الحيلة في ترك الحيلة والعودة الى السياسة .

لن يمنع التشجيع المخطط للصخب الفايسبوكي بين العوام من ضرورة الذهاب الى السياسة.

من الواضح ان حالة " الاختقان " و " الاحتناق " اصبحت مزاجا عاما بين جميع افراد الشعب بقطع النظر عن مبرراتها الموضوعية والذاتية ( العبارتان اعلاه مزج تبادلي بين الاحتقان والاختناق ) .

يصعب على انصار " مسار 25 " وحكمه ان يدافعوا على خماسية حكم لم تكن فقط بلا انجاز بل كانت تراجعا كبيرا ورهيبا عما كان متوفرا ومتاحا في عشرية حكم "الانتقال" المأزوم الذي جاء " المسار" يدعي انه سينقذ الدولة والشعب من تعثراته ويحقق ما لم يحققه من رفاه وعدل اجتماعي وتزدهار اقتصادي فاذا به ينزل دونه .

لم يعد "الانكار" ممكنا فالتوازنات المالية للدولة قد اهتزت والخدمات العمومية وصلت الى مشارف العطالة في الصحة والنقل والطاقة والبيئة والخدمات الادارية ولم يعد المواطن يخفي امتعاضه من ظروف حياته اليومية التي انضاف اليها التدهور الملحوظ في قدرته الشرائية .

اما أجواء العمل وانتاج الثروة والاستثمار فيحدثك عن تدهورها صغار الكسبة والصناعيون والتجار كبارا وصغارا ومتوسطين .

من الواضح ان الوعي المعترف بالأزمة يتنامى في محيط منظومة الحكم ولعل خير دليل على ذلك المداخلات الغاضبة لكثير من نواب البرلمان القائم وارتفاع النبرة النقدية في مواقف الاحزاب الوظيفية الموالية وعدد من الانصار النوعيين .

لكن هذا الاعتراف لا يرقى الى مرحلة التشخيص الموضوعي للازمة واسبابها وتحديد المسؤولين عنها بدقة ولذلك لم تذهب هذه الاصوات الغاضبة الى تحديد المغضوب عليه في منظومة هذا الحكم الفردي التسلطي الذي اوقف مسار الانتقال الى الديمقراطية والحكم التعددي واتجه الى تجريف السياسة وقمع الحريات وعزل البلاد دون ان يكون له برنامج اصلاح وبناء او رؤية للانجاز غير الشعارات العامة التي استنفذت قدرتها التعبوية منذ السنة الاولى بعد 25 جويلية 2021 .

حالة الفراغ السياسي الرهيب التي احدثتها " دولة / سلطة 25 " تجعل الدولة الوطنية ، كما كان حالها في كل ازمات تصلبها التاريخي ، في مواجهة " الشارع / الشعب " لكنها هذه المرة ، وعلى عكس ازماتها الدورية السابقة منذ الاستقلال ، تجد نفسها في مواجهة " شارعها / شعبها " دون وجود اجسام وسيطة تفاوض من خلالها الدولة مجتمعها وتنجز عبر ذلك التفاوض تسوياتها .

ان عملية التجريف الرهيبة التي " انجزتها" الدولة في هذه الخماسية المرعبة التي واجهت فيها بسلطتها العارية كل المجتمع السياسي والمدني ، تضع البلاد في هذه اللحظة الراهنة امام ازمة خانقة لا يبدو تجاوزها ممكنا الا بحلول لا يملك الطيف الوطني السياسي والمدني (مهما كان موقعه من الحكم والمعارضة ) من امرها شيئا وهو ما يجعل استشراف مستقبل البلاد مجرد تخمينات وتكهنات في ظل وضع غير مسبوق في علاقة الدولة الوطنية بمجتمعيها السياسي والمدني المجرفين .

