منعرج حاسم على طريق استعادة الديمقراطية

تعد مسيرة يوم السبت 17 أكتوبر 2026، منعرج حاسما على طريق استعادة الديمقراطية في تونس ، وهي كواحدة من أضخم المسيرات الشعبية والسياسية منذ سنوات، بعثت بعدة رسائل إلى السلطة و المعارضة و الخارج ، بأن عهد الشتات قد بدأ بالانحسار ، و أنه لا قوة في البلاد بمقدورها وحدها ،أو المقربين منها أن تحدث التيير المنشود .

لقد تدفقت حشود غفيرة من المواطنين من مختلف الأطياف والمهن . وغصّ شارع الثورة ، بآلاف الحناجر التي تنادت تحت شعارات كثيرة تحت لافتة "تونس أولا.. والشعب فوق كل اعتبار"، كما ردد المشاركون في المظاهرة شعار الثورة الملهم "شغل، حرية، كرامة وطنية".

المسيرة الوطنية الحاشدة أثبتت أن اللقاء على أرضية مشتركة جامعة لكل التونسيين على مختلف مشاربهم هي الحل الوحيد لبناء تونس الغد لا سيما وأنها تأتي في ظرفية بالغة الحساسية.

لا الحشد ولا الشعارات... بل "الوحدة الميدانية" وملف "الفرص الضائعة"

لا شك بأن القيمة الحقيقية لتحرك يوم 17 أكتوبر الذي يرمز بتأخيره يوم مقارنة بحراك 18 أكتوبر 2005 ، بأن الأمور لا تقاس بالأيام و لا بالتواريخ و إنما بالأفعال .

كما لا تكمن أهمية المسيرة في حجم الحشد أو في الشعارات المرفوعة، رغم أهميتهما فقد عكست روح الثورة التي حررت الشعب من الخوف ، بل في دلالته السياسية والاجتماعية الأعمق ومنها إعلان "الوحدة الميدانية المتأخرة" القائمة على المشترك الوطني بين أطياف المعارضة والمجتمع المدني.

هذا المشهد الوحدوي يفتح تلقائيا ملفا شائكا طالما تهرّبت منه النخب التونسية، وهو ملف "الفرص الضائعة". وثمن تأجيل هذا اللقاء لسنوات طويلة منذ انقلاب 25 جويلية على الدستور والمسار الديمقراطي.

رافدا التحرك — تسع منظمات وطنية وأحد عشر حزبا

أفرزت هذه المسيرة جبهة مدنية وسياسية واسعة.. تلاحم الضرورة بعد شتات السنوات ، فقد أثبتت المسيرة قدرتها على تجميع قوى كان من المستحيل أن تلتقي في ساحة واحدة قبل سنوات بل أشهر قريبة.

وقد تشكل هذا التحرك من رافدين أساسيين هما الإطار التنسيقي للمنظمات الوطنية بقيادة 9 منظمات وجمعيات وطنية كبرى كـالاتحاد العام التونسي للشغل، والهيئة الوطنية للمحامين بتونس (بقيادة العميد بوبكر الثابت)، والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان (برئاسة بسام الطريفي)، ونقابة الصحفيين.

والغطاء السياسي الجامع الذي انخرط في المسيرة ويضم 11 حزبا سياسيا ولم تستثن المسيرة أحدا ، رغم محاولات التشويش على الوحدة الوطنية من داخل كل التيارات تقريبا ولكنه تشويش معزول يعكس تأثرا بالثقافة الاستبدادية التي حكمت تونس بعد الاستقلال إذا استثنينا عشرية الحريات و الديمقراطية التي أصابت البعض بالاسهال وساهم ذلك الاسهال في إجهاض التجربة .

