ليس من السهل ابتلاع مذكرة التفاهم التي وُقّعت بين الولايات المتحدة وإيران كما هي، أو الاطمئنان إلى ظاهرها بوصفها مجرد إعلان نوايا لوقف الحرب وفتح باب التفاوض على اتفاق نهائي. فالنص، حتى في صيغته المعلنة، لا يبدو وثيقة تقنية باردة تنظم هدنة عسكرية أو تمهد لصفقة نووية لاحقة، بقدر ما يبدو أقرب إلى ترجمة أولية لتحول سياسي واستراتيجي أعمق في طريقة واشنطن في النظر إلى إيران، وفي طريقة إدارة الشرق الأوسط نفسه. ولذلك لا يكفي أن نسأل: ماذا أخذت إيران وماذا أعطت؟ بل ينبغي أن نسأل قبل ذلك: أي منطق سياسي واستراتيجي أتاح أصلًا ولادة مذكرة بهذا الميل الواضح إلى تلبية المطالب الإيرانية الأساسية، ولو على سبيل الوعد المؤجل أو التنفيذ المرحلي؟

ففي الوثيقة ما يصعب تفسيره إذا اكتفينا بقراءة سطحية من نوع “وقف حرب مقابل تفاوض لاحق”. ثمة وقف فوري للحرب على جميع الجبهات، بما فيها لبنان، وثمة إعفاءات نفطية ومالية مبكرة، وفتح للأصول المجمدة، ووعد برفع العقوبات وفق جدول تفاوضي، بل ووعد بخطة إعادة إعمار وتنمية لا تقل عن ثلاثمائة مليار دولار. وثمة، فوق ذلك كله، إدراج للبنان وهرمز والعقوبات والملف النووي في وثيقة واحدة، على نحو يجعلها أكبر من مذكرة لوقف النار وأوسع من تفاهم نووي أولي. وإذا كان صحيحًا أن جزءًا مهمًا من هذه البنود ما يزال رهين الاتفاق النهائي، فإن الصحيح أيضًا أن إيران نالت منذ لحظة التوقيع اعترافًا سياسيًا ضمنيًا بأنها ليست خصمًا ينبغي كسره، بل طرفًا لا بد من التفاوض معه على صورة الإقليم نفسه.

لهذا السبب تبدو المذكرة، في جوهرها، أقل شبهًا باتفاق 2015 مما قد يُخيّل للوهلة الأولى. اتفاق 2015 كان، في الأصل، اتفاقًا حول النووي مع آثار إقليمية غير مباشرة. أما هذه الوثيقة فتبدو معكوسة البناء: هي اتفاق إقليمي – أمني – سياسي واسع، جرى إدخال النووي إليه بوصفه أحد عناصره لا مركزه الوحيد. وهنا بالتحديد تكمن النقطة التي تبرر الشك في ظاهر النص، وتفتح الباب أمام سؤال أكبر: هل نحن أمام مجرد مناورة من دونالد ترامب لشراء الوقت ومنع الانفجار، أم أمام بداية عودة أمريكية إلى خيار قديم – جديد يقوم على تسوية ما مع إيران، لا باعتبارها مشكلة فقط، بل باعتبارها أيضًا جزءًا من الحل الذي تبحث عنه واشنطن في شرق أوسط أنهكها واستنزف أولوياتها الكبرى؟

الجواب ليس بسيطًا، لأن المذكرة نفسها صيغت بعناية تسمح لكل طرف أن يقرأ فيها ما يريد. لكنها، رغم ذلك، تتيح لنا استخلاص شيء مهم: واشنطن لم تعد تتصرف انطلاقًا من فرضية أن إيران قابلة للكسر، بل من فرضية أنها قوة لا يمكن حذفها من المعادلة. وهذا، في ذاته، تحول بالغ الدلالة. فطوال سنوات “الضغط الأقصى”، بدا كأن الهدف الأمريكي هو إرغام إيران على الانكفاء النووي والإقليمي معًا، أو دفعها إلى دفع أثمان متراكمة إلى حدّ يغير سلوكها جذريًا. أما الآن، فالمؤشرات توحي بأن واشنطن انتقلت، ولو جزئيًا، من منطق “تغيير السلوك بالقسر” إلى منطق “إدارة السلوك بالاحتواء والتفاوض”. ليس لأن إيران أصبحت صديقة، ولا لأن الولايات المتحدة اقتنعت بروايتها عن المنطقة، بل لأن الحرب الأخيرة كشفت حدود القوة وحدود العقوبات وحدود الرهان على إنهاك الخصم.