يبدو المشهد العام مختزلا اليوم في صيغة تفاوض " غير مسبوقة" بين الشعب وسلطته وتتمثل في مواجهة "شعبوية رثة معممة " تتراشق فيه " منصات وبروفيلات " فايسبوكية غير معلومة ( معارضة وموالية ) بخطابات ترذيل متبادل يعمق الاحتقان في غياب او تغييب خطاب سياسي مسؤول من الحركة السياسية وان وجد فالدولة لا تسمعه بل ان الهندسة التي جرفت بها السياسة تجعل هذا الخطاب غير مسموع في خضم " المواجهات الغضبية والمناكفات " التي يبدو انها ترضي الدولة / السلطة باعتبارها اجواء،ملائمة لانفرادها بادارة الازمة وتاكيد " غياب شركاء " في حل الازمة .

ان هذا الصخب والتشويش الفايسبوكي يبدو في تقديرنا عملية مصطنعة تهندسها غرف موجهة للتأكيد على " غياب السياسة " وعجز السياسيين وبذلك يكون كل " تغيير "مجرد ترتيب خارج ارادة " المنتظم السياسي "او " الحركة السياسية " .

ان دعم وترويج " مناكفات " الصفوف الخلفية للمشهد والايهام بأن الصراع الوحيد القائم الان هو بين " انصار وقواعد الاحزاب" (وخصوصا حين يكون هذا الصراع ملامسا للدرجة الصفر من الجملة السياسية ومعيدا للصراع الصفري بين تيارات المجتمع واطياف الشعب ) ، وان التغافل على الخطابات الجدية والحوارات والتسويات التي تحاول انجازها القوى السياسية بل ودفع " قواعد هذه القوى نفسها" و دفع " النكرات" الى ترذيلها والتشويش عليها في الفضاء الازرق بممارسة الصراعات الصفرية ....ان هذا كله في تقديري " هندسة" و تحيل مخطط له لاجبار الطبقة السياسية واقناعها بأنها يجب ان تكون خارج هندسة التغيير والاسهام في حلول للازمة وان تتفرغ لحل مشاكل " الصراع " بين قواعدها ...بعبارة ادق : "هل رأيتم ؟ انظروا الى صراعات وتلاعن وتسابب اتباعكم في الفايسبوك ... مازلتم غير جاهزين للاسهام في الحل ..اذهبوا لترتيب اوضاعكم وسنتكفل نحن بترتيبات الحل ...الحركة السياسية غير ناضجة"

لقد تم تجريف السياسة بالقوة القاهرة للدولة ويراد الان مواصلة اقصائها باصطناع الصراعات والاستقطابات عبر "قواعد الاحزاب " للقول : كنتم فاشلين في عشرية الانتقال بصراعاتكم وانقساماتكم ومازلتم كذلك ...اذن فلستم جزءا من الحل .

اقدر ان ما يجري الان " بالترذيل الفايسبوكي الممنهج " للصراع السياسي هو اخر الحيل لاقصاء " الحركة السياسية التونسية" من المساهمة في صناعة الحل وأقدر ان هذه الحيلة لن تنجح اذا استطاع الخطاب السياسي الجدي واستطاعت المضامين المسؤولة ان تخرس هذا الصخب والتشويش الذي يمارسه مغفلون يقعون في فخ الحيل وهم يظنون انهم يحسنون للديمقراطية ويقاومون الاستبداد .

على الدولة / السلطة ترك الحيلة والعودة الى السياسة مع الحركة السياسية التونسية فذاك هو تاريخ تونس في حل ازماتها : التسويات السياسية بين الحكم والمعارضة ...وعلى الحركة السياسية بكل تياراتها ملء الفراغ عند قواعدها بالخطاب السياسي المسؤول حتى لا يدفعها " الفراغ والقلق" الى قشقشة مواضيع العراك التافه والتناقر اليومي لتأثيث بروفيلاتهم ...اعطوهم مواضيع النقاش الاساسية المطروحة اليوم حتى ينشغلوا بها ويفكروا فيها ...

https://www.facebook.com/share/p/1BYXNtmub7/