاجتهاد من مجرد استنباط الحكم إلى التفكير في كيفية تحوله إلى ممارسة اجتماعية ناجحة.
ولهذا يلح النجار على ضرورة معرفة الواقع في خصوصيته التاريخية. فالوقائع ليست نسخًا متطابقة، ولكل مجتمع شروطه ومؤسساته وثقافته وموازين القوى فيه. ومن ثم لا يمكن تنزيل القيم والأحكام بصورة رشيدة دون معرفة دقيقة بالمجتمع الذي يراد إصلاحه.
وتصبح العلوم الاجتماعية والإنسانية، بناء على ذلك، ضرورية للفكر الإسلامي. فمعرفة الاقتصاد والسياسة والتاريخ وعلم الاجتماع والنفس والأنثروبولوجيا ليست ترفًا معرفيًا، لأن المفكر الذي يعرف النص ويجهل الواقع قد ينتج حلولًا سليمة في التجريد لكنها عاجزة أو ضارة عند التطبيق.
ومن هذا المنظور يتعامل النجار مع التراث تعاملاً نقديًا. فهو خبرة تاريخية ضخمة ينبغي استيعابها والاستفادة منها، لكنه ليس النموذج النهائي لكل زمان ومكان. ولذلك يقوم التجديد على الاستيعاب والتمييز والتقويم، لا على تقديس الماضي ولا على القطيعة المطلقة معه.
يمكن، تبعًا لذلك، وصف مشروع النجار بأنه «تجديد من داخل المرجعية». فالنهضة لا تتحقق باستنساخ الحداثة الغربية ولا باستعادة صور الماضي، وإنما بإعادة تشغيل آليات الاجتهاد والمقاصد مع استيعاب المعرفة الإنسانية الحديثة والاستفادة النقدية من منجزاتها.
وتحتل الثقافة موقعًا محوريًا في هذا المشروع. فهي ليست مجرد تراكم للمعلومات والآداب والفنون، وإنما المنظومة التي تشكل رؤية الإنسان إلى الله والكون والذات والمجتمع والتاريخ، وتحدد منظومة قيمه ورموزه وأنماط سلوكه.
ولهذا لا يفسر النجار التخلف بالعوامل الخارجية أو الاقتصادية والسياسية وحدها، وإنما يربطه أيضًا بأزمة ثقافية تتمثل في انفصال الاعتقاد عن العمل، والعلم عن الأخلاق، والدين عن العمران، والقيم عن الوسائل والمؤسسات القادرة على تجسيدها.
والثقافة الإسلامية المنشودة ليست ثقافة هوية مغلقة ينحصر دورها في حماية الحدود بين «نحن» و«هم». فالهوية شرط لاستمرار الذات، لكنها لا تحقق الشهود الحضاري ما لم تتحول إلى قدرة على الإبداع والإنتاج والمشاركة في معالجة مشكلات الإنسان.
وهنا يمكن التمييز بين «ثقافة الانتساب» و«ثقافة الإنجاز». فقد يحتفظ المجتمع بالرموز والشعائر والهوية الإسلامية، بينما تعجز مؤسساته عن إنتاج العدل والعلم والحرية والإتقان. أما الثقافة الحضارية الفاعلة فهي التي تحول الاعتقاد والقيم إلى سلوك ومؤسسات ومنجزات.
ويبدأ الإصلاح الثقافي بإعادة بناء صورة الإنسان عن نفسه. فالإنسان المسلم ليس مستهلكًا لمنجزات الآخرين ولا فردًا منشغلًا بالنجاة الأخروية بمعزل عن التاريخ، وإنما هو حامل أمانة ومسؤول عن الإصلاح وإنتاج العلم، والمنفعة والجمال والعدل.
ومن هنا يرفض النجار الفصل الحاد بين الدين والدنيا؛ لأن التدين في معناه الحضاري لا يبعد الإنسان عن التاريخ، بل يدفعه إلى المشاركة في إعمار الأرض. ويغدو العمل العلمي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي جزءًا من المسؤولية الأخلاقية والحضارية للإنسان.
ويحتل التعليم مكانة أساسية في هذا التحول. فالمشكلة ليست في كمية المعلومات وحدها، وإنما في نمط تكوين العقل. والتعليم القائم على التلقين والحفظ وإلغاء السؤال يعيد إنتاج التبعية، بينما يتطلب الاستخلاف تعليمًا ينمي النقد والبحث والتجريب والمبادرة والعمل الجماعي.
لكن التعليم المطلوب ليس تقنيًا صرفًا؛ إذ يمكن للمعرفة المنفصلة عن الأخلاق أن تزيد قدرة الإنسان على الهيمنة والإضرار بالآخرين. ولذلك ينبغي الجمع بين الكفاءة العلمية والمسؤولية الأخلاقية، وبين الاقتدار المهني والوعي بقيمة الإنسان.
وفي هذا الإطار تتحدد وظيفة المثقف الإسلامي. فهو ليس مجرد حامل شهادة أو منتج خطاب، وإنما صاحب معرفة مركبة بالمرجعية والواقع والمعارف الإنسانية، وقادر على بناء الجسور بين هذه المستويات وتحويلها إلى رؤية توجه الفعل الاجتماعي.
ولا يتطابق المثقف مع الفقيه التقليدي؛ لأن مهمته تتجاوز بيان الأحكام الجزئية إلى تحليل المجتمع، واستشراف التحولات، ونقد الثقافة، وإنتاج المفاهيم والمشروعات. كما أنه لا ينبغي أن يتحول إلى مثقف أيديولوجي يبرر بصورة دائمة خيارات السلطة أو الحزب أو الجماعة.
ويقوم تكوينه على كفاءة مزدوجة: التأصيل في المرجعية والقدرة على تحليل الواقع. فمن يعرف النص دون الواقع قد يقدم حلولًا صحيحة في التجريد وغير مناسبة في التطبيق، ومن يعرف الواقع دون امتلاك مرجعية قيمية واضحة قد يمتلك أدوات الفعل دون القدرة على تحديد وجهته.
ولهذا يحتاج المثقف إلى استقلال نقدي عن السلطة السياسية والمؤسسة الدينية والتنظيم الحزبي وضغط الجمهور. وظيفته ليست منح الشرعية للقوي أو تكرار خطاب الجماعة، وإنما ممارسة النقد، وكشف الاختلالات، ومراجعة المسلمات، والمساهمة في إنتاج البدائل.
لكن الاستقلال لا يعني الانسحاب من المجتمع. فالمثقف عند النجار ملتزم بالإصلاح، ويعمل على تحويل المعرفة إلى وعي عام ومشروعات قابلة للإنجاز. وهو يقترب بذلك من صورة «العالم العامل» ومن بعض وظائف «المثقف العضوي»، مع احتفاظه بمرجعية أخلاقية تتجاوز الحزب والطبقة والسلطة.
ومن وظائفه أيضًا تجديد اللغة التي يقدم بها الفكر الإسلامي نفسه. فالمفاهيم الدينية إذا بقيت حبيسة لغة وعظية أو تاريخية قد تفقد قدرتها على التواصل مع الإنسان المعاصر. والمطلوب ليس تغيير أصول الدين، وإنما إعادة صياغة خطابها بما يكشف علاقتها بأسئلة الحرية والعدالة والكرامة، والتنمية والبيئة والمعرفة.
ويرتبط بذلك واجب النقد الذاتي. فاختزال أسباب التخلف في الاستعمار أو الهيمنة الخارجية يحجب الاختلالات الداخلية في الثقافة والعقل والمؤسسات. ولا يعني الاعتراف بالعوامل الداخلية إنكار آثار الهيمنة الخارجية، وإنما رفض تحويلها إلى تفسير شامل يعفي الذات من مسؤوليتها.
وتتوج هذه العناصر جميعًا بمفهوم «الشهود الحضاري». فالشهود ليس مجرد الدعوة اللفظية إلى الإسلام، وإنما حضور الأمة في التاريخ من خلال العلم والعمل والقيم والمؤسسات والمنجزات التي تقدم نفعًا للإنسانية.
ويجمع الشهود الحضاري بين المعرفة والفعل والبلاغ: معرفة العالم في ضوء الوحي والعقل، وتحويل المعرفة والقيم إلى منجز تاريخي، ثم تقديم هذا المنجز للإنسانية باعتباره مساهمة في الخير العام لا مشروعًا للهيمنة عليها.
وبهذا المعيار لا يقاس نجاح الفكر الإسلامي بكثرة الكتب والخطب والشعارات، وإنما بقدرته على إنتاج الإنسان الحر والمسؤول، والمؤسسة العادلة، والمعرفة النافعة، والاقتصاد الحافظ للكرامة، والسياسة القائمة على المشاركة والمحاسبة، والثقافة القادرة على الإبداع.
ومن هنا لا يحصر النجار مشروع الإصلاح في الوصول إلى الدولة أو السيطرة عليها. فالدولة عنصر من عناصر التغيير، لكنها لا تستطيع وحدها إنتاج النهضة إذا ظلت الثقافة والتعليم والاقتصاد والعلاقات الاجتماعية عاجزة عن التجدد. والتحول الحضاري أوسع من التغيير السياسي لأنه يتعلق ببناء الإنسان، والمؤسسات ومنظومة القيم والمعرفة.
وفي هذا المستوى يمكن قراءة مشروع النجار بوصفه نقدًا ضمنيًا للنزعة الحركية التي اختزلت المشروع الإسلامي أحيانًا في التنظيم والتعبئة والصراع السياسي. فالمشكلة ليست فقط في امتلاك المشروع الصحيح، وإنما في امتلاك المنهج الذي يسمح بتحويله إلى واقع بطريقة تراعي السنن والظروف والمآلات.
وتتمثل إحدى أهم إضافاته في نقل السؤال من «ما حكم الإسلام؟» إلى سلسلة أكثر تركيبًا من الأسئلة: كيف نفهم الحكم؟ وكيف نصوغه في مؤسسة معاصرة؟ وكيف ننزله في الواقع؟ وما شروط نجاحه؟ وما النتائج التي قد تترتب عليه؟ وبذلك ينتقل الفكر من فقه النص وحده إلى فقه الفعل والمآل والحضارة.
ومع ذلك تظل في المشروع مساحات تحتاج إلى مزيد من التفصيل. فمفاهيم الخلافة والعمران والشهود الحضاري ذات قدرة توجيهية كبيرة، لكنها تحتاج إلى ترجمة أكثر تحديدًا في قضايا الدولة الحديثة، والديمقراطية، والحريات، وتوزيع السلطة، والمساواة، والاقتصاد السياسي، والعلاقة بين المؤسسات الدينية والسياسية.
كما يثير التكامل بين الوحي والعقل والواقع سؤالًا منهجيًا مستمرًا: من يحدد حدود كل عنصر عندما تظهر قراءات متعارضة؟ وكيف يمكن التمييز بين القطعي والظني، وبين المقصد والتأويل الأيديولوجي، وبين مراعاة الواقع والخضوع له؟ وتكشف هذه الأسئلة أهمية الاجتهاد الجماعي والمؤسسات العلمية التعددية التي تمنع احتكار تفسير الدين.
وخلاصة أطروحة عبد المجيد النجار أن تجديد الفكر الإسلامي يقوم على إعادة بناء العلاقة بين الوحي والعقل والواقع. فالعقل أداة للفهم والنقد والاكتشاف، والعقلانية منهج للبرهان والتقدير والتنزيل، وفقه التدين هو الجسر الذي يصل النص بالحياة، والثقافة هي المجال الذي تتحول فيه القيم إلى سلوك، والمثقف هو الوسيط النقدي بين المرجعية والتاريخ.
أما «الشهود الحضاري» فهو الأفق الذي تلتقي عنده هذه العناصر كلها؛ إذ لا تكون الغاية مجرد المحافظة على الإسلام في النص والذاكرة والهوية، وإنما تحويل قيمه إلى إنسان فاعل، ومعرفة نافعة، ومؤسسات عادلة، وعمران قادر على الإسهام في الحضارة الإنسانية. وبهذا المعنى يمكن تلخيص مشروع النجار بأنه محاولة لإعادة وصل الوحي بالعقل، والعقل بالواقع، والتدين بالعمران، والإيمان بالفاعلية الحضارية.
جيل كيبيل المثقف والمناضل المسلم المعاصر: من إنتاج المعنى إلى الصدام مع الدولة
تنطلق قراءة جيل كيبيل للإسلام المعاصر من محاولة فهم التحول الذي طرأ على الفاعل الإسلامي خلال النصف الثاني من القرن العشرين: كيف انتقل من مجال الدعوة الدينية التقليدية إلى مجال إنتاج الأيديولوجيا والتنظيم والفعل السياسي؟ وفي كتابه «المثقف والمناضل في الإسلام المعاصر» يهتم كيبيل، في جوهر أطروحته، بالعلاقة بين من ينتج التصورات والمفاهيم وبين من يحولها إلى ممارسة وحركة وتنظيم. فـ «المثقف المسلم» الحديث ليس بالضرورة عالم الدين التقليدي؛ إنه قد يكون مهندسًا أو طبيبًا أو أستاذًا أو طالبًا تلقّى تعليمًا حديثًا، لكنه أعاد قراءة الإسلام باعتباره منظومة قادرة على تفسير المجتمع والدولة والتاريخ. ومن هنا يظهر نمط جديد من النخب الدينية-السياسية ينافس الفقيه التقليدي كما ينافس المثقف العلماني على سلطة تعريف الواقع وتحديد طريق تغييره.
ويقوم التمييز بين المثقف والمناضل عند كيبيل على اختلاف الوظيفة أكثر من قيامه على الفصل التام بين شخصيتين اجتماعيتين. فالمثقف ينتج الخطاب: يعيد صياغة مفاهيم الجاهلية والحاكمية والدولة والمجتمع والعدالة والثورة والهوية، ويحوّل المرجعية الإسلامية إلى لغة قادرة على الدخول في الصراع السياسي الحديث. أما المناضل فيحوّل هذا الرصيد الرمزي إلى تنظيم وشبكات تعبئة وممارسة اجتماعية وسياسية. وقد يجتمع الدوران في الشخص نفسه؛ إذ يصبح المثقف مناضلًا عندما ينتقل من تفسير الأزمة إلى محاولة تغييرها، ويصبح المناضل منتجًا للأفكار عندما يضطر إلى تبرير استراتيجيته واختياراته. ولذلك يمكن قراءة الإسلام الحركي عند كيبيل بوصفه مجالًا دائريًا تنتقل فيه الأفكار من النص إلى التنظيم، ومن التنظيم إلى الفعل، ومن الفعل إلى إعادة تأويل النص.