في هذا المعنى، يمكن القول إن مذكرة التفاهم لا تعكس فقط ميزان القوى بين واشنطن وطهران، بل تعكس أيضًا ميزان الإرهاق. الولايات المتحدة تريد أن تطفئ حربًا تزداد كلفتها على الملاحة والطاقة والانتشار العسكري، وتريد أن تمنع الملف الإيراني من الانفجار الكامل في لحظة تسعى فيها إلى تركيز مواردها الاستراتيجية على الصين لا على الشرق الأوسط. وإيران، من جهتها، تريد أن تخرج من الحرب بأقل الخسائر الممكنة، وأن تحصل على اعتراف عملي بأن العقوبات لم تكسرها، وأن شبكة نفوذها الإقليمي لا تزال جزءًا من شروط التفاوض لا مجرد هدف للتصفية. وبين الإرادتين نشأت هذه الوثيقة الهجينة: هدنة عسكرية، ومسار نووي، ووعد اقتصادي، وإطار أولي لإعادة توزيع بعض أدوار الإقليم.

من هنا تبدو القراءة التي تحصر الأمر في “تنازلات أمريكية غريبة” قراءة صحيحة جزئيًا، لكنها غير كافية. نعم، المذكرة، في ظاهرها، تميل إلى إيران. لكن هذا الميل لا يصبح مفهومًا إلا إذا افترضنا أن واشنطن لا تدفع ثمنًا نوويًا فقط، بل تدفع ثمن إعادة ضبط المسرح كله: هرمز، ولبنان، والاشتباك المباشر، وسوق الطاقة، وربما – وهذا هو الأهم – إعادة فتح باب تفاهم طويل مع إيران لا يرقى إلى التحالف، لكنه يتجاوز بكثير فكرة الهدنة العارضة.

وهنا تبرز الفرضية التي تبدو، للوهلة الأولى، مستفزة: هل تعود واشنطن إلى خيار إيراني شبيه، بصورة ما، بالخيار الذي حكم علاقتها بطهران في عهد الشاه؟ ليس المقصود هنا بالطبع استعادة الشاه حرفيًا، ولا تحويل الجمهورية الإسلامية إلى حليف أمريكي بالمعنى القديم، فهذا تبسيط ساذج لا يسنده الواقع ولا طبيعة النظام الإيراني ولا موقع إسرائيل والخليج من أي تسوية كهذه. لكن وراء المبالغة شيء يستحق التفكير: هل قررت الولايات المتحدة أن الشرق الأوسط لا يمكن إدارته من دون إيران، وأن الأكلاف المتراكمة للصراع معها باتت أعلى من أكلاف الاعتراف بها كقوة إقليمية يجب التفاهم معها ووضعها داخل قواعد لعبة جديدة؟

إذا صيغ السؤال على هذا النحو، فإنه يصبح أقل استفزازًا وأكثر واقعية. فالحديث ليس عن “شاه جديد”، بل عن إيران مُعترف بها ومُحتواة: لا قنبلة نووية، لا حرب مباشرة مع واشنطن، لا تعطيل مفتوح للملاحة والطاقة، وضبط نسبي للجبهات الإقليمية، في مقابل رفع تدريجي للخنق الاقتصادي والمالي، والقبول الضمني بأن طهران ليست تفصيلًا يمكن تجاوزه عند إعادة ترتيب الإقليم. بهذا المعنى، لا تكون المذكرة إعلانًا عن تحالف، بل إعلانًا عن نقلة في تعريف المشكلة الإيرانية نفسها: من خطر يجب استنزافه إلى قوة يجب تنظيم اشتباكها مع النظام الإقليمي الجديد.

