المقدمة
لا تُقاس التحولات السياسية بميزان المقاعد وحده؛ فقد يستعيد حزبٌ حضوره الانتخابي بينما تظل قدرته على تجديد مشروعه واستعادة الثقة فيه موضع سؤال. ومن هذا المنظور، تطرح تجربة حزب العدالة والتنمية المغربي إشكالية تتجاوز تعاقب الصعود والتراجع، لتلامس مستقبل العلاقة بين المرجعية الإسلامية والممارسة الديمقراطية، وبين المشاركة في الحكم والاستقلال السياسي، وبين شرعية الخطاب الأخلاقي وامتحان الإنجاز الاجتماعي. فالحزب الذي خبر السلطة وتحمّل كلفة تسوياتها يجد نفسه أمام تحدٍّ مضاعف: تفسير إخفاقاته السابقة، وإقناع المجتمع بأن عودته تستطيع أن تضيف إلى الحياة السياسية بديلًا يتجاوز إعادة إنتاج التجربة نفسها.
وتكتسب هذه الإشكالية عمقها من خصوصية النظام السياسي المغربي، حيث تتفاعل المنافسة الحزبية مع مركزية المؤسسة الملكية، وتتقاطع مطالب الإصلاح مع تحديات العدالة الاجتماعية وأزمة الوساطة والتمثيل. لذلك يقرأ هذا المقال موقع العدالة والتنمية ضمن شبكة أوسع من العلاقات بين الدولة والأحزاب والمجتمع، متسائلًا عن حدود التعافي الانتخابي وشروط تحوله إلى فاعلية سياسية مستدامة. كما يناقش أثر الاختلافات الداخلية والزعامة والمراجعة التنظيمية في مستقبل الحزب، والدلالات التي يمكن أن تحملها تجربته للإسلام السياسي مغاربيًا وعربيًا، من دون اختزال تنوع السياقات في مسار واحد للصعود أو الأفول.
دلالات النتائج الانتخابية
يمكن تقييم الانتخابات التشريعية المغربية التي عقدت في 23 سبتمبر 2026 بوصفها إعادة ترتيب للتوازنات الحزبية داخل استمرارية النظام السياسي، مع بروز إنذار اجتماعي وتمثيلي واضح. فقد تصدّر الأصالة والمعاصرة النتائج بـ97 مقعدًا، يليه التجمع الوطني للأحرار بـ 66، والاستقلال بـ65، ثم العدالة والتنمية بـ54. وتجمع هذه الخريطة بين استمرار قوة أحزاب الائتلاف السابق وعودة طرف إسلامي كان قد تعرّض لانهيار انتخابي، بما يجعلها أكثر تعقيدًا من انتصار اتجاه أيديولوجي واحد.
ولا يكفي لفهم هذه الانتخابات ترتيب الأحزاب؛ إذ ينبغي اعتماد ثلاثة معايير مترابطة: مدى تعبير النتائج عن المجتمع، ومدى قدرتها على إنتاج حكومة قابلة للمحاسبة، ومدى استعدادها لمعالجة الاختلالات التنموية. فقد تنجح الانتخابات في تجديد المؤسسات من دون أن تجدّد الثقة فيها، وقد تنتج أغلبية برلمانية من دون أن تمنحها القدرة السياسية والاجتماعية اللازمة لتنفيذ إصلاحات عميقة.
وتتمثل العلامة الأكثر إثارة للانتباه في انخفاض المشاركة إلى نحو 38%، وفق المعطيات المنشورة، مقارنة بنحو 51% سنة 2021. وهذه النسبة تضعف اعتبار النتائج تفويضًا مجتمعيًا واسعًا، وإن كانت لا تلغي شرعيتها القانونية. كما أن العزوف لا يحمل معنى واحدًا؛ فقد يعكس احتجاجًا أو لا مبالاة أو ضعف تعبئة أو اقتناعًا بمحدودية أثر التصويت، ولا يجوز اختزاله تلقائيًا في رفض الملكية أو تأييد المعارضة.
وتحتاج المقارنة بين نسب المشاركة إلى مراعاة اختلاف السياقات وتنظيم الاستحقاقات، فضلًا عن التمييز بين المسجلين في اللوائح ومجموع السكان البالغين سن التصويت. أما السؤال السياسي الأهم فهو: لماذا لا ترى قطاعات واسعة من المواطنين، وخصوصًا الشباب، صلة مقنعة بين اختيار ممثليها وتحسين شروط حياتها؟ هنا تصبح أزمة الوساطة الحزبية أهم من المنافسة على الصدارة.
ويحمل تصدّر الأصالة والمعاصرة معنى انتقال قيادة التدبير الحكومي داخل المجال السياسي القائم. لكنه لا يتيح للحزب تقديم نفسه باعتباره قطيعة كاملة مع المرحلة السابقة، لأنه شارك في حكومتها. ولذلك سيكون مطالبًا بتفسير ما سيغيّره في السياسات التي أسهم في إدارتها، وتحديد مسؤوليته السابقة عنها، بدل تحميل حصيلتها لشريكه الذي كان يتولى رئاسة الحكومة وحده.
وفي المقابل، يمكن قراءة تراجع التجمع الوطني للأحرار باعتباره عقابًا انتخابيًا جزئيًا للحزب الذي تصدّر التدبير الحكومي، مع التحفظ على تعميم هذا التفسير على كل الناخبين. فالأحزاب التي ترتبط صورتها بالكفاءة الاقتصادية وإدارة الأعمال تتعرض لاختبار صعب حين لا تتحول مؤشرات الاستثمار والنمو إلى تحسن محسوس في القدرة الشرائية والتشغيل والخدمات. وتصبح المسافة بين نجاح الاقتصاد كما تقيسه المؤشرات ونجاحه كما تعيشه الأسر مصدرًا للمحاسبة.
