ليست الرسالة التي وقّعها عدد من القادة السياسيين المعتقلين في تونس مجرّد نداء تضامن، ولا هي بيان عابر يُضاف إلى ركام البيانات التي أنتجتها السنوات الأخيرة. إنّها، في جوهرها، دعوة لإعادة ترتيب الأولويات في لحظة بلغ فيها الخراب السياسي حدًّا لم يعد يسمح بمزيد من المناورات اللفظية أو التمترس وراء الخلافات القديمة.
فالذين كتبوا من وراء القضبان لا يطلبون التعاطف مع مصيرهم الشخصي بقدر ما يضعون الجميع أمام سؤال أكبر:
هل ما يزال في هذا البلد من يفهم أن معركة الحرية أسبق من كل المعارك، وأن الخلافات مهما كانت عميقة لا يجوز أن تتحول إلى ذريعة للتعايش مع الانقلاب والاستبداد؟
دلالة الرسالة لا تأتي فقط من مضمونها، بل من توقيتها ومن هوية الموقّعين عليها أيضًا. شخصيات لا يجمعها خط سياسي واحد، وبعضها كان إلى وقت قريب في قلب خصومات حادة، بل مؤذية أحيانًا، داخل المجال العام التونسي. ومع ذلك، فقد انتهى بها الأمر إلى صياغة خلاصة واحدة: تونس عادت إلى الحكم الفردي، وما جرى منذ 25 جويلية لم يكن مجرد تصحيح لمسار ديمقراطي مأزوم، بل انقلابًا على مكتسبات الثورة والانتقال الديمقراطي، وعلى الحد الأدنى من شروط الحياة السياسية السوية: دستور يُحتكم إليه، قضاء مستقل، مؤسسات منتخبة، وتداول سلمي على السلطة.
ليس هذا التوصيف جديدًا في ذاته، لكن الجديد أن يأتي من داخل السجن، أي من المكان الذي تختبر فيه السياسة صدقيتها الأخلاقية لا براعتها الخطابية. هنا تحديدًا تكتسب الرسالة معناها. فهي لا تقول للقوى السياسية والمدنية: “تضامنوا معنا لأننا مظلومون”، بل تقول لها ما هو أبعد من ذلك: “إذا كان من خلاف يجب أن يُؤجَّل اليوم، فهو خلافكم حول البرامج والهويات والتأويلات، لأنّ الحرية نفسها في خطر، ولأنّ المجال العام الذي يُفترض أن تُدار فيه هذه الخلافات مغلق أمام أعينكم”.
ولهذا لا ينبغي قراءة الرسالة بوصفها مجرد موقف من السلطة، بل أيضًا بوصفها إدانة صامتة لعجز المعارضة نفسها. فهي، من حيث لا تصرّح، تقول إنّ أحد أسباب ما انتهت إليه تونس هو فشل النخب السياسية في التمييز بين التناقض الرئيسي والتناقضات الثانوية. فبدل أن تتعامل مع المسار الذي دشّنه 25 جويلية باعتباره خطرًا على قواعد اللعبة نفسها، ظلّ كثيرون أسرى ثاراتهم القديمة، أو حساباتهم الصغيرة، أو أوهامهم بشأن إمكان توظيف هذا المسار لتصفية خصومهم. وحين يحدث ذلك، لا يعود الاستبداد مجرد قوة تفرض نفسها من فوق، بل يصبح أيضًا ثمرة لتواطؤ الصمت، ولعجز الخصوم عن إدراك أن سقوط الحرية لا يستثني أحدًا.
من هنا فإنّ الرسالة تضع القوى السياسية والمدنية أمام امتحان عسير، وربما أخير. إذ ليس المطلوب منها أن تُصدر بيانًا جديدًا عن “ضرورة الوحدة” ثم تمضي كل جهة إلى شأنها، ولا أن تكتفي بالتعبير عن التعاطف الإنساني مع المعتقلين، على أهميته. المطلوب هو ما هو أكثر كلفة وأشدّ صعوبة: أن تعترف علنًا بأنّ ما تعيشه تونس ليس أزمة حكم عابرة ولا مجرد انحراف قابل للتصحيح من داخل المنظومة القائمة، بل هو انغلاق سياسي شامل يهدد ما تبقى من فكرة السياسة نفسها.
