يضع كتاب " صدمة ممداني — حُكم نيويورك على نحو آخر" الصادر باللغة الفرنسية للدكتور منصف السليتي ، القارئ أمام تجربة سياسية تتجاوز صعود زهران ممداني وفوزه الانتخابي، لتطرح سؤالًا أكثر عمقًا: هل يمكن تحويل مدينة تقع في قلب الرأسمالية العالمية من فضاء تحكمه مصالح العقار والمال  ومجموعات ضغط سياسية واقتصادية هائلة، إلى مدى للعدالة الاجتماعية والمواطنة الفعلية؟ وهو سؤال لم يعد نظريًا اليوم: فبعد ثمانية أشهر في قصر البلدية، صار على ممداني أن يجيب عنه بالأرقام لا بالخطابة.

يقرأ السليتي هذه التجربة بعين المهندس والسياسي والخبير في التهيئة العمرانية وإدارة الشأن البلدي، فيربط بين تحقيق الديمقراطية وتأمين شروط الحياة اليومية، وبين شرعية الحكم والقدرة على توفير السكن والنقل ورعاية الأطفال. ومن خلال تحليل البرنامج الاجتماعي لممداني، وتنظيمه الديمقراطي، واستراتيجيته الاتصالية، والعوائق المؤسسية والمالية التي تواجهه، يكشف الكتاب عن انتقال حاسم من سياسة الاحتجاج إلى امتحان الحكم، ومن التعبير عن الغضب الاجتماعي إلى بناء سلطة ديمقراطية قادرة على الإنجاز.

كان صدور كتاب " صدمة ممداني "Le Choc Mamdani للدكتور منصف السليتي مفاجأة سارة، انتقلت بقراء مؤلفاته "الأحلام المقيدة "و "الصمت الموجع" و"المصير المحتوم " ، من شوارع باريس وذكرياتها والأمها وتناقضاتها الى قلب المخاض السياسي قي نيويورك بالولايات المتحدة الامريكية وارهاصات تمظهراته الجديدة.

لا يقدم الكتاب مجرد سيرة ذاتية لزهران، وإن كانت ضرورية لفهم مشواره السياسي، بل يتعامل مع تجربته بوصفها اختبارًا لقدرة اليسار الديمقراطي على حكم مدينة عالمية واقعة في قلب النظام الرأسمالي، وعلى تحويل العدالة الاجتماعية من خطاب تعبوي إلى سياسات بلدية قابلة للتنفيذ. ويندرج الكتاب ضمن أدبيات السياسة الحضرية الجديدة التي تدرس انتقال الحركات الاحتجاجية من الشارع إلى مؤسسات الحكم. ولهذا لا يقرأ السليتي تجربة ممداني من زاوية أيديولوجية مجرّدة، وإنما بعين خبيرة ومدركة لتركيبة النسيج الاجتماعي للمدينة ولتعقيدات الميزانية والعقار والنقل، وعلاقة القرار السياسي بالأجهزة التنفيذية. وهذه ميزة نادرة في أدبيات التعليق السياسي: وتمثل خلفيته المهنية مفتاحًا أساسيًا لفهم العرض السياسي لممداني وانعكاساته على واقع نيويورك.

والكاتب لا ينظر إلى المدينة باعتبارها مجرد فضاء معماري أو تجمع سكاني، بل بوصفها بنية اجتماعية تتوزع داخلها السلطة والثروة والخدمات بصورة غير متكافئة. لذلك يصبح الطريق والسكن والحافلة والحضانة والرصيف أدوات سياسية، مثلما يصبح التخطيط العمراني صورة مكثفة عن طبيعة النظام الاجتماعي وعن الفئات التي يمنحها حقًا فعليًا في المدينة.

مفارقة نيويورك: أغنى المدن وأعجزها

تنطلق الأطروحة المركزية للكتاب من مفارقة صارخة: كيف يمكن لواحدة من أغنى مدن العالم وأكثرها جذبًا لرأس المال والاستثمار أن تعجز عن ضمان السكن والنقل ورعاية الأطفال لقطاعات واسعة من سكانها؟ وتكشف هذه المفارقة، في تصوّر الكاتب، أنّ تراكم الثروة لا يؤدّي تلقائيًا إلى العدالة، وأنّ المدينة العالمية قد تكون في الوقت نفسه مركزًا للثراء الفاحش ومصنعًا للهشاشة الاجتماعية.