السؤال الجوهري — "الخطيئة الاستراتيجية" وثمن التشتيت

هذا الالتقاء، رغم أهميته اليوم، يطرح السؤال الجوهري والمؤلم ، لماذا تأخر هذا اللقاء كل هذه السنوات؟ وما هي الكلفة التي دفعتها تونس نتيجة عجز هذه الأطراف عن التوحد بعد انقلاب 25 جويلية 2021؟

لقد ارتكب جانب من المعارضة المشاركة في المسيرة ، و التي لم تشارك ارتكبت "خطيئة استراتيجية" كبرى تمثلت في العجز عن التقاط اللحظة التاريخية في الأشهر الأولى التي تلت 25 جويلية 2021 لو تم نتظام مسيرات مماثلة في ذلك الوقت بشكل جماعي ، وعدم اغترار بعضها بما جرى ولهثها وراء أماني كانت سرابا . غير أن المثل القائل بأن تأتي متأخرا خير من أن لا تأتي ، يصفح عن تلك المعارضة ، التي تداركت و إن كان متأخرا بعض الوقت ، خلاف تلك التي تقدم رجلا و تؤخر الأخرى حتى الآن .

في ذلك الوقت، كان المشهد السياسي يغلي، وكانت السلطة الجديدة تتحسس طريقها وتبني دعائم حكمها الفردي خطوة بخطوة. فلو سارعت المعارضة بجميع أطيافها إلى تنحية معاركها الأيديولوجية جانبا، والاتفاق على "جبهة وطنية للدفاع عن الديمقراطية" ترتكز على القواسم المشتركة، لكان مسار الأحداث قد اتخذ منحى مختلفا تماما.

ولما عشنا هذا المشهد السريالي على كل المستويات و في مقدمة ذلك وضع المساجين السياسيين ، والوضع الاجتماعي والاقتصادي المتدهور . لكن بدلا من ذلك، سقطت المعارضة في فخ التشتت والشماتة السياسية التي كانت ظالمة ، حيث بارك بعضهم الإجراءات للتخلص من خصومه الأيديولوجيين، في حين انكمش آخرون باحثين عن مصالح فئوية ضيقة.

هذا التشرذم الأعمى منح السلطة الحاكمة أثمن هدية ممكنة الوقت حيث استغلت السلطة هذا الشتات لتفكيك المؤسسات الدستورية واحدة تلو الآخر، وعزل الخصوم فرادى دون أن تواجه جبهة صد موحدة.

ونحن نذكر ذلك ليس للمحاسبة و لكن للاتعاض وعدم تكرار الخطيئة فما جرى ويجري يقدم الدليل على أن المبادئ لا تجزأ والتقسيم لا يصنع وطنا متحدا ومتلاحما وناميا ، وإنما ستعطل معاركه العبثية سبل النهوض ، وتحيله إلى مجتمع فاشل .

"الفرص الضائعة" بالأرقام — خسائر لا تُعوَّض

ودوما للعبرة نسأل ماذا خسرت تونس كدولة ومجتمع بهذا التأجيل؟ إن تأجيل لقاء المعارضة وتأخر وحدة الصف من عام 2021 إلى عام 2026 لم يكن مجرد هدر للوقت في أروقة السياسة، بل تسبب في خسائر إستراتيجية وبنيوية غير قابلة للتعويض، نزفت منها الدولة التونسية اقتصاديا، ومجتمعيا، ومؤسسيا.

فبسبب غياب جبهة معارضة موحدة ومجتمع مدني يملك كلمة حاسمة، استأثرت السلطة بالقرار المالي والاقتصادي بشكل أحادي كامل، مما تسبب في تفاقم المديونية، وتراجع التصنيف الائتماني، وتفكيك منظومة الإنتاج والدعم، فضلا عن غلاء الأسعار ومخاوف ميزانية 2027 التقشفية الحالية. كما خسرت تونس بنيتها الدستورية التعددية، إذ تم إلغاء دستور 2014 التوافقي، وحل البرلمان، وتفكيك المجلس الأعلى للقضاء وتدجين السلطة القضائية، مما أفقد الدولة مفهوم "الفصل بين السلطات".