وتكتسب هذه الأطروحة عمقها حين نربطها بكتاب «النبي والفرعون، الذي درس فيه كيبيل الحركات الإسلامية المصرية في عهد أنور السادات، ولا سيما الجماعات التي ظهرت في الجامعات وفي البيئات الشبابية. فثنائية «النبي/الفرعون» ليست مجرد استعارة دينية، وإنما تكشف آلية لإعادة ترميز الصراع السياسي: يصبح النموذج النبوي مرجعًا لتأسيس الجماعة المؤمنة والمجتمع البديل، بينما يُقرأ الحاكم المستبد من خلال صورة «فرعون» بوصفه تجسيدًا للسلطة التي تتجاوز حدود الشرعية. بذلك لا يعود الصراع مجرد نزاع على سياسات حكومية، بل يمكن، لدى بعض التيارات التي يدرسها كيبيل، أن يتحول إلى صراع على مصدر الشرعية نفسه: هل تستمد الدولة مشروعيتها من مؤسساتها الوضعية أم ينبغي إعادة بنائها انطلاقًا من مرجعية إسلامية؟
ويحتل سيد قطب موقعًا محوريًا في تفسير كيبيل لهذا التحول، لأن خطاب قطب وفّر لبعض الأجيال الإسلامية جهازًا مفاهيميًا يسمح بتحويل الاعتراض الاجتماعي والسياسي إلى رؤية كلية للعالم. فمفاهيم مثل الجاهلية والحاكمية والعصبة المؤمنة والمفاصلة لم تبقَ، في بعض القراءات الحركية، مفاهيم وعظية أو لاهوتية، بل أصبحت أدوات لتفسير السلطة والمجتمع وموقع المسلم داخلهما. وهنا تظهر قوة «المثقف» في منظور كيبيل: فهو لا يقود بالضرورة مظاهرة أو تنظيمًا مسلحًا، لكنه ينتج القاموس الذي يفكر به المناضل. ومن ثم فإن أثر المثقف قد يتجاوز حضوره التنظيمي المباشر، لأن النص يستطيع الانتقال بين الأجيال والجماعات والسياقات وأن يخضع في الوقت نفسه لتأويلات معتدلة أو راديكالية متباينة.
غير أن كيبيل لا يفسر ظهور المناضل الإسلامي بالأفكار وحدها؛ فكتاب «النبي والفرعون» يربط صعود الحركات الإسلامية المصرية بتحولات اجتماعية وسياسية ملموسة: توسع التعليم الجامعي، صعود أجيال شابة جديدة، اختلال التوازنات الاجتماعية، أزمة المشروع القومي بعد هزيمة 1967، سياسات الانفتاح الاقتصادي، وتحولات علاقة نظام السادات بالقوى الإسلامية واليسارية. وبذلك يصبح المناضل الإسلامي نتاجًا لتقاطع الأيديولوجيا مع البنية الاجتماعية. فالجامعة والمسجد والجمعيات والشبكات الاجتماعية ليست مجرد أماكن لنشر العقيدة، وإنما فضاءات لإنتاج هوية جماعية وتضامن اجتماعي وتجنيد سياسي. وهذه النقطة تمنع اختزال أطروحة كيبيل في تفسير ديني خالص: الإسلام السياسي لديه ظاهرة دينية، ولكنه كذلك ظاهرة اجتماعية وسياسية حديثة.
ويكشف كيبيل أيضًا عن تعدد صورة «المناضل المسلم»؛ فلا توجد في تحليله كتلة إسلامية واحدة متجانسة. ثمة مسارات دعوية وإصلاحية وحركية، إلى جانب تيارات راديكالية تبنت القطيعة أو العنف. والسؤال الحاسم يصبح: كيف ينتقل فاعل إسلامي من الدعوة إلى المعارضة السياسية، ومن المعارضة إلى تصور الدولة القائمة باعتبارها غير شرعية، ومن ذلك أحيانًا إلى تبرير المواجهة؟ لا يفسر كيبيل هذا الانتقال بصفة جوهرية ثابتة في الإسلام، وإنما يتتبعه داخل عمليات التأويل والتنظيم والصراع والقمع والفرص السياسية. ولهذا تمثل العلاقة بين الدولة والحركات الإسلامية عنصرًا أساسيًا: فسياسات الاحتواء أو السماح النسبي أو الاعتقال والملاحقة يمكن أن تؤثر في موازين القوى داخل الحركة نفسها وفي صعود اتجاه على حساب آخر.
ويمكن، مع ذلك، توجيه نقد منهجي إلى أطروحة كيبيل. فالتركيز على الإسلام الحركي، ولا سيما الحالات الراديكالية التي يوفرها النموذج المصري، قد يجعل «المثقف المسلم» يبدو شديد الارتباط بمسار التحول من الفكر إلى التعبئة السياسية، بينما المجال الإسلامي الحديث أوسع بكثير: يضم مفكرين إصلاحيين وفقهاء ومثقفين مستقلين وفاعلين مدنيين وحركات قبلت المشاركة الانتخابية والتعددية. كما أن مفهوم «المناضل» يحتاج إلى التمييز بين الناشط السياسي السلمي، والمناضل الحزبي، والداعية، والفاعل الاحتجاجي، والفاعل المسلح؛ فجمع هذه الصور داخل سردية واحدة قد يحجب اختلاف استراتيجياتها ومفاهيمها للشرعية والدولة والعنف. لذلك تكون أطروحة كيبيل أكثر فائدة عندما تُستخدم أداةً لتحليل شروط إنتاج الفاعل الإسلامي الحديث لا نموذجًا واحدًا يفسر جميع الإسلاميين.
والخلاصة أن الكتابين يسمحان ببناء ثلاثية تفسيرية: المثقف ينتج المعنى، والمناضل يحوّل المعنى إلى تنظيم وفعل، والدولة تشكل البيئة التي يجري داخلها الصراع على الشرعية. ومن هذه الزاوية يصبح السؤال المركزي عند كيبيل أوسع من سؤال «ماذا يريد الإسلاميون؟»: إنه سؤال كيف يتحول الدين إلى لغة للاحتجاج وإعادة بناء الهوية والشرعية السياسية، وكيف تنتقل الفكرة من الكتاب إلى الجماعة ثم إلى المجال العام والدولة؟ وفي هذا تحديدًا يمكن وضع كيبيل في مقارنة مثمرة مع أنطونيو غرامشي: فكما يربط غرامشي «المثقف العضوي» بطبقة ومشروع للهيمنة، يدرس كيبيل المثقف الإسلامي بوصفه منتجًا لرؤية للعالم تستطيع تكوين جماعة سياسية وحشدها؛ لكن الفرق أن غرامشي يقدم نظرية عامة في المثقف والهيمنة، بينما يقدم كيبيل أساسًا تحليلًا سوسيولوجيًا وسياسيًا تاريخيًا لتشكل الحركات الإسلامية المعاصرة.
من المثقف الإسلامي إلى المناضل الحزبي في تجربة حركة النهضة
إذا نُقلت ثنائية جيل كيبيل بين «المثقف» و«المناضل» من الحالة المصرية إلى الحالة التونسية، فإن حركة الاتجاه الإسلامي، التي أعلنت عن نفسها سياسيًا سنة 1981 ثم أصبحت لاحقًا حركة النهضة، تقدم حالة مقارنة مهمة، ولكنها ليست نسخة تونسية من النموذج المصري. فقد تشكلت الحركة الإسلامية التونسية داخل بيئة مختلفة: دولة وطنية مركزية ذات مشروع تحديثي بورقيبي قوي، وإرث زيتوني وإصلاحي تونسي، وجامعة حديثة، ونقابات ومنظمات مدنية، ونخب علمانية ويسارية ذات حضور واسع. ولذلك لم يكن «المثقف الإسلامي» التونسي مجرد ناقل لأفكار المشرق، بل دخل منذ البداية في عملية إعادة تركيب بين المرجعية الإسلامية والمسألة الوطنية التونسية ومشكلات الدولة الحديثة.
ويمثل راشد الغنوشي نموذجًا واضحًا يمكن من خلاله اختبار أطروحة كيبيل. فهو لم يؤدِّ وظيفة الزعيم التنظيمي فحسب، بل مارس وظيفة إنتاج المفاهيم التي يحتاج إليها المناضل الإسلامي لفهم الدولة والديمقراطية والحريات والعلمانية والمجتمع. ومع تطور تجربته الفكرية والسياسية، أصبحت أسئلة الديمقراطية والتعددية والحريات العامة والمشاركة السياسية والمواطنة جزءًا مركزيًا من الخطاب الذي قدمته قيادة النهضة. وهنا يظهر المثقف، بالمعنى الذي يمكن استخلاصه من كيبيل، بوصفه منتجًا لـالقاموس السياسي الذي تتحرك من خلاله الجماعة، لا مجرد فقيه يصدر أحكامًا شرعية. وتذهب بعض الدراسات المقارنة إلى أن تجربة المنفى الطويلة لعدد من قيادات النهضة، ومنها إقامة الغنوشي في لندن بين 1991 و2011، ساهمت في تطوير خطاب الحركة السياسي باتجاه أكثر انفتاحًا على التعددية والمصالحة.
وفي المقابل، جسدت القاعدة التنظيمية للحركة صورة «المناضل» بصورة أكثر وضوحًا. فمنذ الثمانينيات، انتقلت الأفكار الإسلامية من حلقات الثقافة والدعوة والنقاش الفكري إلى بناء شبكات تنظيمية وطلابية واجتماعية وسياسية. وهنا يمكن تطبيق الصيغة الكيبيلية بصورة مباشرة: المثقف ينتج المعنى، والتنظيم يعيد صياغته، والمناضل يحوله إلى ممارسة. لكن العلاقة ليست خطية؛ فالمناضلون بدورهم كانوا يفرضون على القيادة الفكرية أسئلة جديدة مصدرها السجن والملاحقة والعمل السري والمنفى ثم المشاركة الانتخابية والحكم، وبذلك كانت التجربة السياسية تعود باستمرار لتعديل الفكر الذي أنتجها.
وتتضح أهمية العامل الثالث في نموذج كيبيل، أي الدولة، بصورة خاصة في تونس. فقد أثرت علاقة الدولة بالحركة الإسلامية في طبيعة تنظيمها وخطابها وتطور قياداتها. وخلال عهد بن علي، خاصة منذ بداية التسعينيات، تعرضت النهضة لحملة قمع واسعة أدت إلى سجن عدد كبير من قياداتها ومنضاليها ودفع آخرين إلى المنفى، وهو ما أدى عمليًا إلى انقسام تجربتها البشرية بين «نهضة الداخل» و«نهضة الخارج». ومن منظور كيبيل، لا تكون الدولة هنا مجرد خصم خارجي، بل تصبح أحد العوامل التي تعيد تشكيل العلاقة بين الفكرة والتنظيم والمناضل.
لكن الحالة التونسية تكشف أيضًا حدود تطبيق نموذج «النبي والفرعون» بصورة حرفية. ففي التجربة المصرية التي درسها كيبيل، اكتسبت لدى بعض الجماعات الراديكالية ثنائية المجتمع المؤمن والسلطة غير الشرعية وزنًا كبيرًا. أما المسار الرئيسي للنهضة التونسية فقد اتجه تدريجيًا إلى البحث عن الاعتراف القانوني والمشاركة داخل الدولة بدل بناء شرعية ثورية بديلة عنها. لذلك يمكن القول إن الإشكالية التونسية تحولت تدريجيًا من سؤال «كيف نواجه الدولة؟» إلى سؤال «كيف ندخل الدولة ونشارك فيها من دون أن نفقد المرجعية والهوية؟». وهذه نقطة اختلاف أساسية تجعل تطبيق كيبيل على تونس تطبيقًا نقديًا لا استنساخًا للنموذج المصري.
وقد مثلت ثورة 2011 لحظة انقلاب كبرى في العلاقة بين المثقف والمناضل والدولة. فقد انتقلت النهضة من حركة عانت الحظر والقمع إلى حزب قانوني يشارك في الانتخابات والمؤسسات. وفي انتخابات المجلس الوطني التأسيسي سنة 2011 أصبحت القوة الحزبية الأكبر وشكلت حكومة ائتلافية مع المؤتمر من أجل الجمهورية والتكتل. وهنا تغيرت وظيفة المناضل نفسه: فالشخص الذي كان يعمل سابقًا في شبكات المعارضة أصبح نائبًا، أو وزيرًا أو مسؤولًا حزبيًا أو فاعلًا داخل مؤسسات الدولة. وبذلك انتقلت الحركة من منطق الاحتجاج على السلطة إلى اختبار ممارسة السلطة.
وهذا الانتقال فرض بدوره إعادة تعريف وظيفة المثقف الإسلامي. ففي المعارضة يستطيع المثقف إنتاج خطاب معياري عن العدالة والحرية والهوية، أما في الحكم فيصبح مطالبًا بتحويل تلك المفاهيم إلى سياسات عامة وتسويات دستورية، وتحالفات وقرارات اقتصادية واجتماعية. ومن هنا ظهرت مسافة بين المثقف صاحب المشروع والسياسي الذي تدفعه موازين القوى إلى التسوية. وهذه المسافة مهمة في قراءة تجربة النهضة؛ لأن جزءًا من أزمتها بعد 2011 يمكن تحليله بوصفه صعوبة الانتقال من «رؤية للعالم» إلى «برنامج للحكم».
وتكشف أزمة 2013 بوضوح هذا التحول. ففي سياق استقطاب سياسي حاد، دخلت النهضة في مسار تسوية أفضى إلى انتقال السلطة إلى حكومة تكنوقراط، ثم تطورت علاقتها لاحقًا مع نداء تونس والباجي قائد السبسي ضمن سياسة التوافق. وتصف مصادر بحثية هذا المسار باعتباره انتقالًا متزايدًا نحو التسوية السياسية والتعامل البراغماتي مع موازين القوى. وهنا يصبح المناضل الإسلامي الذي نشأ على الدفاع عن هوية الحركة مطالبًا بقبول التنازل والتفاوض وتقاسم المجال السياسي مع خصومه؛ أي إن أخلاق المناضل الاحتجاجي بدأت تصطدم بـعقلانية السياسي التوافقي.
وتبلغ هذه العملية إحدى أهم محطاتها في المؤتمر العاشر للنهضة سنة 2016. فقد أعلنت الحركة «التخصص الوظيفي» والتركيز على النشاط السياسي مع إخراج النشاط الدعوي من البنية الحزبية. وقدمت القيادة هذا التحول في إطار الانتقال نحو حزب سياسي مدني يستلهم قيمًا إسلامية بدل الجمع المؤسسي بين الحزب والدعوة. ومن منظور أطروحة كيبيل، يمثل ذلك محاولة لإعادة توزيع الوظائف التي كانت مجتمعة داخل الحركة الإسلامية القديمة: الداعية للدعوة، والمثقف لإنتاج المعنى، والسياسي لإدارة الحزب والدولة، والمناضل للعمل الحزبي والمدني.
