سراييفو مدينة خبر جمالها كعيانه، ممتدة على شكل مستطيل تطوّقه الجبال. ومركز المدينة حسب اتجاهات الخريطة يكون في الشمال الشرقي، ثم تمتد ضواحيها تباعًا في اتجاه الجنوب الغربي. القطار الداخلي رقم 3 هو أفضل وسيلة للتنقل بين المدينة وضواحيها، وما لا يبلغه القطار تبلغه الأقدام. بهذا نُصحنا قبل زيارة المدينة، وهكذا كان.

بتنا ما تبقّى من أول ليلة وصلنا فيها سراييفو بضاحية «بولفار» القريبة من المطار جنوب غربي المدينة. وكانت أول زيارة لنا في اليوم الموالي إلى نفق الحياة بضاحية بوتمير (تحدثت عنها في مناسبة سابقة).

ثم ركبنا عصرًا القطار في اتجاه وسط المدينة، ولم نعرف بعد اسم المحطة التي بها نسكن ومنها انطلقنا. حددت معالم ثابتة قريبة من المحطة، فإذا ظهرت لنا عند العودة نزلنا، وكنا كذلك نعدّ المحطات.

قضينا وقتًا ممتعًا في القسم الشرقي من المدينة، وصلّينا المغرب في المسجد القريب من ماء السبيل عند المحطة النهائية للقطار الداخلي. وفي طريق العودة، كنت وزوجتي جالسين في الاتجاه المعاكس للسير، وقبالتنا يجلس شابان، أحدهما سائح مغربي قادم من هولندا، كما عرفنا فيما بعد، ريفي لا يتكلم العربية.

وأما الشاب الثاني فهو موضوع هذا المقال.

شاب بملامح أوروبية شرقية، أنف حاد وعينان كعيني صقر حدّد الفريسة ويهم بالانقضاض، ولكن صاحبنا لم يكن يريد افتراسنا، وإنما كان يريد مساعدتنا؛ فقد لاحظ بخبرته انشغالنا، وعرف أننا جدد في المدينة، وأننا لسنا متعودين على ركوب قطار الضواحي ولا نعرف محطاته. سألنا بالإنجليزية عن مقصدنا، وعرف أنه ما زال أمامنا عدد من المحطات لنصل.

لم يطل الحديث بيننا حتى عرف أننا «عرب»، فخاطبنا بلسان عربي فصيح، وتعارفنا. اسمه «سيدين» بوشناقي، سنة ميلاده 1992 هي سنة اندلاع حرب البوسنة، ولا أدري أيهما سبق: صرخته الأولى أم طلقات البنادق! تعلّم العربية في المدارس الإسلامية البوسنية، ثم انتقل إلى القاهرة، وفيها أتقن العربية وتزوج من شابة مصرية.

حضر أحداث الثورة المصرية وسقوط مبارك، وحضر انقلاب السيسي.

أستاذ تاريخ، وخلال العطل وأوقات الفراغ يعمل مرشدًا سياحيًا، خاصة للسياح العرب.

قال إنه لا يشتغل في السياحة من أجل الكسب المادي بقدر ما يسعى للتعريف بالبوسنة وقضاياها والمجازر والمظالم التي تعرّض لها مسلموها.

أدركت منذ بداية حديثنا أنني في حضرة شاب مثقف وصاحب قضية، فلم أشأ أن تكون نهاية الرحلة القصيرة في القطار الداخلي هي نهاية التعارف، خاصة إنه ليس من اليسير أن تلتقي بالبوسنة من يحدثك عنها بلسان عربي مبين، وبوعي سياسي متميز.

تبادلنا أرقام الهاتف على أمل التلاقي.

وبعد يوم اتصلت به وطلبت استضافته على قهوة في المكان الذي يختاره والوقت الذي يناسبه. فاختار مقهى بنزل «إيبيس» بعد المغرب. لما وصلنا المكان، أعلمنا أنه سبقنا، وهو في مقهى بالطابق الخامس عشر. لست ممن يحبذ لقاءات المقاهي عمومًا، وخاصة حين تكون في النزل الفاخرة!

ولكننا، بعد أن وصلنا صاحبنا في «علوّه الشاهق»، أعلمنا أنه يختار هذا المكان لأنه يمكّن السائح من رؤية كامل سراييفو في الليل.

وكان مشهدًا في غاية الجمال.

ومن خلال حوارنا عرفنا أنه مهتم بالشأن الإسلامي عمومًا وبالقضية المركزية (فلسطين)، ومطّلع على الوضع التونسي وعن سجن الشيخ راشد الغنوشي، وسبق أن حضر لقاءً مع الدكتور المنصف المرزوقي، وهو صديق للصحفي المتميز أسعد طه، وبينهما تواصل.

أعلمنا أنه ناشط سياسي، وأنه يرأس حزبًا شبابيًا، ولكنه ينوي الاستقالة منه لأن حزبه لم ينجح في جمع التزكيات اللازمة لخوض الانتخابات… ثم استقال!

