منذ شهرين تقريبا لم أكتب على هذا الفضاء...ومع ذلك لم تتوقف حركة الأرض ولم يفتقد المشهد الفكري والثقافي شيئا من مقوماته وهذا محبط لي ولكنه يؤكد ان تونس الان وهنا لا تخسر كثيرا بغياب امثالنا من النشطاء والفعلة .

دعنا من المقدمة الساخرة ..يجب فعلا ان نصمت ونكف عن الفعل حين نتأكد انه لم يعد لنا دور بالكتابة والفعل السياسي لأن المشهد والتحكم فيه خرج من مدارات تأثيرنا ليصبح له فعلة اخرون يتكفلون بترتيبه .

الترتيييييب ...اه من الترتيب والترتيبات ...

يستطيع ابوحنيفة ان يمد رجليه بعد ان تأكد لنا ما كنا نقوله( وأضحك البعض وحوله الى نكتة ) بأن كل شيء سيدخل الان في بلادنا ضمن مدار الترتيبات (الداخلية والخارجية كما قال رأس الدولة اليوم )...الترتيبات التي خرجنا من الفعل فيها كقوى سياسية ونخب وطنية منذ فرطنا في ما يمنحنا حق وواجب الشراكة في صياغتها كقوى وطنية .

لم اتحدث عن ذهاب مصير البلاد الى مدارات الترتيب الا حين تاكد لي ولرفاقي ان الطبقة السياسية التونسية قد اخرجت نفسها من مدار الفعل وأكملت " الدولة " اخراجها بقوتها العارية .

اذن لماذا دعونا الى مواجهة الانقلاب على المسار الديمقراطي وقلنا بثقة وتصميم ان تونس السياسية قادرة على اغلاق قوس الاستثناء بنخبتها و" دولتها" بعد اشهر قليلة من ممارسة الاستقواء السلمي المتبادل في " الشارع الديمقراطي " لتصحيح الاخطاء وتخليص الانتقال من معوقاته وتخليص الدولة من غضبها السريع ؟ ...لماذا قلنا ذلك وكتبناه ونحن نشحن العزائم ونفاوض الدولة بالخطاب العقلاني في شارع الديمقراطية ؟ ...لم نقل طبعا يترنح او غيرها من خطابات خاوية ...لكن قلنا ( وسنظل نقول ولكن بصيغ محينة ) ان تونس لا تدار ازليا بالاستثناء ولا تنجز بالحكم الفردي ولا تطوع طويلا بالادارة التقنية لمجتمع بلا سياسة تحكمه سلطة عارية من وسائطها التي تمتد تقاليدها على قرابة القرن من الحزبية والانتظام السياسي والنقابي والمدني والاعلامي...

بعد 25 جويلية بأقل من شهرين قلنا ان هذا القوس الغريب الذي اوقفت به "الدولة" مسارا متعثرا (لم ترتح اليه بتقاليدها الممركزة وهيبتها المنتهكة بفوضى الحرية) ...هذا القوس الذي تصرفت فيه كسلطة عارية من " السياسة "...قلنا انه قوس يصعب ان يستمر وينجز اقتصاديا واجتماعيا ويصعب ان يحافظ طويلا على " الرضى الشعبي العام "وان يحفظ سيادة القرار الوطني ...تلك تونس تاريخيا وبعد 2011.

كنا نقول لو تداعت الطبقة السياسية سريعا لتقوم جماعيا بمراجعة ثغرات عشريتها وتقوم موحدة بخطابها الجديد بمفاوضة الدولة من جديد على " استىناف المسار معدلا لتم اغلاق سريع لقوس لا تبدو الدولة نفسها بكل مؤسساتها مرتاحة اليه ولا يبدو قادرا على انجاز وعوده مهما صدقت نواياه ونوايا الرئيس الذي انجزه ....تلك تونس يعثرها ويرهقها انتقال الى ديمقراطية ولكن يجمدها ويشلها كل نكوص كلي نحو فردانية حكم دولة عارية بلا سياسة .

لا تبدو الادارة التقنية الاداتية لتونس ممكنة ...تونس تاريخيا احزاب وصخب سياسي وضحيج نقابي ومغالبة مدنية وتسويات بين متعددين وفواعل لا شرعية لهم ولا انجاز الا " بالسياسة " .

لم نخطئ حين قلنا ان القوس يمكن ان يغلق سريعا ...لأن تونس 'بلا سياسة" غير ممكنة او مرهقة لل " دولة " العارية منها ...