فاطمة الزهراء المنصوري وبناء الاغلبية
وقد انتقلت النتائج إلى مرحلة بناء الأغلبية بإعلان اتفاق بين الأصالة والمعاصرة والاستقلال والاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية، بمجموع 207 مقاعد، فيما بقي التجمع الوطني للأحرار خارج هذا الاتفاق. وتكشف هذه الصيغة أن تصدّر الانتخابات يفتح باب قيادة الحكومة، بينما تحدد التحالفات طبيعة السلطة البرلمانية الفعلية وهوية المعارضة. كما أنها تمنح الشركاء الأصغر وزنًا تفاوضيًا مؤثرًا في تماسك الأغلبية.
ويحمل تعيين فاطمة الزهراء المنصوري لتشكيل الحكومة، باعتبارها أول امرأة تتولى هذه المهمة في المغرب، دلالة رمزية ومؤسسية مهمة. غير أن القيمة السياسية لهذا التحول ستتحدد بقدرتها على توسيع مشاركة النساء وتحسين شروط استقلالهن الاقتصادي وحمايتهن من التمييز. فتمثيل النساء في قمة السلطة يفتح أفقًا، لكنه يحتاج إلى سياسات تجعل أثره ممتدًا إلى المجتمع.
أما الرهان الاجتماعي المركزي فهو قدرة الحكومة المقبلة على ربط الاستثمار بخلق فرص عمل مستقرة وذات أجر مناسب. فارتفاع حجم المشاريع لا يضمن وحده استيعاب الشباب المتعلم، ولا يكفي لتحسين أوضاع العاملين في الاقتصاد غير المنظم. وينبغي أن تُقاس الاستجابة الحكومية بنوعية الوظائف وتوزيعها المجالي واستمرارها، وبمدى تمكين المقاولات الصغيرة من النفاذ إلى التمويل والصفقات والأسواق.
ويمثل التعليم والصحة اختبارًا مباشرًا لصدقية أي تغيير حكومي. فالمواطن يقيس فعالية الدولة بوجود المدرس والطبيب والدواء والنقل والقدرة على الحصول على الخدمة من دون كلفة مرهقة. ولذلك فإن تحسين هذين القطاعين لا يقتصر على رفع الاعتمادات، بل يشمل توزيع الموارد البشرية، وتقليص الفوارق بين الجهات، ومراقبة جودة الإنفاق، واستعادة الثقة في المرفق العمومي.
وتحتل العدالة المجالية مكانًا أساسيًا في تفسير التوترات الاجتماعية وفي تقييم الاستجابة لها. فالفوارق بين المدن الكبرى والمناطق القروية والمدن الصغيرة تولّد تجارب مختلفة للمواطنة وفرص الترقي الاجتماعي. ولهذا لا يكفي أن تحقق الحكومة نجاحًا وطنيًا إجماليًا إذا ظلت مناطق واسعة تشعر بأنها خارج دورة الاستثمار والخدمات؛ إذ يمكن للتفاوت المجالي أن يعيد إنتاج الاحتجاج حتى في فترات تحسن المؤشرات العامة.
ويضاف إلى ذلك تحدي الماء والتكيف المناخي والأمن الغذائي، بما يفرض إعادة النظر في العلاقة بين التنمية الفلاحية والموارد الطبيعية وحاجات السكان. وينبغي تقييم البرامج بحسب قدرتها على حماية صغار المنتجين وتوفير الماء وضمان الاستدامة. فحين تتعارض مصالح الأنشطة الاقتصادية، تصبح وظيفة السياسة تحديد الأولويات بصورة شفافة، مع توزيع عادل لكلفة التكيف.
أما الاستعداد لكأس العالم 2030 فيضع المغرب أمام فرصة تنموية واختبار لتوزيع الموارد. ويمكن للبنية التحتية المرتبطة به أن تدعم النقل والسياحة والتشغيل، لكن مردودها الاجتماعي يتوقف على اندماجها في حاجات السكان اليومية. ومن ثم، فإن السؤال الانتخابي المشروع هو كيف تتحول الاستثمارات الكبرى إلى منفعة عامة مستمرة، وكيف تُراقب كلفتها وصفقاتها وآثارها على المديونية والإنفاق الاجتماعي.
صعود العدالة والتنمية
وفي هذا السياق تبرز دلالة صعود العدالة والتنمية من 13 مقعدًا سنة 2021 إلى 54 مقعدًا سنة 2026. فقد استعاد الحزب وزنًا برلمانيًا معتبرًا، لكنه بقي في المركز الرابع؛ ولذلك يصح وصف النتيجة بأنها تعافٍ انتخابي مهم وعودة إلى الفاعلية، مع بقاء مسافة واضحة عن موقع قيادة المشهد. كما أن ارتفاع المقاعد لا يكفي وحده لإثبات استعادة الحجم السابق للقاعدة الاجتماعية أو التنظيمية.
وتشير هذه العودة إلى أن هزيمة 2021 لم تكن بالضرورة نهاية اجتماعية وسياسية للحزب. فالتنظيمات ذات الهوية المتماسكة والذاكرة النضالية والروابط المحلية تستطيع الاحتفاظ بموارد تسمح بالتعافي بعد الهزائم. ومع ذلك، يتطلب تحديد أسباب الانتعاش دراسة توزيع الأصوات والدوائر والمرشحين وتحولات المشاركة، حتى لا يتحول التفسير إلى افتراض أن كل مقعد جديد يعكس تحولًا أيديولوجيًا نحو الإسلام السياسي.