لكن التجربة أظهرت أن الفصل النظري بين هذه الوظائف أسهل من الفصل الاجتماعي والثقافي بينها. فقد ظلت أسئلة الهوية والقيم والدين حاضرة داخل قواعد النهضة، كما بقيت العلاقة بين المجال السياسي والمجال الدعوي موضوعًا للنقاش بعد مؤتمر 2016. وتشير دراسات كارنيغي إلى أن تطبيق «التخصص الوظيفي» واجه توترات مرتبطة بهوية الحزب وقاعدته وعلاقته بالإرث الدعوي، وأن الحدود العملية بين المجالين لم تكن دائمًا حاسمة. وهذا يؤكد إحدى الأفكار التي يمكن تطويرها انطلاقًا من كيبيل: التنظيم يستطيع تغيير هيكله أسرع مما تستطيع الجماعة تغيير ذاكرتها وهويتها السياسية.
وتسمح الحالة التونسية كذلك بإضافة عنصر لا يظهر بالقوة نفسها في الثنائية الأصلية بين المثقف والمناضل، هو الفقيه. فداخل المجال الإسلامي التونسي يمكن التمييز تحليليًا بين الفقيه الذي ينتج الشرعية الدينية، والمثقف الذي ينتج تفسيرًا للعالم، والمناضل الذي يحول الأفكار إلى تعبئة وتنظيم، والسياسي الذي يحول موازين القوى إلى قرارات وتسويات. وقد تجتمع هذه الوظائف في فرد واحد، لكنها أصبحت مع تطور النهضة أكثر تمايزًا. ولذلك يمكن توسيع كيبيل تونسيًا من ثنائية المثقف/المناضل إلى رباعية الفقيه/المثقف/المناضل/السياسي.
وتصبح هذه الرباعية أكثر أهمية بعد 25 جويلية2021، حين جمّد الرئيس قيس سعيّد أعمال البرلمان وأقال رئيس الحكومة، ثم أعيد تشكيل النظام السياسي والمؤسسات الدستورية في السنوات التالية. فقد وجدت النهضة نفسها مجددًا أمام سؤال الدولة، ولكن في سياق مختلف جذريًا عن سياق بن علي: الحركة لم تعد تنظيمًا محظورًا يبحث لأول مرة عن الاعتراف، بل حزبًا راكم تجربة عشر سنوات من الشرعية الانتخابية والبرلمانية والحكومية. ومن ثم أصبح السؤال الجديد: كيف يتصرف المثقف والمناضل والسياسي الإسلامي بعد تجربة الحكم عندما تتغير قواعد النظام السياسي الذي شارك فيه؟
وهنا تظهر مفارقة تونسية مهمة بالنسبة إلى كيبيل: ففي الثمانينيات والتسعينيات كان المثقف الإسلامي ينتج خطابًا يبرر الدخول إلى المجال السياسي؛ وبعد 2011 أصبح مطالبًا بإنتاج خطاب يبرر التوافق والمشاركة وإدارة الدولة؛ وبعد 2021 أصبح مطالبًا بإعادة التفكير في الديمقراطية والدولة والتحالفات والمعارضة على ضوء تجربة الحكم نفسها. وهكذا لا يسير المسار التونسي في خط واحد من الدعوة إلى الراديكالية، بل في حركة أكثر تعقيدًا: دعوة → حركة احتجاجية → حزب سياسي → مشاركة في الحكم → توافق → أزمة هوية ووظيفة → إعادة التفكير في موقع الحركة داخل الدولة والمجتمع.
ومن هنا تكشف التجربة التونسية عن تعديل جوهري يمكن إدخاله على أطروحة كيبيل. فليس السؤال فقط كيف ينتج المثقف الأفكار التي يحملها المناضل في مواجهته مع الدولة، وإنما أيضًا كيف تغير الدولة والمناضل والممارسة السياسية المثقف نفسه. لقد غير السجن والمنفى الفكر، وغيرت الثورة التنظيم، وغير الحكم خطاب المعارضة، وغير التوافق مفهوم الخصم، وأعاد التحول السياسي بعد 2021 طرح سؤال الدولة من جديد. ولذلك تصبح العلاقة دائرية: المثقف يصنع المناضل، والمناضل يصنع التنظيم، والتنظيم يدخل في صراع أو تفاوض مع الدولة، وتجربة الدولة تعود فتعيد تشكيل المثقف نفسه.
وبهذا المعنى، فإن تطبيق كيبيل على تونس يقود إلى نتيجة أوسع من نموذجه المصري: المثقف الإسلامي التونسي ليس مجرد منتج لأيديولوجيا الاحتجاج، والمناضل ليس مجرد حامل لها، والدولة ليست مجرد «فرعون» يواجها. فالتجربة التاريخية لحركة النهضة بين 1981 وما بعد 2011 تكشف انتقال هذه الشخصيات بين مواقع متعددة: الفقيه قد يصبح مثقفًا، والمثقف قد يصبح زعيمًا حزبيًا، والمناضل قد يصبح نائبًا أو وزيرًا، والمعارض قد يصبح شريكًا في الحكم ثم يعود إلى المعارضة. ولذلك فإن الحالة التونسية تدفع أطروحة كيبيل من سوسيولوجيا التعبئة الإسلامية إلى سوسيولوجيا تحول الحركة الإسلامية تحت تأثير الدولة، والديمقراطية والحكم والمعارضة.
مثقف غرامشي وكريستيفا
يمكن بناء المقارنة بين المثقف العضوي عند أنطونيو غرامشي والمثقف المنشق عند جوليا كريستيفا انطلاقًا من اختلاف موقع المثقف إزاء الجماعة والسلطة. فالمثقف العضوي عند غرامشي ليس مجرد منتج للأفكار، بل فاعل مرتبط بكتلة اجتماعية وتاريخية، يعمل على تحويل خبرتها ومصالحها إلى وعي ومشروع ورؤية للعالم؛ ولذلك تكون وظيفته الأساسية بناء الهيمنة الثقافية المضادة وربط المعرفة بالفعل السياسي والاجتماعي. أما «المثقف المنشق» عند جوليا كريستيفا فينبغي استعماله بوصفه تركيبًا تأويليًا لفكرها أكثر منه مفهومًا اصطلاحيًا مغلقًا صاغته على طريقة غرامشي. فمن خلال أعمالها عن الثورة والتمرّد، وخاصة العبث والمعنى في الثورة والتمرد الذاتي يصبح المثقف حارسًا للقدرة على السؤال وإعادة النظر في المعاني المستقرة، فلا يكتفي بالانشقاق عن السلطة السياسية، بل يمارس نوعًا من «الثورة الحميمة» ضد ما يتحول داخل الذات والثقافة واللغة إلى يقين مغلق. بهذا المعنى، إذا كان مثقف غرامشي يبحث عن الارتباط العضوي بقوة اجتماعية قادرة على التغيير، فإن المثقف المستلهم من كريستيفا يحافظ على مسافة نقدية حتى تجاه الجماعة التي ينتمي إليها، لأن وظيفته ليست استبدال عقيدة بأخرى، وإنما إبقاء إمكانية النقد والتمرّد وإعادة تأسيس المعنى مفتوحة. وتؤكد كتابات كريستيفا بالفعل مركزية مفهوم «الثورة/التمرّد» في مشروعها الفكري والنفسي.
وعند تنزيل هذين النموذجين على واقع المثقف في تونس تظهر إشكالية مزدوجة: أزمة العضوية وأزمة الانشقاق. فقد عرف المجال التونسي مثقفين ارتبطوا تاريخيًا بالدولة الوطنية، والحزب الحاكم، والاتحاد النقابي، واليسار، والحركة الإسلامية، والحركات الحقوقية والنسوية والديمقراطية؛ أي إن جانبًا من المثقفين مارس بدرجات متفاوتة وظيفة قريبة من «المثقف العضوي»، حين أصبح منتجًا للمعنى داخل عائلة سياسية أو اجتماعية محددة. غير أن المعضلة تبدأ عندما تتحول العضوية إلى تبعية: يصبح المثقف مدافعًا عن جماعته بدل أن يكون عقلها النقدي، فيبرر أخطاء الدولة عندما يكون قريبًا منها، أو أخطاء الحزب عندما ينتمي إليه، أو تناقضات المعارضة عندما يصطف معها. وهنا تكتسب كريستيفا أهميتها بالنسبة إلى تونس: فالمثقف المنشق المطلوب ليس بالضرورة ذلك الذي يغيّر معسكره السياسي، وإنما القادر على الانشقاق النقدي داخل معسكره نفسه؛ الإسلامي الذي ينتقد الإسلاميين، واليساري الذي يفكك أخطاء اليسار، والدستوري الذي يعيد مساءلة الإرث البورقيبي، والديمقراطي الذي ينتقد إخفاقات تجربة الانتقال، والمثقف القريب من السلطة الذي يرفض تبرير تجاوزاتها. وبذلك يمكن تركيب غرامشي وكريستيفا في صيغة تونسية: مثقف عضوي في علاقته بقضايا المجتمع، ومنشق في علاقته بالأيديولوجيا والتنظيم والسلطة؛ ينتمي دون أن يستسلم، ويلتزم دون أن يتحول إلى مثقف عمومي يكرر المعاني السائدة.
وتزداد أهمية هذا النموذج في تونس الراهنة سنة 2026، لأن وظيفة المثقف تجري في مجال عام تصفه تقارير حقوقية حديثة بأنه يشهد تضييقًا على الأصوات الناقدة والمجتمع المدني والصحافة؛ وقد وثقت منظمات حقوقية استخدام نصوص قانونية، ومنها المرسوم 54، في ملاحقات طالت صحفيين ومحامين ونشطاء وشخصيات عامة، فيما وثقت منظمة العفو الدولية في 2026 استمرار قضايا مرتبطة بحرية التعبير. لذلك لا تكفي في الحالة التونسية العودة إلى المثقف العضوي الغرامشي وحده، لأن الارتباط العضوي بحزب أو حركة أو دولة قد يعيد إنتاج الاصطفاف؛ كما لا يكفي الانشقاق الكريستيفي إذا تحول إلى فردانية ثقافية معزولة عن المجتمع. المطلوب هو المثقف العضوي المنشق: مثقف يحمل قضايا الحرية والعدالة الاجتماعية والديمقراطية والسيادة والتنمية، ولكنه يحتفظ في الوقت نفسه باستقلاله النقدي عن الدولة والمعارضة والأحزاب والأيديولوجيات التي يتعاطف معها. وهكذا يصبح معيار المثقف التونسي الجديد ليس السؤال: إلى أي معسكر ينتمي؟ بل: هل يستطيع أن يقول لجماعته ما لا ترغب في سماعه، وأن ينتقد خصومها دون شيطنتهم، وأن ينتقد سلطتها حين تصبح مهيمنة، وأن يحول المعرفة من أداة لتبرير الصراع إلى أداة لفهم المجتمع وإعادة بناء التعاقد السياسي؟ عند هذه النقطة يلتقي غرامشي وكريستيفا: الأول يمنح المثقف الجذر الاجتماعي والمسؤولية التاريخية، والثانية تمنحه المسافة النقدية والحق الدائم في التمرّد على برد الموثوقية.
مفهوم المثقف ومعنى القطيعة بين المثقف والفقيه في الفكر الإسلامي عند يحيى محمد
ينطلق المفكر العراقي يحيى محمد في بحثه لعلاقة المثقف بالفقيه من تحديد مفهوم المثقف بوصفه فاعلًا معرفيًا لا يقتصر دوره على امتلاك المعلومات أو ممارسة نشاط ذهني متخصص، بل يتصل أساسًا بالقدرة على فهم قضايا المجتمع وإنتاج الأفكار المؤثرة في حركته. فالمثقف قد يكون صاحب عمل فكري في مقابل العمل اليدوي، لكنه في معناه الأعمق هو من يمتلك معرفة واسعة واهتمامًا بالقضايا العامة، ويستطيع الانتقال من الاطلاع إلى الإدراك النظري ومن الفهم إلى إنتاج الرؤية. ولذلك يميز يحيى محمد بين المفكر أو المنظّر القادر على ابتكار الأفكار والمناهج، وبين المثقف العادي الذي يمتلك القدرة على استيعاب الأفكار وتمييزها وتبنّيها ونشرها. ومن هنا يصبح المثقف كائنًا معرفيًا واجتماعيًا في آن واحد، لأن معرفته مرتبطة بالواقع ومشكلاته وليست مجرد معرفة تخصصية مغلقة على ذاتها.
ويضع يحيى محمد هذه المسألة داخل خريطة أوسع لبنية الفكر الإسلامي الحديث، فيميز بين ثلاث دوائر معرفية هي: دائرة الفقيه والنصوصيين، ودائرة المثقف العلماني، ودائرة المثقف الديني. وهذه الثلاثية مهمة لأنها تكشف أن الصراع بين المثقف والفقيه ليس مجرد خلاف بين شخصين أو مهنتين، وإنما هو اختلاف بين أنماط في إنتاج المعرفة. فالفقيه كان تاريخيًا صاحب الاختصاص الديني الأكثر تأثيرًا في المجتمع، ومارس نوعًا من «الولاية العلمية» على العامة، بينما ظهر المثقف الحديث مع نشوء المؤسسات التعليمية والثقافية الحديثة واحتكاك المجتمعات الإسلامية بالحداثة. وقد تجلت هذه المنافسة بوضوح في مصر وبلاد الشام، حيث مثّل الأزهر المؤسسة التقليدية للفقيه، في حين أفرز التعليم الحديث مثقفين علمانيين ومثقفين دينيين إصلاحيين، الأمر الذي حوّل المجال الفكري من احتكار شبه كامل للفقيه إلى مجال تتنافس داخله مرجعيات معرفية متعددة.
أما القطيعة بين المثقف والفقيه فلا ينبغي فهمها، عند يحيى محمد، باعتبارها قطيعة مع الدين أو النص الديني، ولا باعتبارها مواجهة حتمية بين الإيمان والعقل، وإنما هي أساسًا قطيعة إبستيمولوجية ومنهجية في مصادر إنتاج المعرفة. فالفقيه يجعل النص المصدر التكويني المركزي لعقله، ولذلك تتحدد معرفته بقدر صلته بالنص وفهم دلالاته واستنباط الأحكام منه؛ أما المثقف، وخصوصًا المثقف الديني، فلا يحصر عملية المعرفة في مصدر واحد، بل يتجه بقوة نحو الواقع والتجربة والعقل والخبرة الإنسانية. ولهذا يقرر النص بوضوح أن «أساس القطيعة بين المثقف أو المفكر والفقيه» يعود إلى الاختلاف في المصدر المعرفي: النص يحتل الموقع التكويني الأعلى عند الفقيه، بينما يحتل الواقع موقعًا تأسيسيًا في تشكيل العقل الثقافي الحديث.