والأرقام تُغني عن التنظير: نحو 69% من سكان نيويورك مستأجرون لا مالكون، وأكثر من نصف المستأجرين ينفقون ما يفوق ثلث دخلهم على السكن، بينما يتجاوز الثلث منهم عتبة الـ50%. وفي أفريل/نيسان 2026، تخطّى متوسط الإيجار في مانهاتن لأول مرة في التاريخ حاجز 5000 دولار شهريًا، في حين نقصت بشكل ملحوظ الشقق الشاغرة. في مدينة كهذه، لم تعد «أزمة السكن» عنوانًا صحفيًا، بل صارت هي المسألة الاجتماعية بعينها.

ما هو مفهوم  «الصدمة»؟

وليس المقصود بـ«صدمة ممداني» الانتصار الانتخابي لشخص شاب ذي خلفية مهاجرة ومسلمة فحسب ، وإنما تعني الصدمة اهتزاز القواعد التي حكمت العلاقة بين المال والسياسة داخل نيويورك. فالصدمة حدثت حين اكتشف أصحاب المصالح العقارية والمانحون الكبار والنخب التقليدية في الحزب الديمقراطي أن المال الانتخابي لا يضمن السيطرة المطلقة على اتجاهات التصويت، وأن شبكة شعبية منظمة تستطيع منافسة شبكات النفوذ المترسخة.

ولنتذكّر فالمنافس لممداني أندرو كومو لم يكن مرشحًا عاديًا، بل حاكمًا سابقًا لولاية نيويورك وابن حاكم سابق، أي وريث سلالة سياسية كاملة، وقد خاض السباق مدعومًا بأموال المليارديرات بعد أن هزمه ممداني في الانتخابات التمهيدية في الحزب الديمقراطي في جوان/يونيو 2025، فتجاوز الأعراف وترشّح مستقلًا في نوفمبر. وفي ليلة الرابع من نوفمبر 2025، أدلى أكثر من مليونَي ناخب بأصواتهم، أعلى نسبة مشاركة في انتخابات بلدية نيويورك منذ أكثر من خمسين سنة، فحصد ممداني نحو 50,4% مقابل 41,6% لكومو، وحلّ الجمهوري كرتيس سليوا في المرتبة الثالثة.

يقدم  السليتي نيويورك  في كتابه باعتبارها «مختبرًا عالميًا» للسياسة الحضرية. فالمدينة ليست وحدة محلية مغلقة، بل عقدة مركزية في شبكات المال والإعلام والهجرة والثقافة والقرار الدولي. ولذلك فإن نجاح سياسة اجتماعية في نيويورك ستكون لها قيمة برهانية تتجاوز حدودها: فإذا أمكن إخضاع جزء من منطق السوق للمصلحة العامة في عاصمة مالية عالمية، فإن إمكانات ذلك تكون أكبر في مدن أخرى.

عندما تقاس الديمقراطية  بما تبقى في آخر الشهر 

يعيد الكتاب تعريف الديمقراطية انطلاقًا من شروط الحياة اليومية. فالديمقراطية ليست انتخابات دورية أو ضمانًا للحريات القانونية فحسب، بل هي أيضًا قدرة المواطن على السكن والتنقل والعمل وتربية أبنائه من دون أن تستنزف تكلفة المعيشة كامل مدخراته وراتبه بل وحياته كلها. ومن هنا ينتقل المؤلف من مفهوم «الديمقراطية الإجرائية» إلى مفهوم «الديمقراطية المادية» التي تقاس بما يحصل عليه الناس فعليًا من حقوق وخدمات.