ومن الفرضيات التفسيرية المعقولة استفادة الحزب من موقع المعارضة، بعد ابتعاده عن كلفة التدبير اليومي واستنزافاته. فقد أتاح له ذلك إعادة إبراز خطاب النزاهة والدفاع عن الفئات المتضررة ومساءلة النخب الاقتصادية. لكن هذه الفرضية تحتاج إلى اختبار: هل استعاد الناخبون الثقة في كفاءته وبرنامجه، أم استخدموه أداة لمعاقبة الحكومة؟ فالسبب الأول يتيح نموًا مستدامًا، بينما يجعل السبب الثاني العودة أكثر تقلبًا.
ويمكن كذلك أن يكون للقيادة والخطاب التعبوي دور في استعادة الحضور، وخصوصًا حين ينجح الزعيم عبد الاله بن كيران في تحويل قضايا معقدة إلى رسائل مفهومة وقابلة للتداول. غير أن الاعتماد المفرط على الزعامة يحمل كلفة تنظيمية؛ إذ قد يضعف تجديد النخب وإنتاج الخبرة الجماعية. وسيحتاج الحزب إلى تحويل التعبئة حول الأشخاص إلى مؤسسات وبرامج وكفاءات تستطيع العمل بعد تبدل القيادات.
وتفرض العودة على العدالة والتنمية مراجعة تجربته الحكومية السابقة مراجعة علنية ومتوازنة. فمن حقه شرح حدود صلاحيات الحكومة وإكراهات التحالفات، لكنه مطالب أيضًا بتحديد ما اختاره بنفسه وما أخفق فيه وما سيغيره مستقبلًا. ولن تكون استعادة المصداقية مكتملة إذا قدّم نفسه ضحية دائمة للتوازنات، أو اعتبر كل نقد لحصيلته جزءًا من استهداف هويته.
وتبقى علاقته بين المرجعية الدينية والبرنامج الاجتماعي أحد مفاتيح مستقبله. فالمرجعية قد تمنحه لغة أخلاقية وقاعدة تضامن، بينما يتطلب حل البطالة والتفاوت وإصلاح الخدمات خبرة اقتصادية، ومؤسساتية، وتحديدًا للمصالح والموارد. وإذا نجح في الجمع بين الهوية والكفاءة والالتزام بالتعددية، أمكنه توسيع جمهوره؛ أما حصر المنافسة في صراع القيم فقد يعبئ أنصاره ويضيّق قدرته على بناء تحالف اجتماعي أوسع.
وسيُختبر الحزب أيضًا في قدرته على معالجة التوتر بين التزاماته المؤسساتية ومواقف قواعده في القضايا الخارجية، وخصوصًا فلسطين والعلاقة مع إسرائيل. والمطلوب سياسيًا خطاب يوضح حدود مسؤوليته ومواقفه وخياراته العملية، مع احترام حق المجتمع في التعبير السلمي. أما توظيف القضية تعبويًا من دون مراجعة واضحة للتجربة السابقة فقد يمنحه مكاسب ظرفية ويعيد إنتاج أزمة الثقة نفسها.
ومن داخل الديوان الملكي، يمكن افتراض قراءة للنتائج تركز على استمرار قدرة المؤسسات على استيعاب تبدل المزاج الانتخابي وتغيير القيادة الحكومية من دون اضطراب استراتيجي. وهذه قراءة تحليلية ممكنة وليست نقلًا عن مداولات داخلية غير متوفرة. ووفقا لذلك، يشكل تجدد التوازنات الحزبية موردًا لاستمرار النظام، شريطة أن تترجم الحكومة الجديدة هذا التجدد إلى استجابة اجتماعية مقنعة.
وقد تُقرأ عودة العدالة والتنمية، ضمن المنظور نفسه، باعتبارها دليلًا على استمرار إدماج التيار الإسلامي الانتخابي في المنافسة المؤسساتية. فوجود معارضة منظمة تقبل قواعد المشاركة قد يساعد على إبقاء المطالب داخل البرلمان والعمل الحزبي. لكن لا يجوز القفز من هذه الوظيفة المحتملة إلى الزعم بأن القصر صنع نتيجة الحزب أو قرر حجمها؛ فذلك يحتاج إلى أدلة تتجاوز الاستنتاج من مآلات الاقتراع.
وفي المقابل، يمثل ضعف المشاركة إنذارًا يمكن أن يحظى باهتمام أكبر من ترتيب الأحزاب نفسه. فالمؤسسات تحتاج إلى وسطاء يشرحون السياسات ويتحملون مسؤوليتها وينقلون مطالب المجتمع، ويؤدي تآكل مصداقية الأحزاب إلى إضعاف هذه الوظيفة. ومن مصلحة استقرار الدولة أن تمتلك الحكومة مجالًا واضحًا للمبادرة والمحاسبة، حتى يستطيع المواطن معرفة من اتخذ القرار ومن يتحمل نتائجه.
أما من خارج الديوان الملكي، فتبرز قراءة نقدية تسأل عن العلاقة بين التنافس الانتخابي وتوزيع سلطة القرار. فاستمرار الصلاحيات الواسعة للمؤسسة الملكية، خصوصًا في المجالات الاستراتيجية، يجعل تقييم الحكومة مرتبطًا بما تستطيع تقريره فعلًا. والمطلب الديمقراطي هنا هو وضوح المسؤوليات وتقوية الرقابة والحقوق والحريات، بحيث يكتسب التصويت أثرًا مفهومًا في السياسات العامة.