ولعل ما يدعم هذا الاحتمال أن المذكرة لا تتعامل مع إيران بوصفها “ملفًا نوويًا” فقط، بل بوصفها فاعلًا إقليميًا ينبغي التفاهم معه على لبنان وهرمز والعقوبات والأموال والنفط. وهذا ليس تفصيلًا. فعندما يدخل لبنان في صلب الوثيقة، لا يعود الأمر مجرد تفاوض على نسب التخصيب أو على مصير اليورانيوم المخصب، بل يصبح تفاوضًا على البنية الردعية التي بنتها إيران على حدود إسرائيل. وحين تُدرج الملاحة في هرمز، لا يعود المقصود فقط تفادي إزعاج الأسواق، بل الاعتراف بأن إيران قادرة على التأثير في شريان الطاقة العالمي، وأن المطلوب ليس إنكار هذه القدرة بل تنظيمها ومنعها من التحول إلى سلاح انفجار دائم.

في هذا السياق، يصبح لبنان أكثر من مجرد بند جانبي. إنه، على الأرجح، المختبر الأول للمذكرة. فإدراج “إنهاء العمليات على جميع الجبهات بما فيها لبنان” و”ضمان وحدة أراضي لبنان وسيادته” ليس عبارة إنشائية، بل ترجمة لوعي أمريكي بأن الجبهة اللبنانية هي أكثر الساحات حساسية في العلاقة بين إيران وإسرائيل. وإذا كانت واشنطن تريد أن تطمئن إسرائيل إلى أن التفاهم مع طهران لن يأتي على حساب أمنها، وأن تطمئن إيران في الوقت نفسه إلى أن التهدئة لا تعني تسليم حزب الله للضربات الإسرائيلية، فإن الجنوب اللبناني يتحول تلقائيًا إلى حقل اختبار: هل يمكن إنتاج صيغة تجمّد الحرب، وتوسّع دور الجيش اللبناني، وتخفف احتكاك حزب الله المباشر بالحدود، من دون أن تُفضي إلى كسر الحزب أو إلى حرب جديدة؟ إذا نجح هذا النموذج، فإننا نكون أمام ما هو أكثر من وقف إطلاق نار؛ نكون أمام بداية إعادة تنظيم ميدان الاشتباك الإيراني – الإسرائيلي في المشرق.

وهنا يبرز سؤال إسرائيل. هل هي جزء من الصفقة أم ضحيتها المؤقتة؟ يصعب الدفاع عن فرضية تقول إن واشنطن أبرمت مذكرة بهذه الخطورة من وراء ظهر إسرائيل، أو من دون أخذ مصالحها الأساسية في الاعتبار. لكن يصعب بالقدر نفسه تصديق أن إسرائيل شريك كامل في صفقة تمنح إيران، منذ اللحظة الأولى، متنفسًا اقتصاديًا واعترافًا بدور إقليمي من دون أن تحسم الملف النووي أو ملف الصواريخ أو البنية الردعية لحزب الله. الأرجح أننا أمام وضع أكثر تعقيدًا: إسرائيل ليست صاحبة الصفقة، لكنها ليست خارجها أيضًا. لقد روعيت خطوطها الحمراء الأساسية – منع القنبلة النووية، تجنب الحرب الإقليمية الشاملة، ومحاولة تنظيم الجبهة اللبنانية – لكن من دون أن يعني ذلك أنها راضية عن كل ما في المذكرة أو مطمئنة إلى مآلاتها.

وهذا التوصيف مهم، لأنه يبدد قدرًا من المبالغة في فرضية “الاتفاق الثلاثي” من دون أن ينفي إمكان وجود تفاهمات أمريكية مع إسرائيل حول حدود المقبول والمرفوض في التفاوض مع إيران. بعبارة أخرى، ليس من الضروري أن تكون إسرائيل شريكًا كاملًا في الصفقة حتى تكون حاضرة في هندستها من الخلف. فالولايات المتحدة لا تستطيع هندسة تفاهم مع طهران يتجاهل كليةً موقع إسرائيل، لكنها قد تستطيع، إذا كانت كلفة الحرب مرتفعة بما يكفي، أن تمضي في تفاهم لا يرضي إسرائيل بالكامل، شرط أن يضمن لها الحد الأدنى: لا سلاح نووي إيراني، ولا انفجار لبناني خارج السيطرة، ولا حرب مباشرة واسعة.

