أطل صلاح الدين الجورشي علينا مرة ثانية من خلال حلقتين مع الإعلامي عامر عياد، بعد أن كان أصدر كتابه "أقواس في حياتي".

وقد بدا من خلال الحلقتين حريصا على ترميم ما جاء في شهادته، سواء مع رفاقه في المجموعة وخاصة مع حميدة النيفر ، حيث أبدى بعضهم امتعاضا مما ورد في الكتاب. كما كان اكثر اعتدالا عند تعرضه للحركة وللشيخ راشد بعكس ما كان عليه في الكتاب.

ربما ساعده عامر عياد من خلال طريقة الحوار الهادئة على ذلك، إلا أنه عموما كان هادئا حريصا على إنتقاء عباراته حتى وهو يوجه نڨده لمن وما يرى انه يسستحق ذلك.

وبقطع النظر عما ظهر في الحوار من اختلاط في تحديد الوقائع وخاصة التواريخ، كمثل تاريخ صدور مجلة 15/21 الذي كان سنة 1982 وليس 1985، إلا انه نحى منحى هادئا في ردوده، ملتقطا الدروس والخلاصات الكبرى، وإن كان هذا لا يعفي من ضرورة القيام بحوار أكثر "مواجهة" لشخصية إسلامية، لعبت أدوارا مهمة في تأسيس الحركة الاسلامية قياديا ثم ناقدا مشتبكا معها، فضلا عن ادواره الوطنية الاخرى، واهمها كناشط حقوقي بارز وكإعلامي لا يقل بروزا. وفي كل تلك الادوار كانت السياسة إحدى مجالات اهتمامه، فهو وإن لم يكن في قلبها حزبيا، إلا انه لم يخرج من دوائرها الفاعلة، محاولا تجاوز دور المراقب إلى الفاعل بغير القبعة الحزبية.

كنت وعدت منذ كتبت تعليقا على كتابه، ان أعود بالكتابة عن الاسلاميين التقدميين، خاصة وان ما كتبه سواء عن الحركة أو عن الشيخ كان فيه متوترا جانب في بعضه الموضوعية في ما أرى، وكذلك ما كتبه مصدق الجليدي. أعرف ان الموضوعية ليست سهلة، وان الوقائع بطبيعتها يختلط فيها الذاتي بالموضوعي، وان ملابسات الأحداث تحمل الكثير من التداخل، لذلك لا بد من الحذر الشديد في التعامل معها فكثيرا ما يغطي بعض أحزائها على بعض، وظاهرها على جوهرها، وظلالها على اصلها، وأطر نقلها وانتشارها على أطر حدوثها أصولا وفروعا.

أمتلك شهادة ضافية الشيخ راشد كتبها في سجنه الأول تعود لسنة 1984، محددة الوقائع والملابسات، دقيقة في تتبع النشاة والتطورات، جريئة في نقدها لأخطاء كل الأطراف، بما فيها اخطاؤه هو كرئيس للحركة ( أمير بلغة ذلك الوقت)، مستخلصة دروسا متعددة، لعل اهمها كشف تطور البنية الفكرية للحركة ودور الاسلاميين التقدميين فيه، باعتبارها محفزا من المحفزات التي دفعت الحركة إلى استخلاص عملي لرؤية فكرية - للأسف لم تعبر عنها إلا بشكل جزئي ما صدر عن المؤتمر الرابع للحركة ما عرف ب "الرؤية الفكرية والمنهج الاصولي" - هي مزيح بين ثلاث اتجاهات كبرى مثلت الروافد التي شكلت شخصية الحركة ألا وهي: التدين

المالكي/ الأشعري التونسي التقليدي والتدين السلفي الإخواني والتدين العقلاني الحداثي.

وربما كان بعد المسافة عن احتكاكات الزمن الأول قد جعل كل الأطراف تتعامل بأقل حدة مما كان عليه، رغم ان ذلك لا يلغي القراءة التاريخية المدققة، من أجل تنظيف التاريخ من الشوائب صونا للحقيقة، وكذلك من اجل إعادة القراءة التاريخية بعين احتياجات الحاضر.