ومن منظور المجتمع المدني والحركات الاجتماعية، ينبغي اختبار النتائج بقدرتها على توسيع إمكانات التنظيم والتفاوض والمساءلة. فوجود حزب معارض قوي لا يعوّض استقلال النقابات والجمعيات والصحافة، كما أن الحكومة المنتخبة لا تكتسب حصانة من النقد. وتتحسن جودة التمثيل حين يستطيع المواطن متابعة التزاماته الانتخابية عبر المعلومة والاحتجاج السلمي والتقاضي والمشاركة المحلية، طوال الولاية البرلمانية.
التداعيات الوطنية والإقليمية
قد تفضي عودة العدالة والتنمية على الصعيد المغربي، إلى رفع مستوى المنافسة داخل المعارضة، خصوصًا مع بقاء التجمع الوطني للأحرار خارج الائتلاف المعلن. لكن المعارضة لن تشكل تلقائيًا كتلة موحدة، لأن أحزابها تختلف في المرجعيات والمصالح والحصيلة السابقة. وقد تكون المنافسة بينها مفيدة إذا أنتجت بدائل مدروسة، أو محدودة الأثر إذا تحولت إلى مزايدة خطابية متبادلة.
أما مغاربيًا، فتمنح النتيجة مادة لمراجعة الأحكام التي اعتبرت تراجع الإسلاميين مسارًا نهائيًا لا رجعة فيه. لكنها لا تبرهن على عودة إقليمية شاملة للإسلام السياسي، لأن شروط العمل الحزبي والدولة والمجتمع تختلف من بلد إلى آخر. وبالنسبة إلى تونس، تبرز أهمية بقاء قنوات المنافسة القانونية مفتوحة، مع ضرورة تجنب إسقاط تجربة حزب يعمل داخل ملكية على تجربة حركة تعمل في سياق جمهوري مختلف.
ولا يُتوقع أن تؤدي زيادة مقاعد العدالة والتنمية وحدها إلى تحول جذري في العلاقات المغربية الجزائرية أو ملف الصحراء أو الشراكات الخارجية، نظرًا إلى موقع هذه الملفات داخل بنية القرار الاستراتيجي. وقد يظهر أثره بصورة أوضح في النقاش العام والرقابة البرلمانية وأولويات الخطاب. أما تخفيف التوتر المغاربي فيتطلب إرادة دولة وتفاهمات أمنية ودبلوماسية تتجاوز موازين الأحزاب داخل مجلس النواب.
وتتوزع مآلات الحزب بين ثلاث احتمالات مشروطة: تثبيت موقعه قوة معارضة عبر الرقابة والاقتراح وتجديد النخب؛ أو توسيع حضوره إذا تعثرت الحكومة ونجح هو في بناء بديل مقنع؛ أو استنزاف التعافي إذا طغت الخلافات والزعامة والمواقف الدفاعية عن الماضي. ولا تحدد هذه المآلات أخطاء خصومه وحدها، بل قدرته على اجتذاب ناخبين جدد وتحويل الرصيد الانتخابي إلى عمل اجتماعي وسياسي مستمر.
تقييم نتائج الاستحقاقات الانتخابية
وعليه، فإن التقييم الأعمق لهذه الانتخابات سيُحسم خلال الولاية المقبلة: هل تقرّب المؤسسات من الشباب والفئات المتضررة، وهل تجعل المسؤولية الحكومية قابلة للفهم والمحاسبة، وهل توفق بين الطموح الاستراتيجي والعدالة الاجتماعية؟ لقد فتحت النتائج إمكانًا لتجديد المنافسة، وأعادت العدالة والتنمية إلى موقع مؤثر؛ أما تحويل ذلك إلى مكسب ديمقراطي وتنموي فيتوقف على مضمون السياسات، ووضوح السلطة، واتساع المشاركة الفعلية للمجتمع.
وتعد نتائج الانتخابات المغربية لسنة 2026 إيجابية نسبيًا لمستقبل المشاركة السياسية ذات المرجعية الإسلامية، لكنها لا تعني انتصارًا للإسلام السياسي نفسه أو تحولًا حاسمًا في موقعه داخل الدولة والمجتمع. فقد ارتفع تمثيل حزب العدالة والتنمية من 13 مقعدًا سنة 2021 إلى 54 مقعدًا، بينما تصدّر الأصالة والمعاصرة النتائج بـ 97 مقعدًا. وهذا تعافٍ انتخابي معتبر للحزب الإسلامي، يسمح له باستعادة قدر من التأثير، لكنه يظل دون مستوى قيادة المشهد السياسي. ومن الضروري هنا التمييز بين مكانة الإسلام بوصفه دينًا مشتركًا، ومكانة حزب يستند إلى مرجعية إسلامية؛ فصعود الثاني أو تراجعه لا يقيس قوة الأول أو ضعفه.
وتتمثل الدلالة الإيجابية الأولى في أن الهزيمة الانتخابية السابقة لم تتحول إلى نهاية سياسية للعدالة والتنمية. فالعودة إلى تمثيل أوسع تدل على استمرار قاعدة انتخابية قابلة للتعبئة، وعلى أن تجربة الحكم، رغم تكاليفها وأخطائها، لم تستنفد تمامًا قابلية الحزب للاستمرار. ويمكن قراءة ذلك باعتباره دليلًا على قدرة الإسلاميين على المرور من الحكم إلى المعارضة، ثم استعادة بعض الثقة عبر الانتخابات. وهذه دلالة مهمة لمستقبلهم: أن تصبح شرعيتهم قابلة للتجديد والمراجعة، وأن يتعاملوا مع الهزيمة باعتبارها حكمًا سياسيًا مؤقتًا يستوجب التصحيح.