غير أن النقطة الأكثر حساسية لا تتعلق بإسرائيل وحدها، بل بما غاب عن النص وحضر في خلفيته: فلسطين، وغزة تحديدًا. فمن يقرأ المذكرة يلاحظ بسرعة أنها لا تذكر غزة ولا فلسطين، مع أن الحرب التي أعادت تشكيل الإقليم منذ 2023 كانت، في جوهرها، حرب غزة وما تفرع عنها من جبهات. فهل يعني غياب فلسطين من النص أنها خارج الترتيب الجاري؟ أم أن هذا الغياب نفسه هو أخطر ما في المذكرة؟

الأرجح أن الخطر يكمن هنا بالضبط. فالمذكرة قد تكون، في أحد معانيها العميقة، محاولة لإعادة ترتيب الإقليم من فوق فلسطين لا من خلالها. أي أن واشنطن قد تكون توصلت إلى أن ضبط إيران، وتهدئة لبنان، وتأمين هرمز، وإغلاق الحرب، أولى – في هذه المرحلة – من الانخراط في معالجة سياسية حقيقية لجذر الانفجار الإقليمي: المسألة الفلسطينية. وإذا صحّ ذلك، فإن المذكرة لا تكون قد تجاهلت غزة فحسب، بل تكون قد وضعتها ضمنيًا في خانة الملف الذي ينبغي تحييده حتى لا يفسد إعادة تركيب المنطقة.

وهنا تتفرع أمامنا صورتان محتملتان، كلتاهما مقلقة. الصورة الأولى أن تسعى واشنطن إلى فصل إيران عن فلسطين: أي إلى بناء تفاهم مع طهران يجمّد التصعيد الإقليمي، من دون أن يسمح لغزة بأن تبقى ذريعة دائمة لتفجير الجبهات. في هذا السيناريو، تتحول غزة إلى ملف إنساني – أمني: هدنة طويلة، إعادة إعمار مشروطة، ترتيبات حكم أو إدارة، وربما محاولات لتحجيم حماس، لكن من دون أي أفق سياسي حقيقي للقضية الفلسطينية. أما الصورة الثانية فهي أن تكون غزة مرحلة مؤجلة من الصفقة نفسها: أي أن نجاح التفاهم مع إيران ولبنان قد يُستخدم لاحقًا لفرض مقاربة جديدة للقطاع، عنوانها إعادة الإعمار والاستقرار، لكن جوهرها الفعلي هو إدماج غزة في ترتيب إقليمي يهدف إلى نزع مركزيتها السياسية والعسكرية، لا إلى حل قضيتها.

في الحالتين، تبدو فلسطين الخاسر الأكبر من أي نجاح محتمل للمذكرة إذا تُركت خارج الحساب السياسي الحقيقي. فحين يُعاد التفاوض على إيران ولبنان وهرمز والعقوبات والطاقة، وتُترك غزة خارج النص، فإن المعنى الأكثر رجحانًا ليس أن غزة غير مهمة، بل أنها المشكلة التي يريد الجميع أن يديرها لا أن يحلها. وهذا هو أخطر ما في الأمر. لأن الترتيب الإقليمي الذي يولد من دون أن يمرّ من فلسطين، أو الذي يمرّ بها فقط بوصفها عبئًا أمنيًا ينبغي احتواؤه، لن يكون إلا إعادة إنتاج للصراع في صورة مؤجلة.

بل إن المفارقة الأشد دلالة هي أن إيران نفسها تستخدم غزة في خطابها التفاوضي من زاوية معاكسة تمامًا. فعندما يقال في طهران إن إيران من دون صواريخها ستصبح “مثل غزة”، فالمقصود ليس التعاطف الخطابي فحسب، بل تحويل غزة إلى حجة استراتيجية ضد أي مطالبة بتجريد إيران من عناصر ردعها. وبهذا المعنى، تكون غزة حاضرة حتى وهي غائبة عن النص: حاضرة في الوعي الإيراني بوصفها صورة لما يحدث لمن يُترك من دون قوة ردع، وحاضرة في الوعي الأمريكي – الإسرائيلي بوصفها الجرح الذي ينبغي منع تمدده إلى هندسة الإقليم الجديدة.

لهذا كلّه، لا تبدو المذكرة مجرد هدنة ولا مجرد صفقة نووية مؤجلة. إنها، في أفضل الأحوال، محاولة أمريكية لشراء استقرار إقليمي نسبي عبر احتواء تفاوضي لإيران؛ وفي أسوأ الأحوال، قد تكون الخطوة الأولى في إعادة ترتيب الشرق الأوسط على نحو يفصل بين “حل مشكلة إيران” و”حل المشكلة الفلسطينية”، بحيث تُعالج الأولى بوصفها ملف أمن وطاقة وتوازنات، بينما تُرحّل الثانية إلى إدارة أمنية وإنسانية طويلة الأمد.