ويتعمق الاختلاف أكثر في كيفية التعامل مع النص والواقع. فالفقيه، بحسب هذه الأطروحة، يتحرك غالبًا من النص نحو الواقع، أي إنه يمتلك حكمًا أو تصورًا مستمدًا من النص ثم يبحث عن كيفية إسقاطه وتطبيقه على الوقائع؛ بينما يبدأ المثقف الديني من تفاعل مركب بين النص والواقع، فيقرأ الواقع ويحلل تحولاته ثم يعود إلى النص لاستكشاف مقاصده ومبادئه الموجهة. ولذلك يكون النص عند الفقيه مكوِّنًا للعقل بدرجة أكبر من كونه موجِّهًا له، في حين يصبح عند المثقف الديني موجِّهًا أكثر من كونه مادة تفصيلية مكتفية بذاتها. ومن هنا يميل المفكر إلى الارتباط الإجمالي بالنص وإلى استخراج مبادئه ومقاصده الكبرى، بدل الغرق في التفاصيل والجزئيات؛ وهو ما يفسر اهتمام يحيى محمد بالنزعة المقاصدية والإصلاحية لدى محمد عبده والكواكبي ومحمد إقبال ورشيد رضا، رغم اختلاف مواقعهم الفكرية.
وتظهر القطيعة كذلك في طبيعة العقل والمنهج والغاية. فالعقل الفقهي، وفق البناء الذي يعرضه النص، يميل إلى أن يكون عقلًا «بيانيًا جزئيًا» غايته المحافظة على دلالة النص وتنزيلها على الوقائع، بينما عقل المثقف الديني عقل نقدي تنظيري وعقلائي يرتبط بالواقع ولكنه لا يستسلم له، بل يحلله وينقده ويحاول اكتشاف قوانينه وأسبابه. ولذلك يفضل يحيى محمد مفهوم «العقلائية» على «العقلانية» لما يحمله المصطلح الثاني تاريخيًا من دلالات أيديولوجية مرتبطة بالصراع الغربي مع المرجعيات الدينية. والعقلائية المقصودة هنا تقوم على ضوابط العقل والواقع والنقد، وبذلك يصبح الفرق الحقيقي أن الفقيه يسأل غالبًا: كيف نطبّق الحكم على الواقع؟، بينما يسأل المثقف الديني: كيف نفهم الواقع وأسبابه وتحولاته في ضوء العقل والخبرة ومقاصد النص؟ وهذه النقلة من منطق التطبيق إلى منطق الفهم والتفسير هي أحد أعمق معاني القطيعة بين البنيتين المعرفيتين..
لكن النتيجة الأهم في أطروحة يحيى محمد ليست الدعوة إلى إلغاء الفقيه لصالح المثقف، بل تكشف الحاجة إلى تجاوز القطيعة نفسها بإعادة تركيب العلاقة بين النص والعقل والواقع. فالاختلاف بينهما يظهر في الهدف والوسيلة والقيمة والروح المعرفية: يميل الفقيه إلى «تديين الواقع»، بينما يسعى المفكر الديني إلى جعل التدين قادرًا على التحقق داخل شروط الواقع والمصلحة الإنسانية؛ ويواجه الفقيه الظاهرة، مثل الفساد الأخلاقي، بالموعظة والحكم، بينما يبحث المثقف عن أسبابها الاجتماعية والاقتصادية والثقافية الكامنة. ومع ذلك، تنتهي القراءة إلى أن الفصل الكامل بين النص والواقع يفضي إلى عجز معرفي: فلا يكفي النص دون معرفة الواقع، مثلما لا يكفي الواقع دون مرجعية قيمية ومقاصدية. ولذلك يمكن فهم المشروع في نهايته بوصفه بحثًا عن عقل إسلامي تركيبي يجمع قراءة الوحي بقراءة الواقع والكون، بحيث لا يبقى الفقه سجين الجزئيات، ولا يصبح المثقف منفصلًا عن المرجعية، بل تتأسس معرفة دينية جديدة تجمع النص والعقل والتجربة والتاريخ في عملية اجتهادية واحدة.
من الفقيه الشاهد إلى المثقف العضوي والمنشق
يمكن بناء المقارنة بين عبد المجيد النجار، وجيل كيبيل، وأنطونيو غرامشي، وجوليا كريستيفا، وثنائية «المثقف والفقيه» انطلاقًا من سؤال واحد: من هو الإنسان الذي يحوّل المعرفة إلى قوة اجتماعية وتاريخية؟ فالمثقف هنا ليس مجرد منتج للأفكار، وإنما وسيط بين المعرفة والمجتمع، وبين التصور النظري والعمل، وبين أزمة الواقع وإمكان تغييره.
غير أن هؤلاء لا ينطلقون من المرجعية نفسها. فعبد المجيد النجار يتحرك داخل أفق إسلامي حضاري، وغرامشي داخل فلسفة ماركسية تاريخية للهيمنة والصراع الطبقي، وكريستيفا داخل فضاء التحليل النفسي واللغة والأدب والتمرّد، بينما يدرس كيبيل المثقف والمناضل الإسلامي دراسة سوسيولوجية من الخارج أكثر مما يقدم نظرية معيارية لما ينبغي أن يكون عليه المثقف.
ولذلك ينبغي منذ البداية التمييز بين نظرية المثقف وسوسيولوجيا المثقف. غرامشي يسأل: ما وظيفة المثقف داخل الكتلة التاريخية؟ وكريستيفا تسأل: كيف يحافظ الفكر على قدرته على التمرّد؟ والنجار يسأل، ضمن مشروعه الحضاري الأوسع: كيف تتحول العقيدة والمعرفة والقيم إلى فاعلية حضارية؟ أما كيبيل فيسأل: كيف ظهر مثقفون إسلاميون جدد، ومن أين أتوا، وكيف حوّلوا الأفكار الإسلامية إلى خطاب تعبوي وسياسي؟
وهذا الفرق حاسم. فغرامشي والنجار، كل بطريقته، يفكران في المثقف من منظور البناء التاريخي؛ وكريستيفا تفكر فيه من منظور التحرر النقدي للذات؛ وكيبيل يحلله من منظور التكوين الاجتماعي والخطاب والحركة السياسية. ومن ثم لا يجوز دمج هذه الأطروحات في مفهوم واحد دون إبراز اختلاف منطلقاتها.
أولًا: عبد المجيد النجار والمثقف بوصفه فاعلًا في "الشهود الحضاري"
لا يضع عبد المجيد النجار، بالضرورة، نظرية مستقلة في «المثقف العضوي» على طريقة غرامشي، لكن مشروعه في الشهود الحضاري للأمة الإسلامية يسمح باستخراج تصور للفاعل العالم الذي يصل بين العقيدة والمعرفة والإصلاح والحضارة. وقد صدر مشروعه في أجزاء تتناول فقه التحضر وعوامله ومشاريعه، وهو ما يجعل السؤال عن النخب العلمية والفكرية جزءًا من سؤال أوسع عن النهوض.
يقوم مفهوم «الشهود» عند النجار على الانتقال من مجرد امتلاك الحقيقة في الوعي إلى جعلها حضورًا تاريخيًا نافعًا للإنسان. ولذلك يصبح العلم الذي لا يتحول إلى عمران وأخلاق وإصلاح اجتماعي علمًا ناقص الفاعلية الحضارية.
وتكشف الدراسات التي تناولت مشروع النجار أن بناء الحضارة لديه يرتبط بالاستخلاف والشهادة والارتفاق بالكون، وأن إصلاح العقيدة وتفعيلها في النفس والحياة يمثلان محركًا للتحضر، لا مجرد بناء اعتقادي منعزل عن التاريخ.
ومن هنا يمكن استنباط نموذج قريب مما نسميه المثقف الشاهد. فهو ليس مثقفًا محايدًا تجاه مصير مجتمعه، ولا فقيهًا يحصر وظيفته في إنتاج الأحكام الجزئية، وإنما صاحب معرفة يشارك في تحويل المرجعية الأخلاقية إلى مشروع إنساني وعمراني.
الفارق الأول بين النجار وغرامشي يظهر في مصدر الالتزام. فالمثقف العضوي عند غرامشي يرتبط تاريخيًا بجماعة اجتماعية وبمشروعها للهيمنة، بينما يستمد الفاعل الحضاري عند النجار معيار التزامه النهائي من المرجعية الإسلامية ومقاصد الاستخلاف والشهود.
لكنهما يلتقيان في رفض المعرفة المعزولة عن الممارسة. فالمعرفة التي تبقى في الكتب ولا تدخل المجتمع لا تستطيع عند كليهما أداء الوظيفة التاريخية المطلوبة منها.
كما يلتقيان في أن الأزمة ليست أزمة نقص في المعلومات فحسب. المجتمع قد يمتلك علماء وأساتذة ومؤسسات، ومع ذلك يظل عاجزًا عن بناء مشروع تاريخي إذا لم تتحول المعرفة إلى وعي وتنظيم وإرادة وممارسة.
بهذا المعنى يصبح المثقف عند النجار حلقة وصل بين القيمة والحضارة، مثلما يصبح عند غرامشي حلقة وصل بين الطبقة والوعي والهيمنة. الاختلاف يكمن في مضمون المرجعية، بينما يوجد تشابه بنيوي في الوظيفة الوسيطة.
ثانيًا: جيل كيبيل وظهور "المثقف الإسلامي الجديد"
تختلف حالة جيل كيبيل جذريًا؛ فهو ليس منظّرًا إسلاميًا للمثقف، وإنما باحث في الاجتماع السياسي للإسلام المعاصر. ومن أهم النصوص المبكرة ذات الصلة مقالته سنة 1985 عن العلماء والإنتلجنسيا والإسلاميين في مصر، ثم الكتاب الجماعي الذي أشرف عليه مع يان ريشار سنة 1990 بعنوان المثقف والمناضل المسلم المعاصر تكمن أهمية كيبيل في أنه لاحظ أن الحركات الإسلامية الحديثة أنتجت نمطًا من الفاعلين لا ينطبق عليه تمامًا نموذج العالِم التقليدي، ولا نموذج المثقف العلماني المتغرب. إنها نخب حديثة التكوين، كثير منها خرج من الجامعات والمؤسسات التعليمية الحديثة، ثم أعاد صياغة المرجعية الإسلامية داخل خطاب سياسي واجتماعي معاصر.
ومن هنا تظهر شخصية المثقف-المناضل. فهو لا يكتفي بتفسير الإسلام، بل يحاول تحويل تفسيره إلى برنامج للحركة الاجتماعية والسياسية.
وهذه النقطة تقرّب كيبيل بصورة لافتة من الإشكالية الغرامشية، رغم اختلاف المنطلق. فغرامشي يتحدث عن المثقف الذي يمنح الجماعة الاجتماعية التجانس والوعي بوظيفتها، وكيبيل يدرس فاعلين إسلاميين ينتجون تصورًا للعالم وقيمًا لتفسير الواقع والسعي إلى تغييره. وقد أشار كيبيل نفسه في مقالته سنة 1985 إلى العبارة الغرامشية الشهيرة حول الوظيفة الاجتماعية للمثقف.
غير أن كيبيل لا يقول إن المثقف الإسلامي هو «المثقف العضوي» بالمعنى الغرامشي الصارم. الأفضل القول إن دراسته تكشف وظائف تشبه الوظائف العضوية: إنتاج المعنى، صياغة الهوية، تفسير الأزمة، تعبئة الأنصار، وبناء خطاب مضاد للخطابات المهيمنة.
هنا يتجاوز المثقف الإسلامي الفصل التقليدي بين العالم والداعية والسياسي. فقد يكون مهندسًا أو طبيبًا أو أستاذًا أو طالبًا، ومع ذلك يمارس وظيفة إنتاج رؤية شاملة للمجتمع.
وهذا التحول بالغ الأهمية لفهم الإسلام السياسي الحديث؛ لأن المرجعية الدينية لم تعد تُنتج حصريًا داخل المؤسسة الفقهية التقليدية. الجامعة الحديثة والجمعية والحزب والنقابة والكتاب والصحافة أصبحت بدورها فضاءات لإنتاج خطاب ديني سياسي.
وبذلك يقدم كيبيل تفسيرًا سوسيولوجيًا لما يمكن أن نسميه انتقال جزء من السلطة التأويلية من الفقيه إلى المثقف المناضل. وليس المقصود اختفاء الفقيه، بل نشوء منافسين جدد له في تفسير علاقة الدين بالدولة والمجتمع والتاريخ.
ثالثًا: غرامشي والمثقف العضوي
عند أنطونيو غرامشي نجد النظرية الأكثر صراحة وتنظيمًا بين هذه التصورات. ففي دفاتر السجن يرفض التعامل مع المثقفين باعتبارهم طبقة مستقلة بذاتها، ويميز بين المثقفين التقليديين والمثقفين العضويين المرتبطين بتكوّن الجماعات الاجتماعية ووظائفها التاريخية.
عبارته الأساسية هي أن البشر جميعًا يمارسون قدرًا من النشاط الفكري، لكنهم لا يؤدون جميعًا وظيفة المثقف في المجتمع. وبالتالي فتعريف المثقف لا يتعلق أساسًا بالشهادة الجامعية أو المهنة، بل بالوظيفة التي يؤديها داخل شبكة العلاقات الاجتماعية.
المثقف العضوي هو الذي تنشئه جماعة اجتماعية صاعدة لكي يمنحها التجانس والوعي بوظيفتها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية. فهو مفكر ومنظم ومربٍّ ووسيط في الوقت نفسه.
لذلك لا ينبغي اختزال المثقف الغرامشي في الكاتب. المدير والتقني والمنظم والنقابي والحزبي والمعلم يمكن أن يؤدوا وظيفة فكرية بالمعنى الغرامشي الواسع.
هنا تصبح الصلة بين المثقف والمناضل قوية جدًا. فالنموذج الجديد للمثقف عند غرامشي لا يقوم على البلاغة وحدها، بل على المشاركة الفاعلة في الحياة العملية بوصفه بانيًا ومنظمًا وصانعًا للاتجاهات العامة.
وهذه هي النقطة التي تسمح بمقارنة غرامشي بالنجار. فكلاهما يرفض أن تكون المعرفة ترفًا، وإن كان غرامشي يربطها بالصراع الاجتماعي والهيمنة، بينما يربط النجار المعرفة بمشروع الاستخلاف والشهود والإصلاح الحضاري.