ويفسر السليتي صعود ممداني بأزمة الثقة في المؤسسات المحلية. فعندما تعجز البلدية والأحزاب والنخب عن الاستجابة لمشكلة الإيجار وارتفاع الأسعار وتدهور الخدمات، يشعر المواطن بأن المؤسسات منفصلة عن حياته. وقد استطاع ممداني تحويل هذا الشعور بالعجز الفردي إلى وعي جماعي يقول إن صعوبة العيش ليست قدرًا شخصيًا، بل نتيجة لقرارات سياسية واختلالات قابلة للتغيير.

يركز الفصل السوسيولوجي الأول في الكتاب على أزمة السكن. فالسكن في نيويورك لم يعد مجرد حق اجتماعي أو مجالا للاستقرار الأسري، بل أصبح أصلًا ماليًا ومجالًا للمضاربة وتراكم الأرباح. وينتج عن ذلك تفاوت بين «القيمة الاستعمالية» للسكن، أي كونه مكانًا للعيش، و«قيمته التبادلية» باعتباره سلعة استثمارية، وهو ما يجعل ملايين السكان خاضعين لسلطة الملاك والشركات العقارية.

من هنا يكتسب وعد تجميد إيجارات الشقق المنظمة مكانة مركزية في برنامج ممداني. فتجميد الإيجارات ليس إجراءً تقنيًا محدودًا، بل تدخل في ميزان القوى بين الملكية العقارية والعمل المأجور. إنه محاولة لحماية دخل الأسر من الاستحواذ العقاري، وإعادة توزيع غير مباشر للثروة من خلال الحد من قدرة المالك على زيادة الريع.

أما مجانية التنقل ، فتظهر في الكتاب بوصفها سياسة اجتماعية ومجالية في آن واحد. فتكلفة النقل تحدد قدرة الأفراد على الوصول إلى العمل والتعليم والرعاية الصحية، وبالتالي فإن المساواة القانونية تظل ناقصة عندما تكون الحركة داخل المدينة مكلفة. النقل المجاني، في هذا المعنى، يوسع «المواطنة الحضرية» ويعيد وصل الأحياء الطرفية بمراكز الفرص الاقتصادية والثقافية.

وتمثل الرعاية الشاملة للأطفال المفصل الاجتماعي الثالث في المشروع. فهذه السياسة لا تتعلق بالطفولة وحدها، بل بإعادة تنظيم العلاقة بين الأسرة والعمل والدولة. وهي تخفف العبء المالي والزمني الواقع خصوصًا على النساء والأسر العاملة، وتحوّل رعاية الأطفال من مسؤولية خاصة تتحملها الأسرة منفردة إلى وظيفة اجتماعية تشارك الجماعة السياسية في تمويلها.

وتجمع هذه السياسات الثلاث اي السكن والنقل ورعاية الأطفال، فكرة واحدة هي جعل المدينة «قابلة للعيش» بالنسبة إلى الطبقات الشعبية والوسطى. فالمشكلة التي يعالجها ممداني ليست الفقر المطلق فقط، وإنما ارتفاع كلفة إعادة إنتاج الحياة اليومية. وبذلك ينتقل الخطاب اليساري من الشعارات العامة حول الرأسمالية إلى ملفات ملموسة يستطيع المواطن قياس آثارها داخل ميزانيته الأسرية.

يبين السليتي أن قوة حملة ممداني جاءت من تقديم برنامج بسيط من حيث التعبير، ولكنه عميق من حيث أثره البنيوي. فالناخب لا يحتاج إلى قراءة نظرية اقتصادية طويلة كي يفهم معنى تجميد الإيجار أو مجانية الحافلة. ومع ذلك، فإن هذه المطالب المباشرة تمس جوهر توزيع الثروة والسلطة داخل المدينة، وهو ما يفسر المقاومة الكبيرة التي أثارتها لدى جماعات المصالح. وهنا تكمن مهارة الحملة: شعار «جمّدوا الإيجار» (Freeze the Rent) يُفهم في ثانيتين، ويحتاج تحقيقه وتفكيكه إلى فصل كامل في علم الاجتماع الحضري.