لم نخطئ واصلا الواقع يؤكد ما قلناه : أليس قوس 25 المفتوح منذ 5 سنوات هو فعلا قوس مغلق ومنته منذ عامه الاول؟ رغم اجراءاته ومحاولة صنع علامات حياة سياسية بعد حل البرلمان المنتخب و ايقاف الدستور المنتخب ثم الاستفتاء على دستور جديد وانتخاب مجالس جديدة .

هو قوس مغلق لأنه "لا ينجز" رغم كونه جرف السياسة بواسطة الدولة وقوتها ولكن ذلك ليس علامة حياة وبالتالي فقولنا ان القوس سيغلق لم يكن خطأ : البلاد في قوس مغلق منذ اربع سنوات على الاقل ...والطبقة السياسية اخرجت نفسها ثم تم استكمال اخراجها من ادارة البلاد بقوة الدولة ...ولكن الشعب ونخبته وطبقته السياسية والبلاد كلها اصبحت تنتظر قدرها في "الترتيبات"

في " مواطنون ضد الانقلاب " ومبادرتهم ثم جبهة الخلاص وبعد ذلك محاولات الطبقة السياسية التي تقاربت اطيافها لصياغة النص المشترك للحل الوطني مع الدولة بكل مؤسساتها ، كانت هذه محاولات لتجنب ان تصبح البلاد في انتظار " ترتيبات " الاخرين ...لكن عناد الساسة في المعارضة وبعض من في الحكم او في حزام موالاته رفضوا ذلك ...فخرجنا كلنا ...وبعدها يصبح طبعا ما قلناه خاطئا ويمكن ان يصبح حتى مدار تفكه واستهزاء : تفكه واستهزاء حين قلنا نعم نقدر كنخب وطنية على اغلاق الاقواس ...وتفكه واستهزاء حين قلنا بعدها : انتهى الوقت وصرنا في مدار الترتيبات ...وتفكه واستهزاء حين اصبحنا نقول : لنقرأ الوضع الجيوسياسي ونتسلح بالقراءة الاستراتيجية للاحداث من " مراكش للبحرين " ومن طنجة الى جاكرتا فيقال عنا : اشباه خبراء ...ونبدو كمن يدعو لاندلس ان حوصرت حلب ...بل وتفكه واستهزاء حتى حين كنا نقول قبل 25 : انكم لا تواجهون خصما ايديولوجيا تدعون اننا ندافع عنه بل انكم تستهدفون انتقالا ديمقراطيا ندعو للترفق به وننجز تحت سقفه التسويات بما يخدم المصلحة الوطنية خيرا من ان يسقط على رؤوسنا جميعا فتضطر الدولة الى حلول لا تخدمها ولا تخدمنا كمجموعة وطنية ...

يقال الان و بنغمات مختلفة بعد خمس سنوات ما قلناه بعد اشهر من 25 حين قلنا هو قوس يمكن ان نتوافق على اغلاقه بعد تفاوض بين من فعله ومن استفاد منه ومن تضرر منه ولنعتبره تنويعا ضمن مسار انتقال ....ويقال الان ما قلناه لهم قبل 25 ...ويقال ايضا ما قلناه : توافقوا قبل فوات فرصة الالتقاء على مناهضة ايقاف الانتقال ووتوافقوا على مراجعة نفاوض فيها بعضنا ونفاوض الدولة ونتقدم " للمرتبين " بمشروع وطني موحد يتمسك باستقلال قرارنا الوطني وحقنا " في السياسة " اي سياسة بلادنا بالسياسة والسياسيين كما كانت تونس التاريخية دوما ....

ايه اتابع ما يقال ولكن قولا بعد الوقت يصبح بلا معنى او يصبح قوله غلطا بعد الوقت...

يمكن نعم لشعبنا ان يستعصي ويجهض كل " الترتيبات" حين يكون بكل قواه الحية سياسيين ومجتمع مدني ...دولة وشعبا ...قادرا على صياغة حلوله في حوار وطني كبير ...

فقط توقف انت وانت عن الاستهزاء من اقوالنا حين نقولها في وقتها... اما حين يقولها اخرون بعد وقتها او يستهزئ البعض اليوم من قولنا لها وقتها ...فهذا عبث لا سياسي كالعادة . ...

https://shorturl.at/cGl98