كما تسمح بمقارنته بكيبيل. فالمثقف الإسلامي الذي يخرج من الجامعة الحديثة ثم يدخل الحركة الإسلامية وينتج خطابًا عامًا قد يؤدي، من الناحية الوظيفية، بعض وظائف المثقف العضوي، حتى إن لم يكن غرامشيًا ولم يكن منتميًا إلى طبقة بالمعنى الماركسي.
لكن مفهوم الهيمنة ضروري لفهم المسألة. فالسلطة لا تستمر بالقوة وحدها؛ إنها تحتاج إلى إنتاج القبول والمعنى والثقافة و«الحس المشترك». والمثقفون من أهم الوسطاء في هذه العملية.
ولذلك فالصراع السياسي العميق هو أيضًا صراع على المدرسة والإعلام واللغة والتاريخ والدين والذاكرة والثقافة، أي على تعريف المجتمع لنفسه.
وهنا يتحول المثقف العضوي إلى عنصر في بناء كتلة تاريخية تستطيع أن تجمع قوى اجتماعية متعددة حول تصور مشترك للعالم ومشروع سياسي واجتماعي.
رابعًا: جوليا كريستيفا والمثقف المنشق
جوليا كريستيفا تقدم اتجاهًا مختلفًا. فلا توجد لديها نظرية مغلقة للمثقف العضوي مماثلة لنظرية غرامشي، والأدق أن نستخلص من أعمالها في الثورة والتمرّد والتحليل النفسي نموذجًا يمكن تسميته المثقف المنشق أو المتمرد.
فتربط كريستيفا التمرّد بإمكان الاستقلال والإبداع، وتبحث في العلاقة بين التحليل النفسي وقدرة الذات على إعادة مساءلة ما استقر فيها من سلطات ومعانٍ.
والتمرّد عندها ليس مساويًا ببساطة للاستيلاء على السلطة. إنه أيضًا عودة نقدية إلى الذات والذاكرة واللغة والمعنى، أي عملية تفكيك وإعادة تأسيس.
لذلك يختلف مثقف كريستيفا عن المثقف العضوي الغرامشي. الغرامشي يسأل أساسًا عن الارتباط العضوي بقوة اجتماعية، بينما تحذرنا كريستيفا، ضمنيًا، من أن الاندماج الكامل في أي جهاز عقائدي قد يقضي على وظيفة السؤال والنقد.
إذا كان المثقف العضوي يقول: «كيف أنظم إرادة جماعية؟»، فإن المثقف الكريستيفي يسأل أيضًا: «كيف أمنع الإرادة الجماعية من التحول إلى عقيدة مغلقة تسحق الفرد؟».
ولذلك تمثل كريستيفا قطبًا ضروريًا في المقارنة. فهي تذكّر بأن المثقف لا ينبغي أن يكون مجرد موظف أيديولوجي لدى الحزب أو الدولة أو الطبقة أو المؤسسة الدينية.
في نصها عن الأشكال الجديدة للتمرّد، تطرح كريستيفا سؤالًا عن معنى الثورة في زمن التحولات السياسية والإعلامية، وتعيد مركز الثقل إلى قدرة الإنسان على الاستفهام وإعادة التقييم وإعادة بناء التجربة.
ومن ثم يمكن تسمية نموذجها بـالمثقف الذي يحتفظ بمسافة نقدية. وهذه المسافة ليست انسحابًا من العالم، بل شرطًا لعدم ذوبان الفكر في التنظيم.
وهنا يظهر اختلاف عميق مع نموذج «المثقف المناضل» إذا فهمنا المناضل باعتباره ملتزمًا كليًا بخط تنظيمي. كريستيفا تجعل السؤال نفسه ممارسة مقاومة.
ولذلك فإنها تضيف إلى غرامشي بُعدًا مهمًا: لا يكفي أن نسأل لمن ينتمي المثقف؟ بل ينبغي أن نسأل أيضًا: هل بقي قادرًا على نقد الجماعة التي ينتمي إليها؟
خامسًا: المثقف والفقيه
تسمح ثنائية «المثقف والفقيه» بإعادة صياغة المشكلة داخل المجال العربي الإسلامي. فالفقيه يمثل تاريخيًا نمطًا من السلطة المعرفية يقوم على امتلاك أدوات فهم النص واستنباط الحكم، بينما يمثل المثقف الحديث سلطة معرفية تستمد جزءًا كبيرًا من أدواتها من العلوم الإنسانية والفلسفة والتاريخ والاقتصاد والسياسة.
ولا يعني ذلك وجود قطيعة مطلقة. فقد يكون الفقيه مثقفًا، وقد يكون المثقف ذا تكوين شرعي، وقد يجمع الشخص الواحد الوظيفتين.
المشكلة الحقيقية إذن ليست: «من الأفضل، المثقف أم الفقيه؟»، وإنما: كيف تتوزع سلطة إنتاج المعنى داخل المجتمع؟
الفقيه التقليدي يسأل غالبًا عن الحكم الشرعي وشروطه، بينما يسأل المثقف الحديث عن البنية الاجتماعية والتاريخية التي أنتجت الظاهرة. الأول يتحرك أساسًا داخل نظام معياري، والثاني يميل إلى التحليل التاريخي والسوسيولوجي.
لكن التحول الحديث جعل الحدود أكثر تعقيدًا. فحين يتحدث الفقيه عن الدولة والاقتصاد والديمقراطية والثورة يصبح مضطرًا إلى دخول حقول معرفية تتجاوز الفقه التقليدي.
وبالمقابل، حين يتحدث المثقف عن الإسلام دون معرفة كافية بالبنية الداخلية للعلوم الإسلامية، فإنه يخاطر بتحويل الدين إلى مجرد ظاهرة خارجية يقرأها بأدوات مستوردة من حقول أخرى.
لذلك يمكن بناء نموذج ثالث هو المثقف-الفقيه أو الفقيه-المثقف: شخص يجمع القدرة على قراءة النص بالقدرة على قراءة التاريخ.
وهذا النموذج يقترب من الإشكالية التي يثيرها مشروع عبد المجيد النجار؛ إذ لا يكفي لديه استنباط الأحكام، بل ينبغي الانتقال إلى فقه التحضر والعمران والشهود.
كما يفسر جزئيًا الظاهرة التي درسها كيبيل: ظهور نخب إسلامية حديثة لا تستمد شرعيتها من التكوين الفقهي التقليدي وحده، بل من قدرتها على صياغة خطاب عن المجتمع والدولة والعالم الحديث.
ومن هنا يصبح السؤال المركزي: هل يستطيع الفقيه أن يصبح قارئًا للبنية الاجتماعية، وهل يستطيع المثقف أن يصبح قارئًا جادًا للتراث والنص؟ هذه هي المسافة التي ينبغي تجاوزها لكي لا يتحول الأول إلى فقه بلا تاريخ والثاني إلى تاريخ بلا فقه.
سادسًا: المثقف والمناضل
العلاقة بين المثقف والمناضل تمثل المحور الثاني للمقارنة. المناضل يريد تغيير الواقع، والمثقف يريد فهمه، لكن التجارب التاريخية تكشف أن الفصل التام بين الوظيفتين مستحيل تقريبًا.
غرامشي هو الأكثر وضوحًا في دمجهما؛ فالمثقف الجديد لديه مشارك في الحياة العملية ومنظم، والحزب نفسه يؤدي وظيفة أساسية في تكوين المثقفين العضويين وربطهم بالقوى الاجتماعية.
وفي الحالة الإسلامية التي يدرسها كيبيل نجد التداخل نفسه بصورة مختلفة: المثقف ينتج الخطاب، لكنه يتحول كذلك إلى داعية ومنظم وفاعل سياسي.
أما النجار فيضيف البعد الأخلاقي الحضاري: الفاعلية لا تكتسب قيمتها لمجرد نجاحها في التعبئة أو السيطرة، وإنما بقدر ارتباطها بمقاصد الإنسان والعمران والقيم.
وكريستيفا تقدم التحذير المقابل: المناضل قد يفقد استقلاله النقدي حين يصبح التنظيم هو المصدر الوحيد للحقيقة.
وبذلك نستطيع رسم أربعة مواقع: النجار: المثقف الشاهد؛ كيبيل: المثقف-المناضل بوصفه ظاهرة سوسيولوجية؛ غرامشي: المثقف العضوي؛ كريستيفا: المثقف المنشق/المتمرد.
أما ثنائية المثقف والفقيه فتضيف موقعًا خامسًا: المثقف المترجم بين أنظمة المعرفة؛ أي الذي ينقل السؤال من النص إلى الواقع ومن الواقع إلى النص دون أن يلغي أحدهما الآخر.
وإذا جمعنا المواقع الخمسة، ظهر أن المشكلة الكبرى ليست في المعرفة ذاتها، وإنما في العلاقة بين المعرفة والانتماء والسلطة والممارسة.
سابعًا: لمن ينتمي المثقف؟
عند غرامشي لا يوجد المثقف خارج التاريخ الاجتماعي؛ حتى المثقف الذي يعتقد أنه مستقل تمامًا قد يكون مرتبطًا بتكوين تاريخي سابق، وهذا هو أحد أبعاد مفهوم «المثقف التقليدي».
وعند كيبيل يصبح الانتماء قابلًا للرصد سوسيولوجيًا: الجامعة، المهنة، الحركة، المسجد، التنظيم، الوسط الاجتماعي، الدولة، والمؤسسات الحديثة كلها تساعد في تفسير تكوين الخطاب.
أما النجار فيرفع الانتماء إلى مستوى حضاري وأخلاقي: الفاعل المسلم مسؤول عن تحويل القيم إلى شهادة نافعة للناس، وليس فقط عن الدفاع عن هوية جماعته.
بينما تجعل كريستيفا الانتماء نفسه موضوعًا للشك والمراجعة؛ فالذات لا ينبغي أن تتحول إلى نسخة مغلقة من هوية جماعية جاهزة.
وهنا يظهر التوتر الأعمق بين غرامشي وكريستيفا: غرامشي يريد مثقفًا أكثر عضوية، وكريستيفا تحتاج مثقفًا يحتفظ بإمكان الانشقاق.
لكن الجمع بينهما ممكن نظريًا إذا قلنا إن المثقف المطلوب هو عضوي بلا تبعية عمياء، ومنشق بلا عزلة اجتماعية.
ثامنًا: المثقف والسلطة
تكشف الأطروحات الخمس أن قضية المثقف هي في النهاية قضية سلطة. فالمعرفة تمنح صاحبها قدرة على تعريف الواقع: ما المشكلة؟ من المسؤول؟ ما الممكن؟ وما المشروع؟
عند غرامشي تدخل هذه القدرة في صناعة الهيمنة؛ فالمثقفون يعملون في المجال الذي يتقاطع فيه المجتمع المدني بالدولة، ويسهمون في تنظيم القبول الاجتماعي والقيادة الثقافية.
وعند كيبيل نرى كيف ينافس الخطاب الإسلامي خطابات أخرى على تفسير المجتمع، ولذلك يصبح الصراع حول الإسلام السياسي أيضًا صراعًا على من يمتلك شرعية تعريف الإسلام والحداثة والدولة.
وعند النجار لا تكون الغاية السيطرة الثقافية في ذاتها، وإنما تحويل المرجعية إلى مشروع حضاري قادر على خدمة الإنسان وتحقيق العمران.
وعند كريستيفا تصبح المهمة الأساسية مقاومة تصلب المعنى؛ فحين يتحول الخطاب إلى يقين مغلق يصبح التمرّد الفكري وسيلة لإعادة فتح إمكان السؤال.
أما في ثنائية المثقف والفقيه، فالسلطة المعرفية موزعة بين شرعية النص وشرعية المعرفة الحديثة، ويصبح الحوار بينهما جزءًا من الصراع حول إنتاج المجال العام العربي الإسلامي.
تاسعًا: تركيب النماذج الخمسة
يمكن تلخيص نموذج النجار بكلمة الشهادة: المعرفة مطالبة بأن تصبح حضورًا حضاريًا وأخلاقيًا في التاريخ.
ويمكن تلخيص منظور كيبيل بكلمة التحول: فالمجتمعات الإسلامية الحديثة شهدت تحولًا في منتجي الخطاب الديني والسياسي وظهور مثقفين ومناضلين من مؤسسات التعليم الحديثة إلى جانب العلماء التقليديين.
ويمكن تلخيص غرامشي بكلمة العضوية: قيمة المثقف التاريخية تتحدد بدرجة اتصاله بالقوى الاجتماعية وقدرته على تنظيم الوعي والإرادة وبناء القيادة الثقافية.
ويمكن تلخيص كريستيفا بكلمة التمرّد: لا حياة للفكر إذا فقد القدرة على مساءلة الموروث والسلطة والهوية، بل ومساءلة ذاته.
ويمكن تلخيص ثنائية المثقف والفقيه بكلمة الترجمة: ترجمة النص إلى تاريخ، وترجمة التاريخ إلى سؤال معرفي وأخلاقي، وترجمة المعرفة المتخصصة إلى وعي اجتماعي.
فإذا اجتمعت هذه العناصر حصلنا على نموذج مركب للمثقف: شاهدٌ عند النجار، وفاعل اجتماعي قابل للتحليل عند كيبيل، وعضوي عند غرامشي، ومنشق عند كريستيفا، ومترجم بين المرجعية والواقع في ثنائية المثقف والفقيه.
عاشرًا: نحو مفهوم «المثقف العضوي النقدي الشاهد
ربما تكون أهم نتيجة للمقارنة أن أي نموذج منفرد يظل ناقصًا. العضوية وحدها قد تنتهي إلى التبعية للحزب أو الجماعة؛ والانشقاق وحده قد يتحول إلى فردانية معزولة؛ والفقه بلا علوم المجتمع قد يعجز عن تشخيص الواقع؛ والتحليل السوسيولوجي وحده يصف الفاعلين لكنه لا يمنح بالضرورة معيارًا أخلاقيًا لممارساتهم.
لذلك يمكن اقتراح مفهوم تركيبي هو «المثقف العضوي النقدي الشاهد». وهو ليس مفهومًا ننسبه حرفيًا إلى واحد من هؤلاء المفكرين، بل تركيب مقارن بينهم: «عضوي» لأنه يعيش مشكلات مجتمعه؛ «نقدي» لأنه يحتفظ بمسافة تجاه سلطات جماعته؛ و«شاهد» لأنه يربط المعرفة بمسؤولية أخلاقية وحضارية.
