نعم لعدم المبالغة في توقع ما سيحدث في أمريكا بعد هذه الانتخابات، فالحزب الديمقراطي لن يتحول حزبا عربيا، ولا إسلاميا، ولا حتى "جنوبي" الهوى، فهو حزب أمريكي بامتياز، مدافع عن خيارات أمريكا القيمية والاقتصادية الليبرالية بل النيوليبرالية، خاصة في ما يتعلق بالعلاقة مع بقية العالم. وهو حزب الخيارات ألأخلاقية التي تستهدف النظام الأسري تحت مسمى الحريات الفردية، وهو الحزب الذي يؤمن بحق إسرائيل في الوجود وفي احتلالها لأرض فلسطين،
وهو يدرك أن الناخب الأمريكي انتخبه غضبا من الحزب الجمهوري الذي استهدف بسياسته وضعه المعيشي ... ولأنه أدخل أمريكا في حرب استنزفت ميزانيته منهم كدافعي ضرائب على حساب نظامهم الصحي والتعليمي وقوت يومهم ... وكل ذلك لخدمة إسرائيل.
النظام المؤسسي للدولة الأمركية المعقد وشديد التركيب، يغلق الباب أمام التحولات الفجئية مهما بدت في الظاهر عميقة، والدليل على ذلك هذه الانتخابات التي ألجمت تهور وجنون ترامب. بين النظام الحزبي والنظام الإنتخابي والنظام التشريعي والنظام القضائي ونظام الإدارة التنفيذية الرئاسية والعميقة، ومؤسسات الرقابة والمتابعة، وأيضا المؤسسات الإعلامية وشبكات الثينك تانك ومجموعات الضغط، كل هذا الأخطبوط المؤسسي لا يجعل إمكان التحولات "الانقلابية" ممكنة.
ومع ذلك فللحدث دلالة رمزية وإشارة إلى تحول نفسي وثقافي وحتى مؤسسي في بنية الدولة والمجتمع عميق ... له ما قبله ... وله ما بعده ...
لقد فعل الطوفان فعله العميق في الوعي الأمريكي الشعبي ... كلنا تابعنا ذلك ولا زلنا نتابعه ... ذلك أن ارتدادات 7 أكتوبر وجرائم الإبادة لم تتوقف ... لكنني أجازف بالقول أن حدثا إرهابيا رهيبا كـ 11 سبتمبر قد فعل فعله الإيجابي على عكس ما يصر كثيرون ... نعم لقد كان حدثا إرهابيا بامتياز وساهم في التضييق على المسلمين الأمريكيين وعلى فرض مناخ ترهيب وتمييز عنصري، ولكنه فتح أعين الأمريكيين على الإسلام واستطاع الآلاف الانتباه إلى ضرورة التفريق بين الإسلام والإرهاب الذي يدعي أصحابه القيام به باسمه. وطرح على المسلمين الأمريكيين تحدي الصمود والعمل على جبهة الحقوق والحريات والدفاع عن الإسلام.
وبقطع النظر عن الأحداث الكبرى التي لها تأثيرها بدون شك فإن اندماج الجالية العربية والمسلمة في المجتمع الأمريكي وولادة أجيال منهم هناك وارتباط حياتهم بأمريكا بل إن بعض تلك الأجيال لا يعرفون انتماءا لغيرها من البلدان، إن كل ذلك جعلهم أمريكيين كغيرهم يفكرون لمستقبلهم ولحقوقهم ولحريتهم ولرفاهيتهم ولبلدهم أمريكا كما يفكر أي أمريكي آخر. وهذا ما يجعل تأثيرهم مع الزمن يتضاعف ومكانتهم ترتفع، خاصة مع المعطيات الديمغرافية التي تجعل أعدادهم تتضاعف من خلال ارتفاع معدل الخصوبة عندهم وكذلك ارتفاع نسبة المهاجرين من البلدان الإسلامية. ولقد كان من اللافت للنظر حجم وسرعة الإندماج لدى بعض المهاجرين كما نلاحظه في الجالية الصومالية التي يبدو أنها "تثأر" لغزو بلدها باندماجها الكبير في المجتمع الأمريكي وصعود قيادات صومالية اللافت في مؤسستي البرلمان والشيوخ الأمريكيين، كما ثأرت لنفسها ميدانيا على أرض الصومال من الغزو الأمريكي الهمجي فمرغت أنف جيشه وسحلت جنوده.
لكن لا يجب النظر إلى ما حصل كطفرة ولا كثورة وإنما هو تحول نتيجة تراكم سابق له عقود، وهو تركم يقوى بالتراكم ... ويمكن أن تفعل بعض الأحداث الكبرى كالطوفان وتداعياته ومنها العدوان على إيران فعلها فتكون جرعة التراكم أقوى وأكبر ولكن في الأخيرة نبقى ضمن مستوى التراكم ...
الحضارات والامبراطوريات وحتى الدول لا تسقط بالضربة القاضية، وإنما بـ "الانحلال" الذي "ينخره" التراكم النوعي البديل نفسيا وثقافيا ثم اجتماعيا واقتصاديا وأخيرا سياسيا وجيوسياسيا ...
ابن خلدون، كتب في آخر مقدمته وهو يتحدث عما أصاب العالم الاسلامي في المائة الثامنة هجرية (القرن 14) وقال قولته المشهورة " وكأن العالم آذن بالأفول"، ومع ذلك انتظرنا 5 قرون حتى سقطت آخر قلعة رمزية للمسلمين ألا وهي الخلافة العثمانية ... هذه الحضارة الأمريكية وقبلها الغربية احتاجت أخمس قرون حتى تنتصر على الحضارة الاسلامية. ومع ذلك لم تستسلم لها الأمة كما استسلمت الحضارتين الفارسية والرومانية للأمة الاسلامية ورسالتها الخالدة ...
أمريكا عمرها لا يتعدى 300 سنة، وهي وحضارتها الغربية كلها، كتب مؤرخوها وعلى رأسهم شبنغلر الألماني منذ بداية القرن العشرين معلنا سقوطها، وها هو تود الفرنسي وغيره مجددا يؤكدون حتمية سقوطها ...
طبعا مع التأكيد الجازم لا شيء يسقط من تلقاء نفسه ... ذلك أن نظام الكون يأبى الفراغ ... ولن تترك قوة مكانها إلا إلى قوة أخرى آخذة في الصعود في الوقت الذي أخذت هي رحلة السقوط ... كما أن نظام الكون أيضا بني على التنافس، وبالمقاييس المادية الموضوعية لا حديث الآن إلِا على القوة الصينية الصاعدة، وأخيرا فإن نظام الكون أيضا بني على العمل ولا يمنح سيادته إلا للعاملين ...
فعلى المسلمين العمل ثم العمل ثم العمل ...