أعيش متعة فكرية هذه الأيام مع وائل حلاق وكتابه الاخير: "في الشريعة والدولة ونقد الحداثة... تأملات ومثاقفات".

وائل حلاق المتخصص في دراسة الشريعة الإسلامية من خارج المدرسة الاستشراقية ومن خارج المدرسة الإسلامية، قادته دراسته إلى ان يتحول اهتمامه من دراسة الشريعة إلى نقد الحداثة، على قاعدة ما أدت إليه دراسته للشريعة باعتبارها النظام المعرفي المتكامل القادر على وضع نظام الحداثة بما فيها ما بعد الحداثة موضع إمتحان عسير، بسبب جوهري ألا وهو الفصل بين الحقيقة والقيمة الذي يلخص المحصول المعرفي والعملي للحداثة الغربية.

سمعت بحلاق أوائل التسعينات من خلال حديث بشير موسى نافع عن إصداره الأول حول الشريعة باللغة الانجليزية، لكنني لم أقرأ له إلا بعد ذلك بعقدين من خلال كتابه: الدولة المستحيلة. كنت ولا زلت على عكس الكثيرين معجب بأطروحته التي بناها لا على قصور الإسلام والمسلمين عن تأسيس دولة إسلامية، ولكن على أساس أن الدولة المعاصرة، دولة الحداثة الغربية، لا يمكن ان تستوعب الإسلام ونظامه التشريعي القائم جوهريا على عدم الفصل بين الحقيقة والقيمة، وهو الفصل الذي على اساسه انبنت الدولة الحديثة، وإن أي محاولة للموائمة بينهما ستبوء بالفشل المحقق.

واضح من كل أعمال حلاق انه بقدر ما يحمل على الحداثة الغربية "حملة شعواء"، بقدر ما يرى في الشريعة الاسلامية النظام الممكن أو البديل، حيث يبدو كما لو انه النظام الوحيد الذي يعد الارتباط بين الحقيقة والقيمة سمته الأساسية المتفردة.

يبدو حلاق بعيدا عن أولائك المنبهرين بالشريعة كرد فعل على مآسي الحداث، ومن هنا فهو ليس منشغلا بتلبية رغبات الكثير من المسلمين الذين ينتظرون إسلامه وهو المسيحي الديانة كي يقيموا الأفراح. إن ما يعنيه هو الوصول إلى الحقيقة في مكابدة معرفية تجاوزت نصف قرن. وهو لا يتصور أيضا أن ما يحتاجه المسلمون هو مجرد نفض الغبار عن نظام تشريعي بله قانوني، ثم يقع تركيبه على الواقع المعاصر للمسلمين وربما حتى على غيرهم. إنه يكشف في الوقت نفسه عن مجهود استثنائي يجب على المسلمين القيام به للوصول إلى تمثل "جديد" للشريعة ليس منه محاولات "الاقتباس" أو "المواءمة" فضلا عن اللبوسات الشكلية التي لم يفتأ مفكرون وحركات وانظمة القيام بها.

يبدو حلاق من أنصار تطبيق قاعدة الخطان المتوازيان: فالشريعة الاسلامية والحداثة الغربية خطان متوازيان لا يلتقيان. لأنهما نظامين مختلفين بل متناقضين جذريا، وفي الوقت الذي يعلن فيه دون مواربة ان الحداثة الغربية ( وما بعد الحداثة) نظام لم يجر للبشرية بل وللطبيعة شيئا غير الخراب ( باستثناء الرفاه المادي على حساب كل شيء)، يرى في الشريعة نظاما شاملا بأسس اخلاقية شاملة لا تقتصر على تعامل الانسان مع الانسان ولكن مع كل شيئ في الحياة.

ربما يستعجل البعض لاعتبار حلاق لا يختلف عن اولائك الذين يفاخرون بتميز الإسلام، وبانه صالح لكل زمان ومكان، وانه قادر على قيادة البشرية وغير ذلك من العموميات، وما أدت إليه من سلوكات قاصرة أو فلوكلورية أو غاضبة. لا ... هو أبعد من ذلك بكثير ... إنه من من تلك الكوكبة من العلماء والمفكرين الذين أفرغوا طاقاتهم في البحث والتأمل العميق في الحداثة الغربية وانتهى بهم المطاف إلى قصورها البنيوي وخطرها الجوهري وعدائها للانسان وكل ما على الارض وما فوقها وما تحتها.

ربما استفز الكثيرين ما يكتبه حلاق، وقد شبهه البعض بما يسمونهم الاصوليون الكبار وعلى رأسهم سيد قطب. وهو ولا شك يلتقي في نقطة ما من طريقه مع سيد المفكر الاستثنائي في زمنه وليس سيد المتخيل أو سيد المصطنع. وهو أيضا قريب من ملك بن نبي في عمقه التحليلي للحضارة الغربية، وكذلك لعبدالوهاب المسيري وخاصة لطه عبدالرحمان الذي يلتقي معه كثيرا ليس في الجانب النقدي وجانب النقض للحداثة الغربية فقط، ولكن أيضا في اعتبار الأخلاق الفارق الجوهري بين الإسلام والغرب، وأن الغرب بدون الأخلاق هو حضارة بدون روح وبدون معنى، ومن فقد الروح والمعنى فقد فقد إنسانيته.

تاريخ أول نشر 2026/5/15