قد يكون آخر منشور يمضيه وزير الشؤون المحلية لطفي زيتون قبل إقالته، ذلك الذي يلغي منشورا سابقا يوجب أن تكون الأسماء عربية ... استند المنشور على الدستور الجديد وعلى القوانين الجديدة في مجال الحريات الفردية.
الأسماء رموز تعكس الهوية الثقافية لشعب ما وليست محض علامات للتفريق بين الأشخاص. وككل هوية فبقدر ما أنها ليست ثابتة إلا أن تحولاتها لا يجب أن تخضع للفرض القسري على نحو ما مورس في كثير من البلدان.
وإذ يبدو غير معقول أن تفرض على الناس مسمياتهم، إلا أن ذلك لا يعني أن يكون عدم التحديد مطلقا. لدرجة أن يتم اعتماد أسماء شاذة، أو تحمل دلالات ثقافية أو دينية سلبية، أو أن تكون خالية الحد الأدنى من المعنى. وقد لاحظت في أحد البلدان غير العربية موجة تسمية الأبناء من خلال جمع حرفين أو ثلاث من اسم الاب وحرفين أو ثلاث من اسم الأم بحيث لا يحمل الاسم إلا " موسيقى حروفه " ولا معنى له غير ذلك.
ولرمزية الأسماء لا زالت اليونان تفرض على المقيمين عندها أسماء يونانية كما أن الاتراك يفرضون على كل متجنس اختيار اسم تركي .
وفي كل الحالات اعتبار الموضوع متعلق بحقوق بعض الافراد ذوي الاصول غير التونسية أو غير المسلمين، يمكن أن يفتح المنشور الجديد استثناء لا أن يلغى ما قبله. فعندما تكون حالة جزئية، فالمفروض قانونيا وإداريا أن يتعامل معها بحجم جزئيتها .... صياغة التعديلات القانونية بذلك العموم حيلة ماكرة لتحويل الشاذ إلى أصل، وهو اتجاه خفي تسرب الى المنظومات الإدارية والقانونية يفتش عن كل ما له علاقة بالهوية الثقافية للشعب من أجل إلغاء كل ما يعطيها خصوصية في المنظومة . وتذكروا في هذا الإطار مشروع الحريات الفردية الذي أعدته لجنة بشرى بالحاج احميدة ....
وللإشارة فقد كانت عمليات التغيير التي استهدفت المرجعية الاسلامية لكثير من الشعوب، بدأت بتغييرات تبدو في الظاهر جزئية تتعلق بالأسماء والأزياء وما اليها، ولكنها من حيث العمق استهداف في الصميم لها من حيث رمزيتها ودلالتها و" سلطتها" الثقافية .... يمكن تتبع ذلك في كثير من البلدان الإسلامية الطرفية التي طالها الاستهداف مع بواكير القرن العشرين كالبانيا مثلا.
ألاحظ في هذا الصدد بأسف كبير، أن دولة بورقيبة وبن علي بقدر ما يمكن ان نوجه لها نقدا جذريا في مجال الحريات والمناويل التنموية، بقدر ما نقدر حذرها و يقظتها في ما يتعلق بالجوانب الثقافية برغم انفتاحها الثقافي.
الطريف أيضا أنه برغم الضغوطات التي مورست على الدولة التونسية في عهد بن علي في هذا الإطار، إلا انها استطاعت الصمود بقدر محترم، وفي المقابل كانت دولة ما بعد الثورة - التي كان للحزب ذي المرجعية الاسلامية تواجد متواصل ومؤثر فيها - شهدت ما يشبه الانهيار من هذه الزاوية، وهذا هو أحد وزرائها يمضي آخر منشور له يصب في نفس الخانة في تناول سطحي للمسألة ذاهلا عن أبعادها القيمية والثقافية.
والطريف أيضا أنه لا أعتقد أنه توجد صرامة في تطبيق المنشور القديم. ونحن نلاحظ أن الناس تسمي أبناءها بكل حرية بما فيها استعمال أسماء أعجمية، ولم نسمع بأي حالة تدخلت فيها مصالح الحالة المدنية لتمنع تسمية إنسان .
تاريخ أول نشر 2020/7/19