وداخل المجال الإسلامي يمكن إضافة صفة رابعة: الاجتهادي. فالمثقف العضوي النقدي الشاهد لا يكرر أجوبة التراث ولا يقطع معه آليًا، وإنما يدخل في علاقة تأويلية مزدوجة: يفهم النص في بنيته ومقاصده، ويفهم الواقع بأدوات التاريخ والاجتماع والاقتصاد والسياسة. بهذا المعنى يصبح تجاوز التعارض بين «الفقيه» و«المثقف» ممكنًا عبر إعادة تعريف الوظيفتين معًا.
والخلاصة أن المقارنة لا تنتهي إلى نموذج ينتصر على بقية النماذج، بل إلى كشف خمسة أبعاد متكاملة ومتوترة في وظيفة المثقف: البعد الحضاري الأخلاقي عند عبد المجيد النجار، والتحليل السوسيولوجي للمثقف والمناضل الإسلامي عند جيل كيبيل، والعضوية والهيمنة عند أنطونيو غرامشي، والتمرّد والمسافة النقدية عند جوليا كريستيفا، وإشكالية توزيع السلطة المعرفية بين المثقف والفقيه. والسؤال الأكثر خصوبة يصبح عندئذ: كيف نصنع مثقفًا مرتبطًا بمجتمعه من دون أن يصبح أسيرًا لجماعته، ملتزمًا بقيمه من دون أن يتحول إلى داعية مغلق، مناضلًا من دون أن يفقد استقلاله، وفقيهًا بالواقع بقدر ما هو فقيه بالنص؟ هنا يلتقي «المثقف العضوي» و«المثقف المناضل» و«المثقف المنشق» و«المثقف الشاهد» في مشكلة واحدة: تحويل المعرفة إلى فعل تاريخي، مع إبقاء الفعل التاريخي خاضعًا للنقد والمعرفة والأخلاق.
المثقف الإسلامي وحركة النهضة: الفقيه، المثقف، المناضل، والمثقف العضوي بين 1981 و2026
تتيح المقارنة بين عبد المجيد النجار و أنطونيو غرامشي وجوليا كريستيفا وجيل كيبيل ، بناء شبكة تحليلية أوسع من السؤال التقليدي: «من هو المثقف؟». فالمسألة تصبح: من أين يستمد المثقف سلطته؟ ولمن يتكلم؟ وما علاقته بالجماعة والتنظيم والعقيدة والسلطة؟ ومتى يتحول من منتج للمعنى إلى مبرر للسلطة أو شاهد عليها؟ ومن هنا يمكن قراءة تجربة المثقف الإسلامي التونسي، وخصوصاً داخل حركة النهضة ومحيطها، بوصفها انتقالاً متوتراً بين أربع شخصيات: الفقيه، والمثقف، والمناضل، والمثقف العضوي، مع إمكان إضافة شخصية خامسة هي المثقف الشاهد.
نقطة الانطلاق عند غرامشي هي رفض اختزال المثقف في الكاتب أو الأستاذ أو الفيلسوف المحترف. فالمثقف عنده وظيفة اجتماعية: إنتاج التصورات، وتنظيم الثقافة، وربط جماعة اجتماعية معينة برؤية للعالم. ومن هنا تمييزه بين «المثقفين التقليديين» و«المثقفين العضويين»: فالأخيرون ينشأون في ارتباط بكتلة اجتماعية ويعملون على صياغة خبرتها ومصالحها في صورة وعي وتنظيم وقيادة. ولهذا يحتل المثقفون موقعاً أساسياً في العلاقة بين المجتمع المدني والدولة وفي إنتاج القبول والهيمنة.
إذا نقلنا هذا المفهوم بحذر إلى المجال الإسلامي، فإن «المثقف العضوي الإسلامي» ليس بالضرورة الفقيه الأكثر علماً بالنصوص، بل ذلك الفاعل القادر على تحويل المرجعية الإسلامية إلى لغة اجتماعية وسياسية وتاريخية يفهم بها قطاع من المجتمع ذاته وموقعه ومطالبه. وهنا يصبح السؤال التونسي مهماً: هل أنتجت الحركة الإسلامية منذ السبعينيات والثمانينيات مثقفين عضويين بالمعنى الغرامشي، أم أنتجت أساساً دعاة وقيادات حزبية ومناضلين؟
أما كريستيفا فتفتح مساراً مختلفاً. فهي لا تقدم نظرية مكتملة تحمل حرفياً اسم «المثقف المنشق» تقابل بصورة متناظرة «المثقف العضوي» الغرامشي؛ الأدق أن هذا نموذج يمكن تركيبه من كتاباتها عن التمرد، والغريب، والتحليل النفسي والذات. ولذلك ينبغي التمييز بين نص كريستيفا نفسه وبين التأويل الذي نستخرجه منه: المثقف هنا لا تُقاس قيمته فقط بقدرته على تمثيل جماعة، بل كذلك بقدرته على إبقاء السؤال والاختلاف والنقد مفتوحاً.
بهذا المعنى يقف غرامشي وكريستيفا عند قطبين متكاملين ومتوترين في آن واحد. غرامشي يسأل: كيف يصبح المثقف جزءاً من تكوين إرادة جماعية تاريخية؟ بينما تسمح كريستيفا بالسؤال: كيف يحافظ المثقف على المسافة النقدية التي تمنع الإرادة الجماعية من التحول إلى هوية مغلقة؟ الأول يضيء وظيفة الالتزام، والثانية تساعدنا على التفكير في خطر ذوبان الفكر في التنظيم.
عند عبد المجيد النجار يظهر مدخل ثالث مصدره الحقل الإسلامي نفسه. فالمشكلة ليست مجرد تمثيل طبقة أو ممارسة الانشقاق، وإنما العلاقة بين العقل والوحي، والثقافة والتدين، والفكر والعمل، والاجتهاد والواقع. ويمكن قراءة مشروعه باعتباره سعياً إلى نقل الفكر الإسلامي من التعامل الجامد مع الأحكام إلى فهم شروط تنزيلها التاريخي والاجتماعي، بحيث يصبح المثقف الإسلامي مشاركاً في تجديد الوعي الحضاري لا مجرد ناقل لموروث فقهي.
وهذا يغير موقع الفقيه. فالفقيه الكلاسيكي يسأل أساساً عن الحكم الشرعي، بينما يواجه المثقف الإسلامي الحديث أسئلة الدولة والاقتصاد والطبقات والديمقراطية والحقوق، والإعلام والعلاقات الدولية والحداثة. ومن ثم لا تكفي المعرفة الفقهية وحدها لإنتاج تصور سياسي حديث، كما لا تكفي الثقافة الحديثة المنقطعة عن البنية الدينية للمجتمع لفهم الفاعل الإسلامي.
أما كيبيل فيقدم مدخلاً سوسيولوجياً من خارج الحركة الإسلامية. ففي النبي والفرعون درس الإسلاميين المصريين عبر العلاقة بين النصوص العقائدية والبنية الاجتماعية والتنظيم والممارسة، متتبعاً طيفاً يمتد من الإخوان والوعاظ والجمعيات الطلابية إلى التنظيمات الأكثر راديكالية. وقد اهتم خصوصاً بكيفية اتصال المخيال الذي تنتجه النصوص بالواقع الاجتماعي في مصر السبعينيات.
تكشف قراءة كيبيل أن «المثقف الإسلامي» لا يعمل في فراغ. فالنص قد ينتجه مفكر، لكن الجامعة والمسجد والسجن والجمعية والتنظيم والحركة الطلابية ووسائل الاتصال تحوله إلى قوة اجتماعية. وتبرز دراسته لموقع سيد قطب مثالاً على انتقال الكاتب من الإنتاج الأدبي والفكري إلى المرجعية الأيديولوجية التي تعيد جماعات لاحقة قراءتها في ظروف سياسية مختلفة.
ومن جمع هذه المقاربات الأربع يمكن بناء مربع تحليلي: غرامشي يفسر الارتباط بالجماعة والهيمنة؛ كريستيفا تضيء المسافة النقدية والتمرد؛ النجار يطرح التجديد والاجتهاد الحضاري؛ وكيبيل يحلل انتقال الأفكار من النص إلى التنظيم والحركة الاجتماعية. ولا يعني الجمع بينها أن أصحابها يقولون الشيء نفسه، بل إن اختلافهم هو ما يجعل المقارنة منتجة.
من الفقيه إلى المثقف الإسلامي
عند تطبيق هذا الإطار على تونس ينبغي العودة إلى ما قبل الإعلان الرسمي عن حركة الاتجاه الإسلامي سنة 1981. فقد تشكلت الحركة الإسلامية في فضاء جمع بين المسجد والجامعة والحلقة الثقافية والكتاب والمجلة والنشاط الدعوي. ولذلك لم يكن «المثقف الإسلامي» التونسي مجرد امتداد للشيخ الزيتوني، بل ظهر داخل جيل جامعي يقرأ التراث الإسلامي إلى جانب الفكر القومي والماركسي والوجودي والأوروبي الحديث.
إعلان حركة الاتجاه الإسلامي في 6 يونيو/حزيران 1981 مثّل انتقالاً نوعياً من المجال الدعوي والثقافي إلى المجال السياسي المنظم. ومنذ تلك اللحظة أصبح المثقف الإسلامي أمام مشكلة جديدة: لم يعد مطلوباً منه فقط تفسير الإسلام أو الدفاع عن الهوية، وإنما المساهمة في تحديد البرنامج والتحالفات ومفهوم الدولة والحريات والاقتصاد وموقع الحركة من الديمقراطية.
هنا يمكن التمييز بين الفقيه والمثقف والمناضل. الفقيه ينتج الشرعية المعيارية؛ والمثقف ينتج المفاهيم والتأويلات؛ والمناضل يحول القناعة إلى ممارسة وتنظيم وتعبئة. لكن تاريخ الحركة الإسلامية التونسية يكشف أن هذه الوظائف كثيراً ما اجتمعت في الأشخاص أنفسهم، الأمر الذي منحها قوة في مراحل التأسيس لكنه أنتج أيضاً التباساً بين المعرفة والقرار التنظيمي.
فالقيادي الذي يكتب ويخطب ويفتي ويحدد الاستراتيجية السياسية ويشرف على التنظيم يختزن سلطات متعددة. وهنا تظهر أهمية غرامشي: المثقف العضوي الناجح ليس مجرد «مثقف حزبي» يبرر كل قرارات الحزب، بل فاعل يساعد جماعته على الانتقال من وعي جزئي إلى تصور أوسع للعالم. ومن ثم فإن العضوية غير التبعية هي المشكلة المركزية.
ويمكن في هذا السياق قراءة راشد الغنوشي بوصفه حالة تتداخل فيها وظائف المفكر والمنظّر والقيادي والمناضل السياسي. فإنتاجه الفكري حول الحريات والدولة والمواطنة والديمقراطية كان مرتبطاً في الوقت نفسه بمسار حركة سياسية فعلية، مما يجعل تجربته مناسبة لدراسة إمكانات المثقف العضوي وحدوده، من دون اختزال تقييم الأفكار في تقييم الحزب أو العكس.
أما عبد الفتاح مورو فيمثل صيغة مختلفة نسبياً، حيث يتداخل الداعية والخطيب والمحامي والسياسي. وتكشف المقارنة بين النماذج القيادية المبكرة أن الإسلام السياسي التونسي لم ينتج نمطاً واحداً من المثقف، بل أشكالاً متعددة تراوحت بين المرجعية الشرعية، والخطابة الجماهيرية، والتنظير السياسي، والعمل التنظيمي.
ومن هنا تصبح الثمانينيات مرحلة المثقف المؤسس. كانت الأسئلة كبرى ومفتوحة: ما الإسلام الذي تريد الحركة تمثيله؟ ما الدولة؟ ما الديمقراطية؟ ما حدود الشريعة؟ ما العلاقة باليسار والقوميين؟ وما موقع تونس بخصوصيتها الإصلاحية والزيتونية والبورقيبية من التجارب الإسلامية المشرقية؟
غير أن الصدام مع الدولة غيّر تدريجياً وظيفة المثقف. فعندما يتعرض التنظيم للملاحقة والمحاكمات والسجون والمنفى، تصبح المحافظة على الجماعة نفسها أولوية. وهنا يتحول جزء من المثقفين من منتجي الأسئلة إلى منتجي خطاب الصمود والهوية والذاكرة والمظلومية والمقاومة. وهذه ليست نتيجة فكرية خالصة، بل أثر لبنية الصراع السياسي.
وفي التسعينيات خصوصاً أصبحت تجربة السجن والمنفى عنصراً حاسماً في تشكيل الوعي الإسلامي التونسي. ويمكن هنا إدخال مفهوم «المثقف الشاهد»: الشخص الذي لا يتحدث فقط باسم عقيدة أو تنظيم، بل يحمل ذاكرة تجربة تاريخية ويشهد على السجن والمنفى والتحولات الداخلية للمجموعة. إلا أن الشهادة لا تعفيه من النقد؛ فالذاكرة يمكن أن تتحول بدورها إلى سردية مغلقة إذا لم تُقارن بذاكرات الآخرين ووثائق المرحلة.
وهنا تظهر فائدة كريستيفا: أخطر ما يمكن أن يصيب المثقف المنتمي إلى جماعة تعرضت للقمع هو أن يصبح الانتماء بديلاً عن التفكير. فالمسافة النقدية ضرورية حتى تجاه الجماعة التي ينتمي إليها المثقف، وإلا تحول من شاهد إلى حارس للذاكرة التنظيمية.
2011: انتقال المثقف من المعارضة إلى الدولة
مثّلت ثورة 2010–2011 تحولاً جذرياً في وظيفة المثقف الإسلامي التونسي. فقد انتقل كثير من الإسلاميين من موقع المحظور أو المعارض إلى المجال القانوني والمؤسسات المنتخبة والحكومة والمجلس التأسيسي والإعلام. وهنا انتهى زمن كان يمكن فيه تفسير أغلب المشكلات بالعلاقة مع السلطة، وبدأ اختبار مختلف: كيف تتحول الثقافة المعارضة إلى ثقافة حكم؟
ويمكن صياغة المعضلة الغرامشية للنهضة بعد 2011 على النحو التالي: هل تستطيع الحركة الانتقال من تمثيل جمهور إسلامي إلى المشاركة في بناء كتلة تاريخية تونسية أوسع؟ فالهيمنة بالمعنى الغرامشي لا تعني السيطرة القسرية، وإنما القدرة على بناء قدر من القبول حول تصور مشترك للمجتمع. .
لذلك لم يعد المطلوب من المثقف النهضوي الدفاع عن شرعية وجود الحركة فحسب، بل التفكير في الدولة الوطنية المشتركة وفي مصالح فئات لا تنتمي إليها. وهذا الانتقال من مثقف الهوية إلى مثقف الدولة أصعب بكثير من الانتقال الانتخابي من المعارضة إلى الحكومة.