كيف يُصنع «شعب سياسي»؟

ومن منظور الاجتماع السياسي، نجح ممداني في بناء «شعب سياسي» من فئات كانت مشتتة اجتماعيًا وثقافيًا: المستأجرون، العمال، المهاجرون، الشباب، النساء، الأقليات، مستخدمو النقل العام والطبقات الوسطى المهددة بالانحدار. فلم يكن هذا الشعب موجودًا بصورة جاهزة، بل أنتجته الحملة الانتخابية  عندما ربطت بين معاناة جماعات مختلفة ووضعتها تحت عنوان مشترك هو الحق في مدينة عادلة.

لهذه الأسباب لا يفسر الكتاب نجاح ممداني بهويته المسلمة أو بأصوله الهندية والأوغندية وحدها. فالهوية ساعدت على تجسيد تعددية نيويورك وكسر احتكار النخب التقليدية للتمثيل، لكنها لم تكن جوهر عرضه الانتخابي. لقد بنى ممداني خطابه أساسًا حول الكرامة المادية، أي حول مصالح اجتماعية تستطيع عبور الحدود الدينية والإثنية.

و يوضح الكتاب كيف إعتمد ممداني على سياسية اتصالية تستند بالأساس إلى شبكات التواصل الاجتماعي .فقد استعمل لغة مباشرة وصورًا يومية ومنصات رقمية قريبة من الشباب، وتجنب اللغة البيروقراطية التقليدية. ولم يكن الاتصال مجرد ترويج لمرشح، بل أداة لتنظيم الأنصار وإشراكهم في إنتاج الرسالة السياسية، بما جعل الحملة شبكة اجتماعية لا مؤسسة دعائية مركزية فحسب.

تعتمد هذه الاستراتيجية على نقل المواطن من موقع الجمهور المتلقي إلى موقع الفاعل. فالمتطوع لا يكتفي بالتصفيق للزعيم، بل يطرق الأبواب ويشرح البرنامج ويستمع إلى الشكاوى وينقلها إلى الحملة. وهكذا تتحول الانتخابات إلى عملية تنشئة سياسية تنتج الثقة والكفاءة الجماعية، بدل أن تكون مجرد منافسة بين صور المرشحين في وسائل الإعلام.

فلسطين:هي  البوصلة  والحاضنة والقاطرة

القضية الفلسطنية كانت حاضرة لدى ممداني منذ صغره ومنذ التنشئة الفكرية والسياسية لممداني؛ فهو ابن الباحث محمود ممداني، المعروف بدراساته عن الاستعمار والعنف والدولة في أفريقيا، وابن المخرجة ميرا ناير ذات الحس الفني والإنساني المناهض للتمييز. وقد وفّرت هذه البيئة لممداني وعيًا مبكرًا بالعلاقة بين الاستعمار والعنصرية والتفاوت الاجتماعي والقضية الفلسطنية ، وساعدته على وصل السياسة المحلية بقضايا العدالة العالمية

لذلك تحضر القضية الفلسطينية في الكتاب بوصفها «بوصلة أخلاقية وسياسية» لدى ممداني. فهي ليست موضوعًا خارجيًا منفصلًا عن ممداني ومشواره السياسي، بل مدخلًا إلى نقد أشكال التمييز والعنف والإقصاء. ويؤكد الكتاب على أن دفاع ممداني عن الفلسطينيين وتبنيه القضية مبكرا بكل شجاعة، أكسباه ثقة جزء غير قليل من الشباب التقدمي، وحتى من الفئات اليهودية. مقابل إلتزامه بالقضية الفلسطينية ورفع شعار محاكمة نتنياهو، تعرض لحملات سياسية وإعلامية عنيفة وحادة حتى من الرئيس ترامب نفسه.

يكشف هذا الحضور الفلسطيني عن تحول داخل اليسار الحضري الأمريكي؛ إذ لم تعد العدالة الاجتماعية محصورة في الأجور والضرائب والخدمات، بل أصبحت مرتبطة بنقد الاستعمار والعنصرية وسياسات الحرب. غير أن هذه المزاوجة تحمل مخاطرة سياسية: فقد توسع القاعدة الأخلاقية للمشروع، لكنها قد تمنح خصومه فرصة لتحويل النقاش من مشكلات المدينة الملموسة إلى معارك هووية شديدة الاستقطاب.