لكن لا يجوز تفسير هذا التعافي باعتباره عودة جماعية. فالاقتراع لحزب ذي مرجعية إسلامية قد تحركه اعتبارات متعددة: الاحتجاج على الحكومة السابقة، أو البحث عن خطاب أخلاقي، أو الثقة في مرشح محلي، أو الرغبة في إعادة التوازن إلى البرلمان. ولذلك فإن نسبة النتائج إلى الدافع الديني وحده تحتاج إلى دراسات ميدانية لسلوك الناخبين. والأرجح تحليليًا أن الحزب استفاد من تداخل الهوية والاحتجاج الاجتماعي والتقييم السياسي، بما يجعل مكاسبه تفويضًا محدودًا يتعين عليه فهمه، لا إعلانًا عن تحول أيديولوجي شامل.
أما مكانة الإسلام في المغرب فتتجاوز المجال الحزبي، لأن الملكية نفسها تستند إلى شرعية دينية مؤسسية ترتبط بإمارة المؤمنين، ولأن المرجعية الإسلامية حاضرة في النسيج الاجتماعي والتاريخ الوطني. ولهذا لا تجري المنافسة ببساطة بين الإسلام وخصومه، وإنما بين تصورات مختلفة للعلاقة بين الدين والسياسة، وبين فاعلين يتفاوتون في توظيف المرجعية الدينية وترجمتها. ومن ثم فإن تقدم العدالة والتنمية لا ينقل إليه تمثيل الإسلام، كما أن تقدم الأصالة والمعاصرة لا يعني، بمجرده، انحسار الدين أو تراجع التدين داخل المجتمع.
وتصبح النتائج أكثر إيجابية إذا ساعدت على تثبيت حق المواطنين المتدينين، مثل غيرهم، في التعبير السياسي والتنظيم والمنافسة، ضمن المساواة واحترام التعددية. فالقيمة الديمقراطية للمشاركة الإسلامية تتمثل في تحويل المرجعية إلى مقترحات قابلة للنقاش والمحاسبة: كيف تتحقق العدالة؟ وكيف تُحمى الكرامة؟ وكيف تُقاوَم المحسوبية؟ أما إذا تحولت العودة الانتخابية إلى ادعاء امتلاك الحقيقة الدينية أو احتكار الأخلاق، فإنها قد تعيد إنتاج أسباب الانقسام. الإضافة المطلوبة هي توسيع المشاركة المدنية انطلاقًا من المرجعية، مع إبقاء المواطنة أساس الحقوق والواجبات.
ديناميكية الفعل السياسي الإسلامي
وبالنسبة إلى ديناميكية الفعل السياسي الإسلامي، فإن زيادة المقاعد تضيف أدوات فعلية: حضورًا أكبر في اللجان، وقدرة أوسع على مساءلة الحكومة، وإمكانًا أفضل لطرح التشريعات وبناء التحالفات. لكنها لا تضمن تلقائيًا التأثير في الخيارات الكبرى، خصوصًا داخل نظام تحتفظ فيه المؤسسة الملكية بسلطات واسعة. لذلك ينبغي قياس قيمة العودة بما يستطيع الحزب إنجازه بهذه الأدوات، وبقدرته على الانتقال من إثبات الحضور إلى تحسين شروط الحياة العامة. فالتمثيل البرلماني مورد سياسي، وتتحقق قيمته حين يتحول إلى رقابة فعالة ومقترحات قابلة للتطبيق.
ويظل الرهان الاجتماعي حاسمًا في مستقبل هذه العودة. فإذا اختزل الحزب رسالته في الدفاع عن الهوية، وترك التشغيل والصحة والتعليم والسكن والتفاوت المجالي خارج مركز اهتمامه، فقد يستعيد جزءًا من ناخبيه دون أن يوسع قاعدته الاجتماعية. أما إذا ترجم قيم العدل والتكافل ومحاربة الفساد إلى سياسات دقيقة، فيمكن أن يضيف مضمونًا إلى حضوره السياسي. ويقتضي ذلك مراجعة حصيلته السابقة في الحكم، وتفسير اختياراته وحدود مسؤوليته عنها بوضوح؛ لأن الخطاب الأخلاقي يفقد قوته حين يعجز عن مساءلة أصحابه بالمعايير التي يطبقونها على منافسيهم.
كما تفرض محدودية المشاركة الانتخابية الحذر في الحديث عن انتصار اجتماعي واسع؛ إذ بلغت المشاركة نحو 38% وفق التغطيات المنشورة للانتخابات. وهذا يعني أن المنافسة الحزبية جرت وسط عزوف كبير، وأن تحسن نتائج حزب لا يكفي لإثبات استعادته ثقة المجتمع، ولا سيما الشباب. ويواجه الإسلاميون هنا سؤالًا يتجاوز استرجاع الناخب القديم: هل يستطيعون مخاطبة المواطنين الذين لا يجدون في المؤسسات الانتخابية أداة مؤثرة لتغيير أوضاعهم؟ وتتطلب الإجابة تجديد التنظيم والقيادات والخطاب، وإتاحة دور فعلي للشباب والنساء، وربط العمل البرلماني بالحضور الاجتماعي المستمر.