وهذا الاعتراف، إن كان جديًا، يقتضي ترجمة سياسية واضحة:
- أولها أن تكفّ القوى التي تعتبر نفسها ديمقراطية عن التعامل مع ملف المعتقلين باعتباره شأنًا يخصّ عائلاتهم أو أحزابهم أو دوائرهم الفكرية. فالسجن هنا ليس حادثًا منفصلًا، بل هو التعبير الأشدّ فجاجة عن منطق يريد أن يُدار به البلد: قضاء يُستعمل لترهيب الخصوم، إعلام يُراد له أن يتعلّم الصمت، وسياسة تُدفع دفعًا إلى الهامش حتى لا يبقى في الساحة إلا صوت واحد ورواية واحدة وإرادة واحدة. ومن لا يفهم هذه الحقيقة اليوم، أو يتردد في تسميتها باسمها، إنما يشارك – عن قصد أو عن عجز – في تطبيع التونسيين مع الاستبداد.
- وثانيها أن تتجاوز هذه القوى منطق التضامن اللفظي إلى بناء حدّ أدنى من الفعل المشترك. لا أحد يطلب منها أن تذيب خلافاتها الفكرية أو أن تصطنع وحدة كاذبة. لكن ما يُطلب منها، وهو أقل من الوحدة وأكثر من مجرد التنسيق، أن تتفق على أرضية واضحة: إطلاق سراح المعتقلين السياسيين، وقف توظيف القضاء في الصراع السياسي، الدفاع عن استقلال المؤسسات، وفتح المجال العام أمام التعددية والاختلاف. تلك ليست مطالب حزب بعينه ولا برنامج معارضة ظرفية، بل هي الشروط الأولية لأي حياة سياسية تستحق اسمها.
غير أنّ الاستجابة المطلوبة لا تقتصر على توجيه الرسائل للدولة وخاصة عقلها، بل تشمل أيضًا مراجعة الخطاب الموجّه إلى المجتمع. فالمعارضة التونسية دفعت ثمنًا باهظًا لأنها كثيرًا ما تحدثت عن الديمقراطية كما لو كانت شأنًا نخبويًا منفصلًا عن الخبز والبطالة والكرامة. والحال أنّ التونسي الذي يئنّ تحت الغلاء أو التهميش أو انسداد الأفق لا يحتاج إلى درس نظري في الفصل بين السلطات، لكنه يحتاج إلى من يشرح له أن غياب القضاء المستقل يعني غياب الحماية للجميع، وأن غياب الإعلام الحر يعني غياب المحاسبة، وأن خنق السياسة لا ينتج استقرارًا بل يطيل عمر الفشل ويمنع أي مساءلة حقيقية عن الانهيار الذي يطال معيش الناس قبل حقوقهم.
ومع ذلك، فإن الإنصاف يقتضي قول ما لا تقوله الرسالة صراحة. فهي محقّة في تحديد الخطر الداهم، ومحقّة في الدعوة إلى تأجيل الخلافات، لكنها لا تُعفي أصحابها، ولا من يقفون في فضائهم السياسي الأوسع، من نصيبهم من مسؤولية ما آلت إليه البلاد. فالانتقال الديمقراطي لم يسقط فقط لأنّ خصومه تآمروا عليه، بل سقط أيضًا لأنّ جزءًا من نخبته أدار الخلافات بعقل قصير، وبدّد الثقة الشعبية، وترك المجال مفتوحًا أمام من قدّم نفسه باعتباره الخلاص من الفوضى ومن عبث الأحزاب. غير أنّ هذه الحقيقة، على قسوتها، لا تصلح ذريعة للحياد اليوم، بل تجعل من الواجب مضاعفًا: مقاومة الاستبداد، ومراجعة الأخطاء التي سهّلت له الطريق.
في النهاية، ليست هذه الرسالة اختبارًا للمعتقلين، بل لمن هم خارج السجن. اختبار لمدى استعدادهم إلى الارتفاع فوق حساباتهم، ولو قليلًا، وإلى فهم أن البلاد لا تُنقذ بخصومات متجاورة، ولا بمعارضات ينتظر بعضها سقوط بعض، ولا بنخب لا ترى في السجن إلا مصيرًا يخصّ الآخرين.
فإن لم تُقرأ الرسالة باعتبارها نداءً عاجلًا لاستعادة السياسة من براثن الخوف، فلن يكون من وراء القضبان هم وحدهم، بل ستكون تونس نفسها.