الفوز شيء والحكم شيء آخر

ويصف السليتي انتصار ممداني بأنه «تمرد ديمقراطي بلغة التعبير المؤسسي». وهذه صيغة مهمة لأنها تميز بين الاحتجاج الذي يعبّر عن الغضب، والحركة القادرة على الفوز بالانتخابات وإدارة المؤسسات. فالتحدي الحقيقي للحركات الاجتماعية لا يكمن فقط في إسقاط رموز النظام القديم، بل في اكتساب القدرة التنظيمية والفنية اللازمة لبناء بدائل قابلة للاستمرار.

"في هذا السياق، يُمثل فوز زهران ممداني في انتخابات رئاسة بلدية نيويورك بنقطة تحول سياسية هامة، يتجاوز تأثيرها النطاق المحلي بكثير ولقد إتبع خطواته وأسلوبه في مواجهة مجموعات الضغط الإسرائلية في أمريكا العديد من المترشحين خصوصا داخل الحزب الديمقراطي وانتصروا في مواقع متعددة. ويدعو هذا الحدث إلى إعادة النظر في الديمقراطية الحضرية المعاصرة من منظور: إن التمكن السياسي هو نتيجة للتمكن المادي وإقرار العدالة الاجتماعية.

لأقد إعتبر العديد من الملاحظين أن "لحظة ممداني"مثلت ثورة ديمقراطية بلغت ذروتها في إدارة الشأن البلدي لنيويورك. لم يستطع المال ولا النظام القائم إيقاف هذا "الوافد الجديد".  وحين صعد إلى منصّة بروكلين ليلة النتائج، افتتح خطابه بعبارة للاشتراكي الأمريكي يوجين دِبس عن فجر يوم أفضل للإنسانية، ثم أعلن:

«يا أصدقائي، لقد أسقطنا سلالة سياسية.»

كانت الرسالة واضحة لا لبس فيها: لقد انهار النظام القديم. كان هذا بمثابة إدراك لسقوط نظام الاستقطاب الذي جسّده أندرو كومو، الشخصية المحمية من قبل المؤسسة الحاكمة، وريث سلالة من السلطة، والمدعوم برأس مال هائل. بفوزه بأكثر من 50% من الأصوات، أثبت مامداني أن "المدينة العالمية" لم تعد مجرد مسألة تتعلق بأجندة نخبها المالية، بل أصبحت الآن ملكاً لأولئك الذين يجعلونها تزدهر." . وفي الأول من جانفي/يناير 2026 أدّى اليمين على نسخة من القرآن، بحضور زوجته الرسّامة والخزّافة راما دواجي، وأمام السيناتور بيرني ساندرز، قائلًا بلغة لا تخلو من تحدٍّ: «انتُخبت اشتراكيًا ديمقراطيًا، وسأحكم اشتراكيًا ديمقراطيًا».

لكن الوصول إلى البلدية لا يعني امتلاك السلطة كاملة. يوضح الكتاب أن حاكم المدينة يعمل داخل شبكة من الاعتماد المتبادل تشمل مجلس المدينة، وحكومة ولاية نيويورك، وهيئات النقل، والمحاكم، والقيود الفيدرالية، والأسواق المالية وأصحاب العقارات. ولذلك فالفوز الانتخابي يمنح الشرعية، لكنه لا يلغي مراكز القوة التي تستطيع تعطيل البرنامج.

وهنا ينتقل الكتاب من سؤال «كيف يفوز اليسار؟» إلى سؤال أصعب هو «كيف يحكم اليسار؟». فالخطاب التعبوي يقوم على وضوح الخصومة وسرعة الوعود، بينما تقوم الإدارة العامة على التفاوض والتدرج، والإجراءات، والميزانيات، والقانون. ويصبح نجاح ممداني رهين قدرته على المحافظة على جذريته الاجتماعية مع اكتساب الواقعية المؤسسية الضرورية للتنفيذ.