وهنا برز التوتر بين الفقيه والسياسي. ففي المعارضة يمكن للموقف المبدئي أن يبقى مجرداً نسبياً؛ أما الحكم فيفرض الميزانية والتفاوض والتنازل وإدارة البيروقراطية والسياسة الخارجية والأمن. وبذلك أصبح السؤال: هل ينتج الفقه السياسي للحركة حلولاً للمجتمع، أم تسبق الممارسةُ النظريةَ ثم يبحث المثقف لاحقاً عن تبريرها؟
وتظهر كذلك مشكلة المثقف والمناضل. فالمناضل يحتاج إلى الانضباط والثقة والوحدة التنظيمية، بينما يحتاج المثقف إلى السؤال والشك والنقد وإمكان الاعتراض. وعندما تكون قيمة الانضباط أعلى دائماً من قيمة النقد، ينكمش المجال الفكري للحزب مهما كان عدد المتعلمين داخله.
من هنا يمكن تفسير مفارقة مهمة: قد يمتلك الحزب آلاف الجامعيين ولا يمتلك بالضرورة مجالاً فكرياً حياً. فالمثقف ليس حاملاً للشهادة الجامعية، وإنما منتج أسئلة ومفاهيم وتأويلات يمكنها مراجعة مسلمات الجماعة نفسها. وهذه النقطة بالذات تجعل كريستيفا تصحيحاً ضرورياً لقراءة غرامشي قراءة تنظيمية ضيقة.
كما يمكن استخدام النجار لتوجيه سؤال آخر: هل استطاع الفكر الإسلامي التونسي تطوير فقه للتدين في الدولة الديمقراطية يتجاوز فقه الوصول إلى الشرعية؟ فالمجتمع الحديث لا يحتاج فقط إلى جواب «هل الديمقراطية جائزة؟»، بل إلى نظرية في المواطنة والمؤسسات والسياسات العمومية والتفاوت الاجتماعي والاقتصاد والتعليم والثقافة.
ولذلك كان أحد تحديات النهضة خلال عشرية الانتقال الفارق بين التطور السياسي والتطور الفكري. فالسياسة فرضت تنازلات وتسويات وتحالفات بسرعة أكبر من سرعة إنتاج نظرية متماسكة تشرحها. وهذا يفسر جانباً من الفجوة التي ظهرت أحياناً بين الخطاب المرجعي القديم والممارسة البراغماتية الجديدة.
يمكن قراءة إعلان النهضة في مؤتمرها العاشر سنة 2016 التمييز بين النشاط الدعوي والنشاط السياسي ضمن هذا المسار الطويل لإعادة تعريف الذات. لكن السؤال الأعمق لم يكن تنظيمياً فقط: إذا أصبح الحزب سياسياً مدنياً، فمن ينتج فكره الديني والثقافي؟ وهل ينشأ مجال فكري مستقل بجواره، أم يترك الفراغ للفاعلين الدينيين التقليديين أو للثقافة التنظيمية الموروثة؟
هنا يصبح الفصل بين الحزب والمجال الفكري ضرورياً تحليلياً. فالحزب تحكمه الانتخابات والتحالفات والقرارات اليومية؛ أما الفكر فيحتاج إلى زمن طويل واستقلال نسبي ومؤسسات بحث ومجلات ونقاشات لا تكون وظيفتها الدفاع الإعلامي عن القيادة. لذلك فإن أي مشروع لتجديد الفكر الإسلامي يحتاج إلى استقلال المثقف عن الجهاز مع بقائه منخرطاً في قضايا مجتمعه.
من أزمة الانتقال إلى أزمة المثقف الإسلامي
بعد انقلاب 25 جويلية 2021 دخلت النهضة، مثل بقية الفاعلين السياسيين التونسيين، سياقاً مختلفاً جذرياً. ولا يمكن اختزال المرحلة اللاحقة في صراع ثنائي بين السلطة والنهضة، إذ شملت الإجراءات والملاحقات أطيافاً مختلفة من المعارضة، والنشطاء، والمحامين، والإعلاميين. وتشير تقارير حقوقية حديثة إلى استمرار سجن قيادات من النهضة، ومن بينهم الغنوشي المعتقل منذ أبريل/نيسان 2023، ضمن سياق أوسع من الملاحقات السياسية والقضائية.
وبالنسبة إلى المثقف الإسلامي، يعيد هذا السياق إحياء مشكلة الثمانينيات والتسعينيات، ولكن في شروط مختلفة: هل يعود إلى خطاب المظلومية والمقاومة وحده، أم يحول الأزمة إلى مناسبة لمراجعة تجربة الحكم والانتقال الديمقراطي والتنظيم نفسه؟ الفرق بين المناضل والمثقف الشاهد يظهر هنا بأوضح صورة: الأول يدافع عن الجماعة، والثاني يوثق ما تتعرض له ولكنه يراجع تجربتها أيضاً.
المثقف الشاهد بهذا المعنى لا يقف في منتصف ميكانيكي بين السلطة والمعارضة. وظيفته هي المحافظة على استقلال معيار الحقيقة: يوثق الانتهاك حين يقع، ويفحص أخطاء الحركة حين توجد، ويميز بين المسؤولية القانونية والمسؤولية السياسية والأخلاقية، ويرفض تحويل الخصومة السياسية إلى سبب لتعطيل النقد.
ومن هنا يمكن تطوير غرامشي نفسه: المثقف العضوي يحتاج إلى لحظة انفصال نقدي عن عضويته كي يظل مثقفاً. فالعضوية بلا مسافة تنتج الدعاية، والمسافة بلا انخراط قد تنتج عزلة أكاديمية. أما المثقف الشاهد فيجمع بين الانتماء إلى التاريخ والقدرة على محاكمته.
وتسمح كريستيفا بإضافة مستوى ذاتي إلى ذلك: المراجعة ليست مجرد تغيير في البرنامج السياسي، بل مراجعة للهوية التي صنعها التنظيم في أعضائه. فالحركة الطويلة تصنع لغتها وذاكرتها ورموزها ومحرماتها، وبالتالي يصبح التجديد الفكري مستحيلاً تقريباً ما لم يمتلك المثقف القدرة على مساءلة هذه البنية الرمزية.
أما كيبيل فينبه بصورة غير مباشرة إلى ضرورة عدم دراسة الفكر الإسلامي من خلال كتب قادته وحدها. فكتابه عن مصر أبرز تعدد البيئات والتيارات والفاعلين: الطلاب والوعاظ والتنظيمات القانونية والراديكالية والعلماء وغيرها، وعلاقة الأفكار بالبنى الاجتماعية وبالمثل، لا ينبغي اختزال النهضة التونسية في كتابات قيادتها؛ إذ ينبغي دراسة القواعد والأجيال والنساء والشباب والمنفيين والسجناء والكوادر المهنية والمنشقين عنها ومحيطها الاجتماعي.
وبذلك يمكن اقتراح أربعة أجيال وظيفية، لا زمنية صارمة، للمثقف الإسلامي التونسي: جيل التأسيس الذي سأل عن الهوية والمشروع؛ جيل المحنة الذي حمل ذاكرة السجن والمنفى؛ جيل الانتقال الذي واجه أسئلة الدستور والدولة والحكم والتوافق؛ ثم جيل المراجعة الذي يجد نفسه منذ 2021 أمام سؤال حصيلة التجربة ومستقبل الحركة والفكر الإسلامي السياسي. وقد تتداخل هذه الأجيال في الشخص الواحد.
والتحدي حتى 2026 ليس مجرد إعادة بناء التنظيم. المسألة الأعمق هي ما إذا كان المجال الإسلامي التونسي يستطيع إنتاج مثقف ما بعد التنظيم: ليس بمعنى العداء للحزب، وإنما المثقف الذي لا يستمد شرعيته المعرفية من مرتبته التنظيمية، ولا ينتظر من القيادة تحديد حدود السؤال المسموح به. وهذا المثقف يحتاج إلى الاشتباك مع الاقتصاد السياسي وعلم الاجتماع والفلسفة والقانون والتاريخ، إضافة إلى المعرفة الدينية.
وعند هذه النقطة تلتقي المقاربات الأربع دون أن تذوب إحداها في الأخرى: من غرامشي نأخذ سؤال العضوية والهيمنة والكتلة التاريخية؛ ومن كريستيفا نستخلص أهمية التمرد والمسافة النقدية ومساءلة الهوية؛ ومن النجار سؤال العقل والاجتهاد وتجديد التدين والشهود الحضاري؛ ومن كيبيل المنهج الذي يعيد ربط النص بالمجتمع والتنظيم ومسارات الفاعلين. والنتيجة ليست نظرية جاهزة، بل جهاز مفاهيمي لدراسة الحالة التونسية.
وعليه فإن المسار من 1981 إلى 2026 يمكن قراءته بوصفه انتقالاً غير مكتمل من الفقيه إلى المثقف، ومن المثقف إلى المناضل، ومن المناضل إلى المثقف العضوي، ومن المثقف العضوي إلى المثقف الشاهد. والمشكلة المركزية التي تكشفها تجربة النهضة ليست الاختيار النهائي بين هذه الشخصيات، بل إيجاد علاقة جديدة بينها: فقيه يجتهد ولا يحتكر الحقيقة، ومثقف ينتقد ولا يعتزل المجتمع، ومناضل يلتزم من دون تعطيل عقله، ومثقف عضوي ينتمي من دون أن يتحول إلى مبرر للتنظيم، ومثقف شاهد يحفظ ذاكرة القمع كما يحفظ ذاكرة الأخطاء. عندئذ يمكن أن ينتقل السؤال من «كيف يدافع المثقف الإسلامي عن الحركة؟» إلى السؤال الأوسع: كيف يساهم المثقف ذو المرجعية الإسلامية، إلى جانب غيره من المثقفين والفاعلين، في إنتاج معرفة نقدية ومجال عام مشترك وتعاقد ديمقراطي يتجاوز حدود التنظيم والهويات المغلقة؟
أطروحة الدكتور عبد المجيد النجار والوعي الاستراتيجي لدى شباب الحركة الإسلامية
تمثّل أطروحة الدكتور عبد المجيد النجار أحد أبرز الجهود الفكرية داخل المجال الإسلامي المعاصر لإعادة بناء العلاقة بين العقيدة والعقل، وبين النص والواقع، وبين التدين والفعل الحضاري. فهي لم تتعامل مع الإسلام بوصفه منظومة شعائرية مغلقة، بل باعتباره مشروعًا لتكوين الإنسان القادر على الشهود الحضاري والإسهام في التاريخ. ومع ذلك، لم تتحول هذه الأطروحة، بالقدر المنتظر، إلى وعي استراتيجي واسع لدى شباب الحركة الإسلامية، ولا سيما في لحظات الحكم والقمع والسجون والاستقطاب السياسي.
لا يعود هذا القصور أساسًا إلى ضعف الأطروحة ذاتها، وإنما إلى وجود فجوة بين إنتاج المعرفة وتداولها داخل التنظيمات الإسلامية. فقد ظل فكر النجار متداولًا داخل دوائر محدودة من الباحثين والقيادات والمثقفين، بينما تلقّى الشباب تكوينًا حركيًا مبسطًا يقوم غالبًا على الخطب والدروس العامة والملخصات التنظيمية. وهكذا بقيت الأفكار العميقة حول العقلانية والفاعلية الحضارية وفقه الواقع بعيدة عن المناهج التربوية اليومية.
حاول النجار نقل الفكر الإسلامي من منطق الدفاع عن الهوية إلى منطق صناعة الفاعلية التاريخية، غير أن قطاعات من الحركة الإسلامية ظلت أسيرة السؤال الهوياتي: من نحن؟ وكيف نحمي إسلاميتنا؟ ولم تنتقل بما يكفي إلى السؤال الاستراتيجي: كيف نقرأ ميزان القوى؟ وكيف نبني الدولة؟ وكيف ننتج الاقتصاد والمعرفة والمؤسسات؟ لذلك غلبت حماية الهوية على امتلاك أدوات التأثير في الواقع.
الوعي الاستراتيجي لا يتكون بمجرد قراءة الكتب، بل يحتاج إلى مؤسسات تحوّل المفاهيم إلى مناهج تدريب ومراكز دراسات وأجهزة استشراف وآليات لصنع القرار. وقد افتقرت حركات إسلامية كثيرة إلى هذه الوسائط المؤسسية. فلم تُترجم مفاهيم النجار عن العقل والسنن والتسخير والشهود الحضاري إلى خرائط للمخاطر، أو دراسات للفاعلين، أو سيناريوهات لإدارة الحكم والأزمات.
هيمنت التربية الإيمانية والأخلاقية على تكوين الشباب، وهي تربية ضرورية لبناء الضمير والالتزام، لكنها لم تقترن دائمًا بتكوين سياسي واقتصادي وسوسيولوجي وقانوني مماثل. ولذلك نشأ انفصال بين صفاء المقصد وضعف القدرة على فهم الدولة الحديثة. كان الشباب مستعدين للتضحية، لكن عددًا مهمًا منهم لم يكن مهيأً لفهم البيروقراطية وشبكات المصالح والإعلام ومراكز النفوذ والعلاقات الدولية.
قامت الثقافة التنظيمية، في مراحل عديدة، على أولوية السمع والانضباط والمحافظة على وحدة الصف. ورغم ما لهذه القيم من أهمية في زمن المطاردة، فإنها قد تُضعف استقلالية التفكير إذا تحولت إلى بديل عن النقد والمراجعة. أما أطروحة النجار فتفترض عقلًا مسؤولًا وفاعلًا، يشارك في فهم الواقع وصناعة الموقف، ولا يكتفي بتلقي التعليمات من أعلى.
أنتج القمع الطويل عقلية البقاء أكثر مما أنتج عقلية البناء. فعندما تعيش الحركة تحت المراقبة والملاحقة والسجون والمنافي، تصبح المحافظة على التنظيم وحماية أفراده أولوية وجودية. وفي هذه البيئة تنكمش المساحة المخصصة للتفكير البعيد المدى، ويتحول العقل من الاستشراف إلى رد الفعل ومن ابتكار المستقبل إلى تجنب الضربة القادمة.
كما خلّفت السجون جروحًا نفسية عميقة لم تُعالَج بما يكفي داخل الحركات الإسلامية. فقد أنتج التعذيب والخوف والانقطاع عن المجتمع درجات متفاوتة من الحذر والشك والمرارة والرغبة في التعويض. وعندما انتقلت بعض هذه الحركات من السجن إلى الحكم، حملت معها ذاكرة المظلومية، لكنها لم تمتلك دائمًا المعرفة اللازمة لتحويل تلك الذاكرة إلى مشروع ديمقراطي ومؤسساتي جامع.