ومع ذلك، ينبغي الحذر من الذهاب بعيدًا في اليقين. فالمذكرة ما تزال إطارًا أوليًا هشًا، لا اتفاقًا نهائيًا. وما يبدو اليوم تنازلًا أمريكيًا كبيرًا قد ينقلب غدًا إلى ورقة ضغط إذا تعثرت المفاوضات حول النووي أو حول لبنان. كما أن إيران نفسها لم تحصل بعد على المكاسب الكبرى بصورة نهائية؛ لقد حصلت على وعد بمسار رفع العقوبات والانفتاح، لا على تطبيع كامل منجز. ثم إن إسرائيل لم تقل كلمتها الأخيرة، وقد تسعى إلى إفشال أي مسار تشعر أنه يضفي شرعية على إيران من دون أن يقوّض قدراتها الردعية الأساسية. وهذا كله يعني أن المذكرة ليست خاتمة، بل بداية صراع جديد من نوع آخر: صراع على معنى التفاهم نفسه وحدوده ووظيفته.

لكن، حتى مع هذا التحفظ، يمكن المجازفة بخلاصة أولية: ما يجري لا يبدو مجرد استراحة في الحرب، بل أقرب إلى اختبار أمريكي لإمكان الانتقال من سياسة عزل إيران إلى سياسة الاعتراف بها كقوة إقليمية يجب تنظيمها لا استئصالها. وإذا صحّ هذا الاتجاه، فإن السؤال الحقيقي لن يكون فقط: ماذا ربحت إيران؟ بل أيضًا: أي شرق أوسط تريد واشنطن بناءه من خلال هذا الاعتراف؟ شرق أوسط تُحتوى فيه إيران، وتُضبط فيه إسرائيل، ويُعاد تنظيم لبنان، وتُؤمَّن فيه الطاقة، بينما تُترك فلسطين في غرفة الانتظار؟ أم شرق أوسط تُستخدم فيه هذه التهدئة لفرض تسوية أوسع قد تصل، ولو متأخرة، إلى الملف الفلسطيني نفسه؟

إلى الآن، لا توجد مؤشرات قوية تدعو إلى التفاؤل في ما يخص فلسطين. بل إن كل ما في المذكرة يوحي بأن غزة، بدل أن تكون مدخلًا لإعادة تعريف العدالة في الإقليم، قد تتحول إلى الملف الذي يُطلب منه ألا يزعج إعادة تعريف الاستقرار. وهذه، ربما، هي الحقيقة الأهم التي ينبغي التوقف عندها: فالمذكرة، مهما بدت في ظاهرها اتفاقًا مع إيران، قد تكون في باطنها اتفاقًا على تجاوز فلسطين مؤقتًا، أو على الأقل على تحييدها حتى لا تعطل الصفقة الأكبر.

من هنا، فإن السؤال الأشد إلحاحًا ليس ما إذا كانت واشنطن تعود إلى طهران فحسب، بل ما إذا كانت عودتها هذه تمرّ عبر إخراج فلسطين من مركز الإقليم مرة أخرى. فإذا كان الأمر كذلك، فإننا لن نكون أمام سلام جديد، بل أمام إعادة توزيع أكثر برودة للأزمات: إيران تُحتوى بدل أن تُحارب، إسرائيل تُطمأن بدل أن تُترك، لبنان يُنظَّم بدل أن يُفجَّر، وغزة… تُدار بدل أن تُحل.

في المقابل هل ستقف القوى الأخرى مكتوفة الأيدي وهي أساسا الدول العربية وخاصة مصر والسعودية وكذلك تركيا اللاعب الإقليمي الآخر الذي لا يمكن تجاهله؟ فإذا سلمنا جدلا أن تلك الدول قد تتجاهل وضع فلسطين وغزة أو تقبل بما يفرضه الاتفاق بان تبقى غزة ملفا يدار ولا يحل، فهل ستقبل تلك الدول بإيران قوية تتمدد في فضائها؟ ألا يفتح ذلك باب التوجس السني من الاختراق والتمدد الشيعي الذي ظُن أنه قد تم كسره بإسقاط نظام الأسد وفتح دمشق؟