و بسبب قتامة الأفق وتشتت المعارضة، شهدت البلاد هجرة قياسية للأطباء، المهندسين، والجامعيين، ناهيك عن قوافل الهجرة غير النظامية التي استنزفت طاقات الشباب في البحر. فهناك نحو 8 آلاف مهندس يغادرون تونس سنويا مقابل 1400 طبيب إلى جانب 8 آلاف إطار جامعي ، لقد أتاح هذا التأجيل للسلطة فرصة ذهبية لتصفية الصف الأول من النخب السياسية والحقوقية و الاعلامية وغيرها بشكل منفرد، وإيداعهم السجون بموجب تشريعات زجرية كـ "المرسوم 54"، مما أحدث فراغا قياديا مرعبا ونشر مناخا من الخوف.

عبر التاريخ — ألمانيا وإسبانيا نموذجا للنهوض بعد الانقسام

ونحن لسنا من أولئك الذين يتحدثون عن الأعراض و لا يبحثون عن الدواء فمن خلال بحثنا والقراءة المتأنية للتاريخ الحديث أن تونس ليست أول من يمر بنفق الانقسامات الخانقة، لكن الأمم العظيمة هي التي استطاعت بناء نهضتها بعد الأزمات من خلال الاتفاق التلقائي على الأولويات التنموية وترك المعارك الأيديولوجية جانبا، وهو ما تقدمه بعض التجارب الدولية بشكل برقي وملهم، ففي التجربة الألمانية (المعجزة الاقتصادية الخالصة) والتي تحدثنا عنها سابقا ،و بعد دمار الحرب العالمية الثانية والانقسام السياسي الحاد، لم تلتفت النخب الألمانية للصراعات العقائدية العقيمة، بل ركزت جهودها بالكامل على البعد الاقتصادي من خلال هندسة "اقتصاد السوق الاجتماعي". جعلت ألمانيا قادرة على توفير الشغل، ورفع مستويات المعيشة، ومقاومة الفقر، وبناء الاقتصاد القوي الأولوية المطلقة (الأساس التنموي)، وتركت المجتمع يتشكل ويبرأ من جراحه الفكرية تلقائيا دون إملاءات فوقية أو قسر، لتتحول في سنوات وجيزة إلى القوة الاقتصادية الأولى في أوروبا.

نجد أيضا التجربة الإسبانية (تكامل الميثاق والتطور الحر) وقد تحدثنا عنها في مقالات سابقة إثر عقود من الديكتاتورية والقمع تحت حكم فرانكو، نجحت القوى الإسبانية المتناقضة (من الشيوعيين والاشتراكيين إلى الملكيين والدستوريين) في توقيع "مواثيق مونكلوا" التاريخية عام 1977. كان جوهر هذا الاتفاق هو وضع برنامج إنقاذ اقتصادي حاسم لمواجهة التضخم والفقر كركيزة أساسية للديمقراطية، مع التعهد المطلق بعدم سعي أي أيديولوجية لإقصاء الأخرى، والكف عن استخدام أدوات القسر الموروثة من العهد البائد، مما سمح للمجتمع الإسباني بالتطور الطبيعي والتعددية الحرة التي قادته للازدهار والاندماج الأوروبي.

تؤكد هذه التجارب أن الاقتصاد والتنمية هما الرافعة الحقيقية لأي استقرار سياسي، وأن القسر الأيديولوجي يفجر المجتمعات ولا يبنيها.

اليد على الجرح الغائر — الاقتصاد أساس المشروع ورفض "أدوات القسر"

تأسيسا على تلك الدروس، وضعت المسيرة اليد على الجرح الغائر في الجسد التونسي. إن البعد الاقتصادي والاجتماعي، ومقاومة الفقر، وتحقيق التنمية الحقيقية يجب أن تكون هي الأساس الصلب لأي مشروع سياسي قادم. لقد أثبتت التجربة التاريخية في تونس أن الديمقراطية السياسية تظل هشة ومعرضة للانهيار إذا لم تكن مسنودة بـأمن اقتصادي يحمي المواطن من غوائل الفقر والعوز.