لم تُترجم فكرة «الإنسان الفاعل» في فكر النجار إلى سياسة حقيقية لتمكين الشباب داخل التنظيم. فقد ظل الشباب في حالات كثيرة قوة للتعبئة والانتخابات والاحتجاج والعمل الميداني، لا شريكًا كاملًا في بلورة الخيارات الاستراتيجية. وأدى ذلك إلى نشوء أجيال كثيرة الحماسة محدودة المشاركة في القرار، تنتظر الموقف الرسمي بدل أن تسهم في إنتاجه.
كان ضعف التداول القيادي عائقًا إضافيًا. فالوعي الاستراتيجي يحتاج إلى تعاقب الأجيال وتبادل الخبرات وإتاحة المجال للقيادات الجديدة كي تخطئ وتتعلم. أما حين تستمر النخبة التاريخية في احتكار التأويل السياسي والقرار التنظيمي، فإن الشباب يتحولون إلى ورثة للذاكرة النضالية أكثر من كونهم منتجين لرؤية جديدة تناسب عالمهم.
لم تكن لغة النجار، بما تحمله من كثافة أصولية وفلسفية ومقاصدية، سهلة التداول لدى جمهور شبابي اعتاد الخطاب الوعظي أو الإعلامي السريع. ولم تُنجز الحركة الوساطة التربوية المطلوبة لتبسيط هذه الأطروحة دون إفقارها. ولذلك بقيت كتب النجار محترمة ومقتبسة في المناسبات، لكنها لم تتحول إلى ثقافة سياسية يومية.
واجه الشباب الإسلامي أيضًا تحولات معرفية واتصالية ضخمة. فقد تشكل وعي الأجيال الجديدة عبر شبكات التواصل والصورة والخبر العاجل والخطابات المتنافسة، بينما استمر تقديم الفكر الإسلامي في صورة كتب مطولة ومحاضرات تقليدية. ولم تُصغ مفاهيم النجار في منصات رقمية ومساقات تفاعلية ومحاكاة سياسية ولغة بصرية قادرة على الوصول إلى الأجيال الجديدة.
ركّز جزء من الخطاب الحركي على سؤال «ماذا يقول الإسلام؟»، لكنه لم يمنح الاهتمام الكافي لسؤال «كيف يعمل الواقع؟». والفرق بين السؤالين جوهري: الأول معياري يحدد القيم والغايات، أما الثاني فيكشف المصالح والبنى والتوازنات وآليات السلطة. وقد سعى النجار إلى الجمع بين الهداية الشرعية وفهم السنن، إلا أن التكوين الحركي فصل أحيانًا بينهما.
لم تحظ العلوم الاجتماعية بالمكانة التي تستحقها داخل منظومات التكوين الإسلامي. فضعف دراسة علم الاجتماع السياسي والاقتصاد السياسي وعلم النفس الجماعي والإدارة الاستراتيجية جعل الشباب يفسرون الوقائع بمنظور أخلاقي محض. ومن ثم نُسبت الأزمات إلى الخيانة أو ضعف الإيمان أو سوء النيات، بدل تحليل المصالح الطبقية والمؤسسات العميقة وآليات الهيمنة.
أضعفت الثنائيات المبسطة القدرة على التفكير المركب: إسلامي وعلماني، حق وباطل، حركة ونظام، ثورة وثورة مضادة. غير أن الواقع السياسي لا يعمل بهذه الحدود الحادة؛ فهو يتكون من تحالفات مؤقتة ومصالح متغيرة ومؤسسات متداخلة. وأطروحة النجار، القائمة على التفاعل بين الوحي والواقع، كانت تتطلب تجاوز هذه الثنائيات نحو قراءة أكثر تركيبًا.
عندما وصلت حركات إسلامية إلى الحكم، وقع الانتقال بسرعة من خطاب الدعوة والمعارضة إلى مسؤوليات الدولة. ولم تكن هناك مرحلة كافية لإعادة بناء العقل الحركي بما يتلاءم مع منطق الحكم. فالعمل الدعوي يقوم على الإقناع وبناء الانتماء، بينما يقوم الحكم على القانون والتفاوض والموازنة بين المصالح وتوزيع الموارد واتخاذ قرارات قد تكون مؤلمة.
ظهر الخلط بين امتلاك الشرعية الانتخابية وامتلاك القدرة الفعلية على الحكم. فقد تمنح صناديق الاقتراع تفويضًا سياسيًا، لكنها لا تضمن السيطرة على الإدارة أو الاقتصاد أو الإعلام أو أجهزة القوة. وكان الوعي الاستراتيجي المستلهم من فكر النجار يقتضي دراسة الدولة باعتبارها شبكة معقدة من المؤسسات والمصالح، لا مجرد حكومة تفوز في الانتخابات.
لم يجرِ تطوير فقه كافٍ للقوة والسلطة. فقد أُعطي اهتمام كبير لمشروعية المشاركة السياسية والتعددية، لكن دراسة أدوات القوة الفعلية بقيت محدودة: من يصنع القرار؟ من يملك الموارد؟ من يتحكم في المعلومة؟ وكيف تعمل شبكات المال والإدارة والإعلام؟ لذلك فوجئ الشباب بالفارق الواسع بين الحضور الانتخابي والنفوذ الحقيقي.
كما غاب الاقتصاد السياسي عن جانب مهم من التكوين. فالحكم ليس إدارة للخلافات الثقافية وحدها، بل هو مواجهة للبطالة والديون والتفاوت الجهوي والاحتكار والفساد والتبعية. ولم تتحول فكرة العمران والاستخلاف والتنمية في أطروحة النجار إلى برنامج اقتصادي تفصيلي قادر على الجمع بين العدالة والنجاعة والسيادة الوطنية.
أسهمت الاستقطابات الأيديولوجية الشرسة في دفع الشباب إلى الخنادق المغلقة. فعندما يشعر الفرد بأن هويته ووجوده مستهدفان، يصبح أكثر استعدادًا للدفاع وأقل استعدادًا للنقد الذاتي. وهكذا استُهلكت طاقات كبيرة في الرد على الخصوم، بدل الاستثمار في بناء الكفاءة والمعرفة والبدائل السياسية والاجتماعية.
لعب الإعلام المعادي للإسلاميين دورًا في محاصرة أي محاولة لبناء خطاب متزن. فقد قُدمت الحركة الإسلامية في كثير من المنابر باعتبارها كتلة واحدة مغلقة، وربطت بأكثر التجارب تطرفًا في العالم الإسلامي. ودفع هذا الضغط قطاعات من الشباب إلى الدفاع الانفعالي عن الجماعة، بدل التمييز النقدي بين المرجعية الإسلامية والتجربة التنظيمية وممارسات القيادة.
وفي المقابل، لم ينجح الإعلام الحركي في تقديم أطروحة النجار بوصفها مشروعًا عامًا للمجتمع. فقد عُرضت أفكاره غالبًا داخل فضاء إسلامي يتحدث إلى ذاته، ولم تُربط بما يكفي بأسئلة المواطن اليومية: المدرسة والصحة والعمل والعدالة والحرية والبيئة. وبذلك لم يتحول مفهوم الشهود الحضاري إلى خطاب اجتماعي ملموس قابل للفهم والقياس.
كان من الضروري التمييز بين الفكر الإسلامي والفكر التنظيمي، لكن هذا التمييز لم يتحقق دائمًا. فالفكر الإسلامي مجال مفتوح للاجتهاد والنقد والتعدد، بينما يهدف الفكر التنظيمي إلى ضبط الموقف وتوحيد الحركة. وعندما يخضع الأول للثاني، تُقرأ أطروحة المفكر بقدر ما تخدم القرار القائم، لا بقدر ما تفتحه من أسئلة ومراجعات.
لم تتشكل حول فكر النجار مدرسة بحثية متكاملة تواصل تطوير مفاهيمه وتختبرها على الحالات الواقعية. فالأفكار الكبرى تحتاج إلى تلاميذ وباحثين ومختبرات معرفية ودراسات تطبيقية. ومن دون هذه المدرسة يبقى المفكر صوتًا فرديًا متميزًا، لكن تأثيره يتراجع أمام قوة العادات التنظيمية وضغط الأحداث اليومية.
عانت الحركة الإسلامية من انفصال نسبي بين أجيال السجون وأجيال الثورة والفضاء الرقمي. الجيل الأول يحمل خبرة القهر والصمود والمحافظة على التنظيم، بينما يحمل الجيل الجديد تطلعات الحرية والفردانية والمشاركة الأفقية. ولم تُستخدم أطروحة النجار لبناء حوار عميق بين الذاكرة النضالية القديمة وحساسية الشباب الجديدة.
أثّرت هجرة الكفاءات أيضًا في قدرة الحركة على إنتاج وعي استراتيجي. فقد ابتعد عدد من المتخصصين والباحثين بسبب المنافي أو الخلافات أو ضعف الاستفادة من خبراتهم. وأصبحت بعض القرارات تُصنع ضمن دوائر سياسية ضيقة، بينما بقي أصحاب المعرفة الاقتصادية والقانونية والاجتماعية خارج مراكز التأثير الفعلي.
من أوجه القصور كذلك غياب ثقافة التقييم. فالوعي الاستراتيجي لا يعني امتلاك رؤية ثابتة، بل القدرة على قياس النتائج وتصحيح المسار. وعندما تُفسر الإخفاقات دائمًا بالمؤامرة الخارجية أو عداء الخصوم، يُحرم التنظيم من التعلم؛ وعندما تُنسب بالكامل إلى الذات، يسقط في جلدها. المطلوب هو تحليل موزون يجمع بين أثر البنى الخارجية والمسؤولية الداخلية.
لقد أظهرت تجربة الحكم أن الأخلاقية وحدها لا تكفي لحماية المشروع السياسي. فحسن النية ونظافة اليد والتضحية قيم أساسية، لكنها تحتاج إلى كفاءة في إدارة الدولة وبناء التحالفات والتواصل مع المجتمع واستشراف الأزمات. وهذا هو المعنى العميق الذي كان يمكن استخلاصه من مشروع النجار: انتقال القيم من مستوى الوعظ إلى مستوى المؤسسة والسياسة العامة.
لا يزال فكر النجار قادرًا على الإسهام في تجديد وعي الشباب إذا أُعيد بناؤه ضمن مشروع تربوي واستراتيجي جديد. ويقتضي ذلك تحويل مفاهيم العقلانية والسنية والمقاصد والشهود الحضاري إلى مساقات في تحليل الدولة والاقتصاد والمجتمع، وإلى مختبرات لصناعة السيناريوهات، وتدريب الشباب على النقد، واتخاذ القرار، وإدارة الاختلاف والأزمات.
إن المشكلة، في نهاية التحليل، ليست أن أطروحة عبد المجيد النجار عجزت عن إنتاج الوعي الاستراتيجي، بل أن الحاضنة التنظيمية لم تُهيَّأ لاستيعاب إمكاناتها. فقد ظلت الأطروحة في مستوى المرجعية الفكرية، بينما بقي القرار السياسي خاضعًا لضغط اللحظة وذاكرة القمع ومنطق التوازنات الداخلية. ولن يتحول فكر النجار إلى قوة تاريخية إلا عندما يصبح الشباب شركاء في إنتاج المعرفة والقيادة والمستقبل، وعندما تنتقل الحركة الإسلامية من ثقافة الصمود وحدها إلى ثقافة الفهم والتخطيط والبناء.
خاتمة
تكشف المقارنة أن أزمة المثقف لا تكمن أساسًا في الاختيار بين الفقيه والمثقف، أو بين الالتزام والاستقلال، أو بين العضوية والانشقاق، وإنما في كيفية تركيب هذه الوظائف داخل شخصية معرفية قادرة على الجمع بين الانتماء والنقد. فعبد المجيد النجار يذكّر بأن المعرفة تفقد معناها الحضاري إذا لم تتحول إلى عمران وشهادة ومسؤولية؛ ويحيى محمد يكشف حدود العقل الذي يحتكر النص أو الواقع وضرورة إعادة بناء العلاقة بينهما؛ ويبيّن كيبيل كيف تتحول الأفكار إلى تنظيم وتعبئة وفعل سياسي؛ ويكشف غرامشي أن المثقف جزء من الصراع على الوعي والهيمنة وبناء الإرادة الجماعية؛ بينما تذكّر كريستيفا بأن المثقف يفقد إحدى أهم وظائفه عندما يذوب بالكامل في الحزب أو الجماعة أو السلطة. ومن تفاعل هذه النماذج يظهر أن المثقف الأكثر قدرة على أداء وظيفة تاريخية ليس المثقف المحايد المنسحب من المجتمع، ولا المثقف الأيديولوجي المندمج كليًا في جماعته، وإنما المثقف العضوي النقدي الشاهد الذي يجمع بين الارتباط بقضايا مجتمعه والقدرة الدائمة على مساءلة جماعته ومراجعة أفكاره.
وتمنح التجربة التونسية، وخصوصًا تجربة المثقف الإسلامي وحركة النهضة منذ 1981 إلى 2026، هذه الخلاصة مضمونًا تاريخيًا ملموسًا؛ إذ انتقل الفاعل الإسلامي خلالها بين مواقع الفقيه والداعية والمثقف والمناضل والسجين والمنفي والسياسي والبرلماني والحاكم والمعارض، وتغيرت تبعًا لذلك علاقته بالدولة وبالمجتمع وبالتنظيم وبالمعرفة ذاتها. ومن هنا لا يعود السؤال الحاسم: هل يحتاج المشروع الإسلامي إلى مزيد من الفقهاء أم إلى مزيد من المثقفين؟ بل يصبح: كيف ينتج فاعلًا يجمع فقه النص بفقه الواقع، والمعرفة بالمسؤولية، والالتزام بالاستقلال، والعضوية بالنقد، والمشاركة السياسية بالقدرة على مراجعة التجربة؟ عند هذه النقطة تتجاوز الدراسة البحث عن تعريف للمثقف إلى البحث عن شروط إعادة بنائه تاريخيًا؛ فالمثقف الذي تحتاجه تونس ليس لسانًا للدولة ولا مبررًا للحزب ولا حارسًا مغلقًا للأيديولوجيا، وإنما عقل نقدي منغرس في المجتمع، قادر على تحويل المعرفة إلى وعي، والوعي إلى فعل، والفعل إلى موضوع دائم للنقد والمراجعة، بما يجعل من الثقافة قوة في إعادة بناء المجال العام والتعاقد السياسي والمشروع الديمقراطي.