وعلى المستوى المغاربي، يمكن أن تحمل هذه العودة دلالة مضادة لفكرة أن تراجع الإسلاميين انتخابيًا أو خروجهم من الحكم يعني انتهاءهم تاريخيًا. لكنها لا تقدم نموذجًا جاهزًا للنقل إلى تونس أو الجزائر أو غيرهما؛ فاختلاف بنية النظام السياسي، وموقع المؤسسة الدينية، وشروط المنافسة والحريات، يجعل المقارنة مشروطة. والدرس المحتمل هو أن التجدد السياسي يظل ممكنًا عندما تتوافر مساحة للتنظيم والمنافسة، ويقترن ذلك بمراجعة الأخطاء. أما اعتبار النتائج إثباتًا لصحة جميع أطروحات الإسلام السياسي، فإنه يحول واقعة انتخابية محدودة إلى حكم فكري لا تستطيع وحدها إثباته.
وعليه، فالنتائج تضيف فرصة إلى الفعل السياسي الإسلامي، ولا تمنحه ضمانة للمستقبل. وقد تكون إيجابية لمكانة القيم الإسلامية في المجال العام إذا أسهمت في ربطها بالحرية والعدالة والكفاءة واحترام الاختلاف. وقد تبقى مكسبًا عدديًا محدودًا إذا أعادت الوجوه والخطاب وأساليب العمل نفسها، دون مراجعة تجربة الحكم أو بناء بدائل اجتماعية مقنعة. والمقياس الأهم لمآلاتها هو مقدار ما تضيفه إلى قدرة المواطنين على المشاركة والمحاسبة وتحسين حياتهم؛ فعند هذا المستوى يمكن للمرجعية الإسلامية أن تكتسب فاعلية سياسية متجددة، تتجاوز مجرد البقاء الانتخابي.
مستقبل الإسلام السياسي المغربي
تعد نتائج الانتخابات التشريعية المغربية التي جرت في 23 سبتمبر/ 2026 إيجابية للإسلام السياسي من حيث استعادة الحضور، لكنها لا تكفي لإثبات استعادة المبادرة أو تجديد المشروع. فقد حصل حزب العدالة والتنمية على 54 مقعدًا، مقابل 13 مقعدًا في انتخابات 2021، وحلّ رابعًا بعد الأصالة والمعاصرة والتجمع الوطني للأحرار والاستقلال. وهذه عودة معتبرة إلى المنافسة البرلمانية، تجعل وصف النتائج بأنها «لا تضيف شيئًا» وصفًا مجحفًا، مثلما تجعل قراءتها بوصفها انتصارًا شاملًا للإسلام السياسي قراءة متسرعة.
تكمن الدلالة الأولى لهذه العودة في أنها تضعف أطروحة النهاية الحتمية للإسلام السياسي عبر الانتخابات. فالانهيار الانتخابي يمكن أن يعبّر عن عقاب على تجربة الحكم، أو أزمة قيادة وتنظيم، دون أن يعني زوال القاعدة الاجتماعية والرمزية للحزب. وتوحي النتيجة المغربية بأن العدالة والتنمية احتفظ بموارد تسمح بإعادة التعبئة؛ غير أن تحديد وزن التنظيم، والمرجعية الدينية، وشخصية القيادة، والتصويت الاحتجاجي يحتاج إلى تحليل تفصيلي للأصوات والدوائر، ولا يُستخلص من عدد المقاعد وحده.
لكن ينبغي التمييز بين مكانة الإسلام في المجتمع ومكانة حزب يستند إلى مرجعية إسلامية. فالدين أوسع من التمثيل الحزبي، ولا يصح اعتبار فوز الإسلاميين انتصارًا للإسلام ذاته، أو هزيمتهم تراجعًا لمكانته الروحية والاجتماعية. وفي المغرب خصوصًا، تتوزع المرجعية الدينية بين المؤسسة الملكية والعلماء والتدين الاجتماعي والجمعيات والتيارات المختلفة؛ ولذلك تقيس الانتخابات قدرة عرض سياسي معين على الإقناع، ولا تقيس مقدار إسلام المجتمع.
أما الدلالة الثانية فتتعلق بإمكان تفسير جانب من العودة باعتباره تصويتًا على الأداء والمصالح اليومية، أكثر من كونه تفويضًا أيديولوجيًا. فقد يستعيد الحزب ناخبين بسبب خيبة أملهم في منافسيه، أو بسبب قدرته على التعبير عن مظالم اجتماعية، دون أن يتبنوا مشروعه الفكري بكامله. ومن ثمّ، فإن السؤال الحاسم هو: هل اختاره الناخبون لأنه قدّم بديلًا اقتصاديًا واجتماعيًا مقنعًا، أم لأنه أصبح قناة متاحة لمعاقبة الأحزاب الأخرى؟ والفرق بين الأمرين يحدد مدى استقرار هذا التعافي.
وتمنح زيادة المقاعد الحزب أدوات فعل سياسي ملموسة: حضورًا أكبر في النقاش التشريعي، وقدرة أوسع على مساءلة الحكومة، وفرصًا لإبراز كوادره وبناء تحالفات حول قضايا محددة. وهذه إضافة فعلية إلى ديناميكيته، لكنها تظل قدرة تحتاج إلى استعمال ناجع. فالمقاعد لا تتحول تلقائيًا إلى تأثير اجتماعي، وقد تتبدد قيمتها إذا انحصر النشاط في السجال الأخلاقي أو المناكفات، بدل تقديم مقترحات قابلة للتنفيذ بشأن الشغل والصحة والتعليم والحماية الاجتماعية.