الشارع الذي انتفض لم يخرج دفاعا عن تجريدات قانونية، بل خرج لأن الأوضاع الاجتماعية تدهورت ، ولأن القدرة الشرائية للطبقة الوسطى سحقت، ولأن التنمية في الجهات الداخلية ظلت حبرا على ورق.

وعادت الأجهزة للتغوّل وكأنك يا بوزيد ما غزيت . وكأنك يا ثورة ما حللت بال البلاد .

إن نجاح أي بديل وطني مشروط بصياغة برنامج اقتصادي عاجل، وإعادة الاعتبار لمنظومات الإنتاج الفلاحي والصناعي، بدلا من إغراق البلاد في لغة الوعود والشعارات الشعبوية. إن المحور الأساسي الذي يجب أن تدركه النخب السياسية والسلطة على حد سواء هو ضرورة الكف عن استخدام "أدوات القسر" والدولة الأبوية المتسلطة لفرض خيارات مجتمعية أو فكرية مسقطة. لقد عانت تونس، على مر عهودها، من محاولات صياغة المجتمع قسرا وفقا لأهواء الحاكم تارة تحت مسمى التحديث القسري، أو تحت شعار البناء القاعدي الأحادي. في حين أن المطلوب لتجنب مجتمع معطوب هو ترك المجتمع التونسي يتطور ويتشكل تلقائيا وبشكل طبيعي وتعددي. فالمجتمع التونسي مجتمع حي وناضج، ويمتلك آلياته الخاصة للتوازن والنمو متى ما رفعت عنه وصاية القمع والتخوين، أو وصاية التشكيل الذهني و المادي ، ومتى ما توفرت له سبل العيش الكريم.

إن البناء الحقيقي لا يتم بـ"المراسيم الزجرية" بل بتوفير بيئة تنموية تتيح لكل مواطن تحقيق ذاته.

وحدة متأخرة أمام خيارات حاسمة

تأتي مسيرة 17 أكتوبر الشبيهة ببدايات 17 ديسمبر لتثبت أن الدرس قد استوعب أخيرا، وإن كان في وقت ضائع ومكلف. لكن التصريحات التي سمعناها أثناء المسيرة و التي ترجمناها في هذا المقال تقريبا تبعث على الاطمئنان على مستقبل التعايش و العيش المشترك في تونس.

وكما قيل فإن التحرك الحاشد هو رسالة صارمة بأن السياسات الأحادية انتهت صلاحيتها، وأن التشاركية الواسعة القائمة على أسس ديمقراطية وتنموية هي السبيل الوحيد للإنقاذ.

لكن التحدي الحقيقي الذي يواجه لقاء المعارضة هو مدى قدرة هذه القوى على تحويل "الوحدة الميدانية المؤقتة" إلى "بديل سياسي واقتصادي استراتيجي ملموس يركز على معركة التنمية" كما فعلت ألمانيا وإسبانيا من قبل.

إن مسيرة 17 أكتوبر 2026 هي إعلان صريح عن نهاية مرحلة الاستفراد و استعادة المعارضة بوصلتها المفقودة، في مشهد كان ليوفر على تونس سنوات من المعاناة الخانقة والنزيف المؤسساتي والاقتصادي لو حدث في خريف 2021.

اليوم، تضع هذه الوحدة المتأخرة قصر قرطاج أمام خيارات حاسمة والكرة الآن في ملعب السلطة، لكنها قبل ذلك في ملعب المعارضة نفسها فهل تنجح في الحفاظ على "المشترك الوطني والتنموي" كقاعدة صلبة للبناء، وتتعالى على النرجسيات الأيديولوجية وأدوات القسر لتترك المجتمع ينمو بحرية، أم تلدغ من الجحر ذاته مرتين؟

الأيام القادمة وحدها كفيلة بالإجابة.