ولما انتقل بنا الحديث عن اتفاقية دايتون للسلام في البوسنة، كان يحدثنا عن الظلم والحيف في الاتفاقية، وأن مجزرة سربرينيتشا كانت الأكبر والأبشع ولكنها لم تكن المجزرة الوحيدة كما يُروَّج، وإنما هناك عديد المجازر الأخرى.

كان يحدثنا، وكنت أستحضر قول المرحوم علي عزت بيكوفيتش: «سلام ظالم خير من حرب عادلة»، وفي الوقت نفسه تحضر بعض مشاهد السيرة من صلح الحديبية وامتعاض عدد من الصحابة من بنوده «المجحفة»، ثم صورة الصحابي أبي بصير الذي فرّ من مكة إلى المدينة بعد الصلح، فبعثت قريش في طلبه رجلين، دفعه الرسول صلى الله عليه وسلم إليهما وأوصاه بالصبر، وأكد له أن الله سيجعل له ولمن معه مخرجًا وفرجا!

لكن أبا بصير في طريق العودة إلى مكة تمكّن من قتل أحد الرجلين، وهرب منه الآخر مولولًا إلى المدينة.

عاد أبو بصير للمدينة مبينا للرسول صلى الله عليه وسلم أنه وفّى ذمته وردّه إليهم وأن الله قد أنجاه منهم!

فقال صلى الله عليه وسلم: «ويح أمه، من مسعر حرب لو كان معه رجال»!… فهم أبو بصير أنه سيسلَّم مرة أخرى، فغادر المدينة وسكن سيف البحر ليقطع طريق قوافل قريش إلى الشام، وكل من يفرّ من مسلمي مكة يلتحق به، حتى كوّنوا عصابة قوية جعلت قريشًا تتنازل عن ذلك البند، وتناشد الرسول اللهَ والرحمَ أن يستقبلهم عنده!

صاحبنا وكثير من شباب البوسنة، وحتى من الذين شارك بعضهم في الحرب، غاضبون من مضمون الاتفاقية، وتمنوا لو أن الرئيس علي عزت، رحمه الله، لم يقبل بتلك الشروط المجحفة ولم يوقّع!

بعضهم يقول إننا ذهبنا لمفاوضات السلام في دايتون بجمهورية البوسنة والهرسك، ولكننا عدنا من دايتن «بجمهورية صرب البوسنة» وفدرالية البوشناق والكروات! ومجلس رئاسي ثلاثي والممثل السامي الدولي الذي يتمتع بصلاحيات واسعة تمكنه حتى من حل مجلس الرئاسة!

يريد محاوري أن يقرّب لي الصورة الكارثية لدايتن، حسبما يراها، قال: «تخيّل لو أنه بعد الحرب العالمية الثانية لم تسقط النازية، وفي المقابل جلس هتلر في مفاوضات مع الحلفاء وتقاسم معهم الأرض والسلطة… هذا بالضبط ما حصل في اتفاقية دايتون»!

قال إننا لا نريد أن تستمر الحرب أو تعود، ولا أن تبقى البوسنة مقسمة إلى كيانات، كل ما نريده أن نعيش بسلام، وأن يأتي «هلموت شميت» "الصربي" ويجثو أمام مسلمي البوسنة ويعتذر عما ارتكبوه من جرائم!

وهو يشير إلى مستشار ألماني سابق، وقد جثا على ركبتيه واعتذر لليهود عما ارتكبه النازيون في حقهم من محرقة.

ومنه علمت هذه الحادثة، وعلمت بعد ذلك أن المستشار المقصود هو «فيلي براند» وقد جثا على ركبتيه يوم 7 ديسمبر 1970 أمام نصب ضحايا ڨيتو وارسو!

ولعلّه من الإيجابيات القليلة لاتفاقية دايتن أنها حفظت، ولو شكليًا، دولة البوسنة والهرسك موحّدة بكياناتها المختلفة وحدودها المعترف بها دوليا.

فزائر البوسنة اليوم لا يلاحظ دولًا متجاورة أو متعادية، وإنما يتنقل في دولة واحدة، وإن اختلفت دياناتها وتباينت أعلامها.

ولكنه، من وجهة نظري، وضع هشّ، ولا يمكن أن يستمر إلى زمن بعيد، فإما أن يحضر العقل وتُنبذ الحروب الدينية والاقتتال على الهوية، أو يسود الجنون والتطرف وتعود المآسي.

وللأسف، يبدو أن هذا الخيار هو الأرجح، خاصة بعد الجنازة الرسمية لمجرم الحرب ميلاديتش واعتباره بطلًا من أبطال الصرب من طرف كثير من الفاعلين السياسيين الصرب!

مع ملاحظة أن بعض الذين يكتبون في موضوع البوسنة يتحدثون عن قومية للصرب، وأخرى للبوشناق، وثالثة للكروات، والحقيقة أنهم ينحدرون جميعا من قبائل سلافية، ولكن اختلفت بالزمن هوياتهم الثقافية، وفقا لاختلاف أديانهم أرثوذكس ومسلمون وكاثوليك.

وليس أمام المسلمين المستهدفين في المنطقة، إن أرادوا السلام، إلا أن يُعِدّوا…!

فلا عدل إلا إن تعادلت القوى…

أعِدّوا.