وقد رات حركة النهضة ضرورة إعطاء الاسلاميين حقهم في مؤتمرها العاشر، في انه كان لهم دورا محمودا لم تلغيه اخطاؤهم، حيث كانوا ساهموا بقسط محمود في الحركية الفكرية التي اعتملت في جسم الحركة منذ كانوا أعضاء فيها وحتى بعد خروجهم، بل - وهذا من عندي - لعل استفادة الحركة من دورهم النقدي داخل الحركة وخارجها بكل إيجابياته وسلبياته، قد افاد الحركة أكثر مما أفادهم هم كمجموعة. ذلك أن المجموعة كانت تشقها نزعات مختلفة، بين التمحض للمهمة الفكرية الثقافية والاصلاح الاجتماعي وهي المهمة التي يراها حميدة النيفر المهمة التي كان على الجماعة الاشتغال عليها، وبين الرغبة في الحضور في الواقع وإن لم يكن في قلب السياسة فعلى تخومها وهو ما طبع مسار الجورشي والقوماني وكريشان وغيرهم.

لقد انصف الشيخ راشد المجموعة، بل إنه بشكل خفي لمح إلى انه على المستوى الفكري أقرب إليهم من غيرهم. كما انصف دور الجورشي على الصعيد الحقوقي والاعلامي في الدفاع عن الحركة، وكان حديثه على حميدة حديثا يغلب عليه الإحترام والتقدير لشخصه ولتطلعاته الفكرية التجديدية وإن عاب عليه طريقته في طرح افكاره التي كان يغلب عليها التشنج والعدمية العملية أو هكذا فهمت داخل النخبة القيادية للحركة خاصة بعد اجتماع مرناق الشهير.

لم يخف الشيخ راشد في المقابل نقده للتعامل الحدي الذي واجه به الجهاز الننظيمي للحركة المجموعة، ومنها كيفية عزل المنصف القلعي كعامل على تونس العاصمة، وهو شخص أشاد كثيرا بدماثة خلقه وبهدوئه وحزن كثيرا على أن كل محاولات التدارك معه باءت بالفشل سواء من الحركة أو من المجموعة.

وعلينا ان نقول للتاريخ ان تعامل الحركة مع المجموعة وإن كان قد حمل لحظات توتر إلا أنه لم يكن في المحصلة العامة قد بلغ ما بلغه الصراع مثلا بين القوى الأخرى كاليسار وغيرهم. فقد استمر الجورشي يعمل في مؤسسات الحركة حتى بعد أن اوقفت المعرفة والمجتمع والحبيب وقام بإعداد دراسات حول الأحزاب السياسية وحول المسالة الإجتماعية ولم ينقطع عن العمل مع الحركة إلا في ربيع 1980 وهو تاريخ التأسيس الرسمي للمجموعة.

لم تنقطع الحوارات والعلاقات الشخصية بين القيادات ولا حضور الفعاليات العلنية لكلا الطرفين، كما كان ابناء الحركة هم قراء 15/21.

وبعد الثورة ورغم بعض التحركات المثيرة للجدل للجورشي، إلا ان تعامل الحركة بقي حريصا على عدم نكئ الجراح، ولا الدخول في المهاترات، بل إن الشيخ قد خص الجورشي بأحد حواراته المهمة والذي احتوى على تقييم ونقد ذاتي جريئ.

أما مع حميدة النيفر فقد كان التعامل أكثر إيجابية من الطرفين وخاصة من طرف حميدة الذي بدأ اكثر هدوء وعمقا وتفهما وحرصا على عدم الانخراط في أي محاولة لإيذاء الحركة حتى في حواراته الصحفية مع الاحتفاظ بوجهة نظره العميقة في المشروع الذي كان ولا زال يراه صالحا للتغيير الاجتماعي وهو المشروع الثقافي وليس المشروع السياسي. ويرى أن الحركة لو تمحضت لذلك لكان اداؤها أفضل ولأن الحاجة إليه أؤكد.

أستطيع ان أؤكد ما كنت كتبته في مقال سنة 2016 بعنوان: "التفرق المحمود ... نحو آفاق أرحب للمشروع الإسلامي"، ان الحركة الاسلامية كان سيكون اداؤها أفضل لو توزعت على مجالات ثلاث أضر بها الشمول الذي انتهجته وبقيت عليه الزمن كله، وهما مجال الاصلاح السياسي ومجال الاصلاح الفكري/الثقافي ومجال الاصلاح التربوي/الاجتماعي. وهي مجالات لا يؤدي الدمج بينها إلا افتئات بعضها على بعض وخاصة المجال السياسي الذي يحمل بطبيعته خاصية الهيمنة والتوظيف لكل ما سواه.

تاريخ أول نشر 2026/5/14