وحسب الكاتب تمثل المائة يوم الأولى مفصلًا رئيسيًا في برنامج ممداني ؛ لأنها الفترة التي يجري فيها اختبار الفارق بين الوعد والإنجاز. وينظر المؤلف إلى هذه المرحلة باعتبارها معركة على تعريف التجربة: فأنصار ممداني يريدون إثبات قابلية الاشتراكية الديمقراطية للحكم، بينما يسعى خصومه إلى تقديمها بوصفها حماسة انتخابية متطرفة ستصطدم سريعًا بالواقع المالي والإداري لبلدية تفوق ميزانيتها 125 مليار دولار.

يقدّم السليتي ما يسميه «الهجوم عبر العمل الملموس» بوصفه جوهر طريقة ممداني في الحكم. والمقصود أن تثبت الإدارة الجديدة نفسها من خلال نتائج بارزة يدركها   السكان: إصلاح المساكن والطرقات، حماية أجور العمال، خفض أعباء الحضانة وتحسين النقل. فالشرعية هنا لا تستمد من نقاء العقيدة، بل من قدرة الحكومة على إحداث فرق محسوس في الحياة اليومية.

وتتمثل إحدى الأفكار المهمة في الكتاب في أن التقنية ليست نقيض السياسة. فالميزانية والتخطيط والهندسة والضرائب أدوات تتجسد بواسطتها الخيارات الأيديولوجية. وعندما تحدد البلدية الحي الذي ستصلحه أو الفئة التي ستمولها أو العقار الذي ستفرض عليه الضريبة، فإنها تعيد توزيع موارد المدينة وتعترف ضمنيًا بمن تعتبره صاحب حق فيها.

ويطرح الكتاب، في هذا السياق، مفهوم «الحوكمة الهجومية». فالحكومة لا تكتفي بإدارة التوازنات الموروثة، وإنما تحدد القوى المستفيدة من الاختلال وتعيد ترتيب علاقتها بها. لكن وصف الحوكمة بالهجومية لا يعني الاستبداد الإداري؛ بل يعني استعمال القانون والميزانية والتنظيم لتغيير موازين القوة بدل تقديم الإدارة كجهاز محايد اجتماعيًا.

ويطرح الكتاب كدلك التناقض البنيوي بين إدارة الرأسمالية والسعي إلى تغييرها. فبلدية نيويورك تحتاج إلى الضرائب والاستثمار والأسواق والائتمان، لكنها تريد في الوقت نفسه ضبط العقار وزيادة مساهمة الأثرياء وتقوية القطاع العام. ولذلك قد تجد إدارة ممداني نفسها مضطرة إلى التفاوض مع القوى التي قامت حملته أساسًا على مقاومة نفوذها.

ويتجلى هذا التناقض كذلك في العلاقة بين ممداني ومنظمة الاشتراكيين الديمقراطيين في أمريكا. فالحركة التي ساهمت في انتخابه تريد الحفاظ على الاتجاه التحويلي للبرنامج، بينما تفرض عليه المسؤولية التنفيذية تقديم تنازلات وائتلافات. وإذا ابتعد كثيرًا عن قاعدته فقد يفقد طاقته الشعبية، وإذا رفض كل تسوية فقد يعجز عن تمرير قراراته.

ومن أهم العوائق التي يرصدها الكتاب مقاومة رأس المال العقاري والمالي. فهذه القوى لا تعمل فقط عبر السوق، بل عبر التمويل الانتخابي والإعلام وجماعات الضغط والدعاوى القضائية والتهديد بنقل الاستثمارات. ومن ثم فإن أي سياسة لإعادة التوزيع تحتاج إلى تحالف اجتماعي طويل النفس يستطيع حماية الإدارة من الابتزاز الاقتصادي والسياسي.

ويتناول السليتي كذلك خطر «هروب الأثرياء» الذي يستخدم عادة للاعتراض على زيادة الضرائب. ويقتضي التحليل الرصين عدم إنكار هذا الاحتمال وعدم تحويله، في المقابل، إلى حق نقض تمنحه الأقلية الغنية لنفسها. والمطلوب هو تصميم ضريبي متدرج، وتنسيق بين المدينة والولاية، وربط الضريبة بتحسين الخدمات والاستقرار الاجتماعي اللذين ينتفع منهما الاقتصاد نفسه.