وتبقى حدود النظام السياسي المغربي عاملًا حاسمًا في تقدير معنى النتائج. فالمؤسسة الملكية تحتفظ بصلاحيات واسعة، خاصة في المجالات الاستراتيجية، وهو ما يجعل التقدم البرلماني غير مطابق للتحكم في اتجاه الدولة. لذلك يمكن للإسلاميين توسيع حضورهم داخل المؤسسات من دون أن تتوسع قدرتهم بالقدر نفسه على صياغة السياسات الكبرى. والمستقبل هنا يرتبط بكيفية إدارة العلاقة بين المشاركة المؤسسية والاستقلال السياسي، وبين قبول قواعد المنافسة وشرح حدود المسؤولية للناخبين.
كذلك تحدّ المشاركة الانتخابية التي بلغت نحو 38% من إمكان تقديم النتائج باعتبارها تعبيرًا شاملًا عن اتجاه المجتمع المغربي. فاستعادة الحزب جزءًا من التمثيل داخل الهيئة المشاركة لا تعني أنه استعاد ثقة الشباب والعازفين عن التصويت أو الفئات الأشد ابتعادًا عن المؤسسات. ولهذا فإن الاختبار الأعمق للإسلام السياسي ليس منافسة الأحزاب داخل البرلمان فقط، بل قدرته على التواصل مع المجتمع غير الممثل انتخابيًا، وفهم أسباب فقدان الثقة في العمل السياسي نفسه. وفقدان الثقة نتيجة طبيعية لما حصل من اختلافات حول السياسات والتدابير التنظيمية والتطبيع.
اختلافات حزب العدالة والتنمية
تتمثل طبيعة الاختلاف داخل حزب العدالة والتنمية أساسًا في تقدير حدود المشاركة في السلطة وكيفية الجمع بين الإصلاح والمحافظة على استقلال القرار الحزبي، أكثر مما تتمثل في خلاف عقائدي حول المرجعية الإسلامية. وقد برز هذا التباين بوضوح بعد إعفاء عبد الإله بنكيران من مهمة تشكيل الحكومة في مارس 2017 وتكليف سعد الدين العثماني، ثم تعمّق مع تقييم التنازلات الحكومية والهزيمة الانتخابية سنة 2021. فهناك اتجاه يعطي الأولوية للحفاظ على الهوية السياسية للحزب وصلته بقاعدته الاجتماعية، ويرى أن الإفراط في التسويات يستنزف مصداقيته؛ واتجاه يرجّح التوافق والعمل التدريجي ضمن موازين القوى القائمة، ويعتبر تجنب الصدام شرطًا لاستمرار الإصلاح. وهذه اتجاهات متحركة، وليست أجنحة رسمية ثابتة؛ إذ تتداخل فيها الخلافات السياسية مع التنافس القيادي وتقييم المسؤوليات.
كان بنكيران والعثماني أبرز رمزي هذا التباين: ارتبط الأول بخطاب سياسي تعبوي يؤكد التفويض الانتخابي ومقاومة التحكم، وارتبط الثاني بنهج أكثر ميلًا إلى التسويات الحكومية وتدبير الممكن. ومن الأسماء التي ساندت استمرار بنكيران في قيادة الحزب خلال أزمة الولاية الثالثة سنة 2017 عبد العالي حامي الدين وعبد العزيز أفتاتي وآمنة ماء العينين وبلال التليدي؛ بينما برز محمد يتيم ضمن معارضي التمديد. لكن هذه الاصطفافات لا تختزل المواقف اللاحقة؛ فمصطفى الرميد، مثلًا، وجّه انتقادات إلى أسلوب بنكيران وتدبيره، بما يعكس خلافًا حول القيادة والمؤسسات وتقييم التجربة الحكومية أيضًا. ولذلك لا يصح تصوير النزاع باعتباره مواجهة بين «مبدئيين» و«انتهازيين»؛ فكلا المنهجين يقدم نفسه بوصفه الأقدر على حماية الحزب وتحقيق الإصلاح، مع اختلاف تقدير الكلفة والوسائل.
التجاوز
أما آليات تجاوز الاختلاف، فقد اعتمد الحزب الاحتكام إلى المؤتمر الوطني والمجلس الوطني والتصويت الداخلي، إلى جانب الحوار والمصالحة؛ وأقرّ سنة 2018 ورقة لمنهجية الحوار الداخلي، ونظّم جولات لمناقشة تجربته وخياراته. كما شهد محيط المؤتمر التاسع، المنعقد في أبريل 2025، محاولات وساطة وتقريب بين بنكيران وعدد من منتقديه، مع إشارات إلى إعادة استيعاب بعض المختلفين داخل المؤسسات. غير أن وجود هذه الآليات لا يعني أنها أنهت أسباب الخلاف؛ فاستمرار الجفاء وانسحاب بعض القيادات يكشفان حدود فعاليتها. ويمكن، تحليليًا، القول إن الحزب نجح في توفير وسائل للحسم التنظيمي والحفاظ على استمراره، بينما يظل تجاوز الانقسام السياسي مرتبطًا بقدرته على إنتاج تقييم جماعي للتجربة، وضمان مشاركة المخالفين في القرار، وتحويل المصالحة الشخصية إلى قواعد مؤسسية مستمرة.
ويمثل تجاوز الاختلافات بين أجنحة حزب العدالة والتنمية المغربي ضرورةً لبناء قدرة سياسية وتنظيمية مشتركة، لكنه لا يتحقق بإلغاء التعدد الداخلي أو فرض الانضباط على حساب النقد والمراجعة. فالاختلاف حول تقييم تجربة الحكم، والعلاقة بمؤسسات الدولة، وحدود التوافق، وأولويات الإصلاح، يمكن أن يصبح مصدرًا لتجديد الحزب إذا انتظم داخل مؤسسات تحترم حرية النقاش وشفافية القرار والمحاسبة. ويقتضي ذلك تحويل الخلاف من تنازع حول الأشخاص والولاءات إلى حوار حول الخيارات والبرامج، وصياغة تقييم جماعي للمسار يوزّع المسؤوليات بإنصاف، ويتيح تداول القيادة وإشراك الأجيال الجديدة، ويجعل القرارات المشتركة ملزمة بعد مناقشتها ديمقراطيًا.
