لم تكن مسيرة 17 أكتوبر مجرّد تحرّك للدفاع عن الحريات والعدالة الاجتماعية، بل بدت أقرب إلى بروفة سياسية ونقابية متعددة الرسائل: اختبار قدرة الاتحاد العام التونسي للشغل على التحشيد، وجسّ نبض السلطة التي تتجاهل مطالبه وتضيّق هامش تحرّكه، وقياس حدود الاستقواء بالمعارضة دون تبنّي سقفها السياسي أو إعلان القطيعة النهائية مع منظومة 25 جويلية.


المفارقة أن الاتحاد يوسّع دائرة شركائه في الشارع، بينما يترك موقفه من طبيعة المسار السياسي دون حسم واضح. فهو يشارك عمادة المحامين والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان وأحزابا وقوى مدنية لم تتبنّ جميعها الموقف نفسه من 25 جويلية، ولا تتفق بالضرورة على إسقاط ما تصفه أطراف معارضة بالانقلاب أو العودة إلى دستور 2014. بذلك، يلتقي الجميع عند الحريات والحوار والحقوق الاجتماعية، لكنهم لا يلتقون بالضرورة عند تشخيص الأزمة أو تحديد مخرجها السياسي.


إنها معادلة دقيقة: يستفيد الاتحاد من الحضور السياسي والمدني للمعارضة لتوسيع الضغط على السلطة، لكنه لا يمنحها بالضرورة تفويضا بتحديد سقف المواجهة. يريد استعادة موقعه التفاوضي، لا أن يتحول تلقائيا إلى مكوّن داخل جبهة هدفها إسقاط المسار القائم. غير أن هذا التموضع يطرح سؤالا محرجا: إلى متى يمكن الفصل بين الدفاع عن الحريات ومواجهة السلطة التي يتهمها الاتحاد بتعطيل الحوار وتجاهل مطالبه، دون حسم الموقف من طبيعة الأزمة السياسية نفسها؟


في المقابل، لا يمكن فصل المسيرة عن الصراع حول موارد المنظمة واستقلالية قرارها. فوقف الاقتطاع المباشر لمساهمات المنخرطين، إذا استمر باعتباره أداة ضغط على الاتحاد، لا يمسّ موارده المالية فحسب، بل يختبر قدرته على الاستمرار في التعبئة وتمويل هياكله ونشاطه. وهنا تتجاوز المعركة خلافا حول إجراءات مالية لتصبح صراعا حول شروط التفاوض وحدود استقلال القرار النقابي. فالسلطة التي لا تستجيب للمطالب وتضيّق قنوات الحوار تدفع الاتحاد إلى الشارع، لكنها تراهن، في المقابل، على أن تتحول أعباء المواجهة إلى عامل إنهاك داخلي.


ومن هذه الزاوية، تبدو مسيرة 17 أكتوبر اختبارا أوليا للإضراب العام الذي أُقرّ سابقا ولم يُنفّذ، ثم أعاد المؤتمر الأخير إقراره، مفوّضا المكتب التنفيذي الموسّع تحديد موعده. فهل كان التحرك بروفة لقياس قدرة التعبئة قبل الانتقال إلى الإضراب؟ لا يمكن الجزم بذلك، لكن التزامن يفرض قراءة المسيرة باعتبارها اختبارا للقدرة على الانتقال من الاحتجاج الرمزي إلى الضغط الاجتماعي الواسع.


وتزيد المؤشرات التنظيمية من تعقيد المشهد: استدعاء ثمانية اتحادات جهوية إلى اجتماع الإعداد للمسيرة دون بقية الجهات، وما يُتداول عن استقالات ومقاطعة للنشاط وصعوبات في التعبئة بسوسة والقصرين ومدنين وأريانة، فضلا عن الحديث عن عدم تمويل مشاركة بعض الاتحادات. وهي معطيات تحتاج إلى التثبت، لكنها تفتح باب التساؤل عن تماسك الهياكل الجهوية وقدرتها على خوض مواجهة طويلة.


مسيرة 17 أكتوبر، إذن، ليست إعلان قطيعة بقدر ما هي رفع لسقف الضغط وتحسين لشروط المناورة. يريد الاتحاد أن يقول للسلطة إنه ما زال قادرا على تحريك الشارع، وأن تجاهل مطالبه لن يمرّ بلا كلفة؛ لكنه يترك باب التفاوض مفتوحا، ويتجنب التماهي الكامل مع المعارضة المطالبة بإسقاط الانقلاب.
الامتحان الحقيقي ليس في الشعارات، بل في الخيارات التالية: هل يتحول الإضراب العام إلى مواجهة فعلية، وهل يستعيد الاتحاد موارده وقنوات التفاوض، أم تنتهي التعبئة إلى تسوية تعيد ترتيب العلاقة مع السلطة دون تغيير جوهرها؟ عندها فقط سيتضح إن كانت مسيرة أكتوبر بداية تباين سياسي حقيقي، أم مجرد ورقة ضغط في معركة شروط التفاوض.