ويلفت الكتاب إلى عدد من مواطن الضعف الأخرى، كتعقد البيروقراطية، واحتمال سوء إدارة الحضور الإعلامي، والتوتر بين سرعة المطالب الشعبية وبطء المؤسسات. وهذه العقبات تبيّن أن الإرادة السياسية شرط ضروري للتغيير، لكنها ليست شرطًا كافيًا؛ إذ يجب أن تسندها معرفة تفصيلية بالدولة وقدرة على اختيار الكفاءات وبناء نظم للمساءلة.

وفي النهاية ما هي مقاصد الكتاب؟

للكتاب غايات عديدة والغاية النظرية الأولى للكتاب هي إعادة الاعتبار إلى البلدية باعتبارها مستوى استراتيجيًا للتغيير الديمقراطي. فالتحولات الكبرى لا تبدأ دائمًا من الدولة المركزية؛ إذ تستطيع المدينة أن تكون مدرسة للمشاركة ومختبرًا لإعادة التوزيع ومجالًا لبناء الثقة. وبذلك يقاوم الكتاب النظرة التي تحصر السياسة الكبرى في الرئاسة والبرلمان والعلاقات الدولية.

أما الغاية السياسية الثانية فهي إثبات أن اليسار يستعيد فعاليته عندما يعيد اكتشاف المسألة الاجتماعية وينظم الناس حول حاجاتهم الواقعية. ويستخلص الكتاب أن نجاح ممداني قام على أربعة عناصر مترابطة:

·               برنامج محدود وواضح

·               وتنظيم قاعدي واسع

·               واتصال سياسي مبتكر

·               وربط الأخلاق بالإنجاز.

لكن استمرار التجربة يتطلب إضافة عنصر خامس هو القدرة المؤسسية على التنفيذ والتقييم والتصحيح.

ولا يقدّم المؤلف هوية ممداني بوصفها مصدر برنامج ديني أو مشروعًا لأسلمة الدولة، بل باعتباره اختبارًا لقدرة الديمقراطية الغربية على استيعاب مواطن مسلم داخل أعلى مواقع المسؤولية. فممداني دخل المجال العام ببرنامج مدني اجتماعي يخاطب الجميع، مع احتفاظه بهويته ودفاعه عن حقوق الفلسطينيين ومقاومته للإسلاموفوبيا.

ويضع الكتاب التجربة ايضا في سياق أزمة الحزب الديمقراطي الأمريكي. فقد أبانت حملة ممداني عن اتساع الفجوة بين جهاز حزبي تقليدي مرتبط بكبار الممولين، وقاعدة شابة تطالب بسياسات أكثر جرأة في السكن والصحة والأجور. لذلك أصبحت نيويورك مختبرًا لاحتمال انتقال الحزب من الوسطية النيوليبرالية إلى الديمقراطية الاجتماعية.

وهذا أيضًا هو المحور المركزي في كتاب تريستان كابيلو الموازي، «انتصار زهران ممداني في نيويورك: مختبر لليسار» (منشورات Textuel)، لمؤرخ فرنسي-أمريكي يدرّس بجامعة جونز هوبكنز ويقيم في نيويورك، تابع الحملة من الداخل.

والمقارنة بين الكتابين مفيدة: كابيلو مؤرخ يفكّك كيف انتُزع الفوز، والسليتي بعين خبير وسياسي سابق يسأل كيف يُدار ما بعد الفوز. الأول يكتب تاريخ حملة، والثاني يكتب دفتر شروط سلطة.

ثم مادا عن المحصلة الأساسية للكتاب؟

والغاية الكبرى للكتاب هي البرهنة على أن السياسة المحلية تستطيع مقاومة العولمة النيوليبرالية من داخل الديمقراطية. فالمدينة ليست مجرد وحدة إدارية تنفذ قرارات الدولة المركزية، وإنما مجال يمكن فيه بناء خدمات عامة جديدة، وتجريب أنماط بديلة للملكية والتمويل، وإقامة تحالف يومي بين الإدارة، والمجتمع المدني والنقابات والسكان.