ويحتاج هذا التجاوز إلى أرضية سياسية تجمع مختلف الحساسيات حول استعادة ثقة المواطنين، والدفاع عن المشاركة الديمقراطية، وربط المرجعية الإسلامية بمطالب العدالة الاجتماعية والحريات والكرامة. فالوحدة التنظيمية تكتسب معناها حين تتحول إلى عمل ميداني وبرنامج واضح يستجيب لقضايا الشغل والتعليم والصحة والتفاوتات المجالية، ويقدّم أجوبة قابلة للتنفيذ ضمن السياق المؤسسي المغربي. وبقدر ما تنجح قيادة الحزب في حماية حق الاختلاف، ومنع التشهير المتبادل، وفتح قنوات الوساطة الداخلية، يصبح ممكنًا بناء وحدة مرنة تتسع للنقد وتحول التنوع إلى قدرة على التعلم والتجدد، بدل أن يظل سببًا لاستنزاف الحزب وإضعاف حضوره المجتمعي.
التجديد
ومن جهة التجديد الداخلي، قد تكون عودة حزب العدالة والتنمية فرصة للمراجعة، وقد تصبح ذريعة لتأجيلها. فإذا فُسرت النتائج باعتبارها تبرئة كاملة لتجربة الحكم السابقة، أمكن أن يعيد الحزب إنتاج مواطن ضعفه. أما إذا عُدّت فرصة ثانية مشروطة، فإنها تتيح مراجعة العلاقة بين القداسة والسياسة، وتجديد القيادة، وتطوير الكفاءة الاقتصادية، وتوسيع المشاركة الداخلية. وقد ربطت تغطية رويترز التعافي بدور عبد الإله بنكيران؛ وهو ما يطرح سؤال تحويل أثر الزعامة إلى قدرة مؤسسية تستمر بعد الأشخاص.
وعلى المستوى المغاربي والعربي، تحمل النتيجة دلالة رمزية لصالح إمكان بقاء الأحزاب الإسلامية فاعلًا انتخابيًا بعد إخفاقات قاسية، لكنها لا تثبت وجود موجة إقليمية جديدة لصعودها. فشروط المنافسة المغربية تختلف عن شروط الإقصاء أو القمع أو الاستقطاب في بلدان أخرى. والدرس القابل للنقاش، بما في ذلك في تونس، هو أن مراجعة الأداء، والارتباط بالمطالب الاجتماعية، وقبول التعددية قد تكون أكثر فائدة من انتظار عودة تلقائية للجمهور بفعل الهوية الدينية وحدها.
وعليه، فإن المآلات مفتوحة على ثلاث اتجاهات: تعافٍ مستدام إذا تحولت العودة البرلمانية إلى تجديد فكري وتنظيمي واجتماعي؛ أو استقرار عند موقع قوة معارضة مؤثرة دون استعادة قيادة الحكومة؛ أو انتكاس جديد إذا بقي التعافي مرتبطًا بزعيم أو بضعف المنافسين. فالانتخابات أضافت إلى رصيد الإسلام السياسي المغربي قدرةً على الحضور، أما قدرتُه على الفعل والتغيير فما تزال موضع اختبار. والمعيار الأهم مستقبلًا هو مقدار ما يقدمه للمواطن من عدالة وحرية وخدمات ومصداقية، لا مجرد مقدار ما يستعيده من مقاعد.
الخاتمة
تكشف هذه القراءة أن مستقبل العدالة والتنمية سيُحسم بقدرته على تحويل الحضور إلى ثقة، والثقة إلى برنامج، والبرنامج إلى أثر ملموس في حياة المواطنين. فالمرجعية الإسلامية تمنحه رصيدًا رمزيًا وأخلاقيًا، لكن استدامة هذا الرصيد تقتضي وصلَه بالدفاع عن الحريات والعدالة الاجتماعية والكفاءة واحترام التعددية. كما أن تجاوز خلافاته الداخلية يحتاج إلى مراجعة جماعية لتجربة الحكم، وقواعد تضمن المشاركة والمحاسبة وتداول المسؤولية؛ إذ تفقد المصالحة معناها حين تكتفي بتقريب القيادات، وتكتسب قيمتها حين تجعل الاختلاف موردًا للتعلم وتصحيح الخيارات.
وتبقى الدلالة الأوسع للتجربة المغربية أن إخفاق الأحزاب الإسلامية لا يثبت نهايتها التاريخية، مثلما لا تكفي استعادة حضورها لإثبات تجدد مشروعها. فبين البقاء والتغيير مسافة تملؤها المؤسسات والبرامج والروابط الاجتماعية والقدرة على الاعتراف بالأخطاء. ومن هنا، فإن الفرصة الثانية تضع العدالة والتنمية أمام مسؤولية أشد: أن يبرهن على أنه تعلّم من السلطة والمعارضة معًا، وأن يجعل عودته مدخلًا لتوسيع المشاركة وتحسين شروط المواطنة. وعندئذ يصبح السؤال الأهم: ماذا يستطيع أن يغيّر في حياة المغاربة، وبأي رؤية وأدوات وضمانات للمحاسبة؟