أما المخرج الفكري والاستراتيجي للكتاب فهو أن نجاح «خيار ممداني» لن يُقاس بالانتصار الانتخابي، بل بقدرته على الانتقال من الاحتجاج إلى الإنجاز ومن الخطاب إلى المؤسسة. وإذا نجح في تمويل برنامجه وبناء إدارة كفؤة والتفاوض مع الولاية والدولة الفيدرالية، فستصبح نيويورك نموذجًا عالميًا للحكم الحضري الاجتماعي؛ أما إذا اصطدم المشروع بعجز الميزانية والبيروقراطية وهروب الاستثمار، فسيؤكد أن الإرادة السياسية وحدها لا تكفي. ومن منظوره يدعو الكتاب ضمنيًا إلى يسار اجتماعي واقعي يربط العدالة بالكفاءة، والسيادة الشعبية بقدرة الدولة على الإنجاز، والسياسة الكبرى بالمشكلات اليومية للمواطن.

وتتمثل المحصلة الأساسية للكتاب في أن «حكم نيويورك على نحو أخر» لا تعني استبدال نخبة بأخرى، وإنما تغيير معنى الحكم ذاته: من إدارة المدينة لمصلحة قيمة العقار والأسواق إلى إدارتها لمصلحة القيمة الاجتماعية للحياة. غير أن السليتي لا يقدم تجربة مكتملة أو نموذجًا مضمون النتائج؛ بل يعرض معركة مفتوحة بين شرعية انتخابية تريد إعادة توزيع الموارد، وبنية رأسمالية وبيروقراطية قادرة على امتصاص التغيير. ومن هنا تكمن قيمة الكتاب في إنه لا يكتفي بالاحتفاء بـ«صدمة ممداني»، وإنما يجعل منها سؤالًا عالميًا حول إمكانية تحويل الغضب الاجتماعي إلى سلطة ديمقراطية كفؤة وعادلة ومستدامة.

وتكمن القيمة الفكرية والاستراتيجية لكتاب «صدمة ممداني» في أنه لا يتعامل مع الفوز الانتخابي بوصفه نهاية المعركة، بل بوصفه بدايتها الحقيقية؛ فنجاح التجربة سيُقاس بقدرتها على تحويل الشرعية الشعبية إلى سياسات عامة ملموسة، وعلى الجمع بين العدالة الاجتماعية والكفاءة الإدارية والواقعية المؤسسية. إن الحكم بطريقة أخرى، لا يعني مجرد تغيير الأشخاص، وإنما إعادة تعريف وظيفة المدينة والدولة: من حماية الريع والمصالح المالية إلى حماية حق الناس في السكن والتنقل والعمل والعيش الكريم. ومن نيويورك إلى تونس وسائر المدن العربية، يوجّه الكتاب رسالة واضحة مفادها أن البديل الديمقراطي لا يصنعه الخطاب وحده، بل يبنيه تنظيم شعبي واسع، وبرنامج اجتماعي قابل للتنفيذ، وإدارة نزيهة تجعل أثر السياسة محسوسًا في الحياة اليومية للمواطنين. والدرس هنا أقرب إلينا ممّا يبدو: فالمدن العربية تعرف هي أيضًا مضاربة عقارية تُخرج الشباب من أحياء وُلدوا فيها، ونقلًا عموميًا مهترئًا يقرّر من يصل إلى العمل ومن يتأخّر، وبلديات بلا موارد تُطالَب بما لا تملك صلاحيته. ما يقوله الكتاب، في النهاية، هو أنّ الحقّ في المدينة ليس ترفًا نظريًا، بل هو الشكل الأكثر ملموسية للمواطنة.

ولا تدعي هذه القراءة بانها أحاطت بكل ما في الكتاب من تحاليل ومعطيات ومعلومات تفصيلية ثرية. لذلك ستبقى للكتاب جدته واغراؤه لكل المهتمين باقتناء الكتاب وقراءته.

---رابط الكتاب الموجود أساسا ف أمازون:

LE CHOC MAMDANI: Gouverner New York autrement

https://www.amazon.fr/CHOC-MAMDANI-Gouverner-York-autrement/dp/2959258010