تابعت حوار أصدقاء على الفضاء الأزرق حول ما تتهم به النهضة مما يعرف باسم "خطة التمكين" والمقصود به الخطة التي تهدف حسب مروجيها للاستيلاء على الدولة بل وبسط سيطرة الحركة على الدولة والمجتمع. وتقدم هذه الخطة باعتبارها نقيضا لمفهوم الديمقراطية ومن ثم إسقاط كل "ادعاءات" حركة النهضة بقبولها الخيار الديمقراطي سواء في التعامل مع الدولة أو مع المجتمع. ومن هنا فقد شرع هؤلاء لأنفسهم كل أعمال الإفساد والإفشال لمبادرات النهضة سواء من خلال مساهمتها في الحكم في الحكومة أو في البرلمان أو غيرهما في مختلف مؤسسات الدولة، بل حتى دورها في مؤسسات المجتمع المختلفة. حتى أصبح وجود حركة النهضة في أي مؤسسة من مؤسسات الدولة والمجتمع مدعاة لاستنفار هستيري تحت شعار مقاومة "تغول" النهضة وإفشال خطة "التمكين" الشيطانية التي تسعى إلى القضاء على "النمط المجتمعي التونسي الحداثي الأصيل" !!!

ذلك أن النهضة عند هؤلاء "تتمسكن" الآن ل"تتمكن" وعندما تتمكن ستظهر ما كانت تخفيه وسينقشع رداء الديمقراطية الزائف ليبرز مشروعها الحقيقي ألا وهو "أسلمة المجتمع وتطبيق الشريعة".

وهؤلاء لا يعدمون أمثلة على دعواهم في فلتات اللسان وفي ردود الافعال التي تنتج عن أعمال الاستفزاز التي يقومون بها باحترافية مع قواعد النهضة غالبا ويسقط فيها حتى بعض قادتها أحيانا.

والحقيقة التي يعلمها جيدا من يقفون وراء خطة الهجوم على النهضة باسم مقاومة خطة التمكين، هو انهم يقومون بعمل جوهره مقاومة النهضة كمشروع منافس عجزوا ويعجزون عن إسقاطه بالصندوق فليس هناك من طريق آخر غير تحويله إلى مشروع تآمر على الدولة والمجتمع.

والطريق إلى التآمر هو اختلاق الأجندات السرية أو الموازية وتحويل كل عمل مشروع أو سلوك طبيعي لكل الأحزاب إلى خطة تغول وتمكين واستيلاء.

وهي رؤية تنطلق من تصور لا تاريخي ينفي قصدا عن الحركة سنة التطور والمراجعة والنقد الذاتي ولا يعترف لها بالتحول في افكارها ومراجعة مسيرتها وتصحيح مسارها.

وفي نفس الوقت لا ينظر لما يمكن ان يكون باقيا من أفكار الماضي لدى القواعد أو بعض القيادات إلا على انه الوجه الحقيقي الذي تحاول القيادة إخفاؤه بالتكتيك ولكنها لا تنجح...

وهم يعرضون قصدا على الجهد المزدوج الذي تبذله الحركة لإقناع خصومها وفي نفس الوقت توجيه قواعدها وأنصارها وتعميق وعيهم برؤيتها.

والمتأمل في تاريخ الافكار وفي تطور الحركات يعرف جيدا انها بعيدة عن التنميط الساذج وانها فقط رهينة صدور قرار تنظيمي أو حزبي ونشر بيان أو خطة ... إنها عملية معقدة من "التخلية" و"التحلية" ومن "الإفراغ" و"الملئ" ... عملية معقدة تعقد الإنسان وتعقد الحركات والمجتمعات ولا وجه فيها للصور المدعاة من القطائع المتخلية الساذجة.

ما يهم الباحث الحصيف هو تبين الخط الرئيسي الذي عليه الحركة ... هل هو يتقدم نحو التمسك بتحولها تنظيرا وممارسة ام انه ينتكس.

لقد انطلق تحول الحركة مبكرا وكانت مراجعاتها مبكرة كذلك، ولم تثبت على أي رؤية تمسكت بها من الافكار "المستوردة" غير برهة من الزمن قصيرة، لا بل إنها شهدت ظاهرة غريبة، حيث انها ما تكاد تأخذ قرارا في اتجاه معين حتى تنتقل منه إلى غيره بعده بقليل. وهو أمر مفهوم من خلال نشاتها على يدي شباب، كبرت معهم وكبروا معها، فما كادت الحركة تقترب أكثر فأكثر إلى الرؤية الإخوانية حتى انتقلت منها فكريا سريعا وناقضتها عمليا بعيد ذلك، ولولا ان الحركة تعرضت لحملة اعتقالات سنة 1981 لكانت نشبت جدالات فاصلة مع حركة الإخوان. ذلك أن خيار الإعلان وما صاحبه من مواقف اغلبها إن لم يكن كلها على يسار الفكر والتنظيم الإخواني السائد مثل موضوع الحرية، والعمل السياسي، والقبول بالخيار الديمقراطي، وبالتعددية، والقانونية، والمراة وغيرها من القضايا التي لم يصل إليها تنظيم الإخوان إلا بعد 15 سنة ... كل ذلك كان بعيدا عن الرؤية الاخوانية المصرية التي كان يتبناها لذلك الوقت الفصيل الأم للحركة.

لا يخفى على كل متابع إلى ان "الغرف المظلمة" التي كانت تدير خطة مواجهة النهضة تعرف ذلك وتدركه ولكنها تتجاهله قصدا، فلا يمكن ان يصدق عاقل ان رموزا فكرية وسياسية تروج لفرية التمكين والتغول اقتناعا بها، وإنما هو استعمال سلاح قذر لا تاريخي ولا واقعي ولا منطقي من اجل قطع الطريق على منافس لم تجد سبيلا لمقاومته غير التآمر عليه بفرية التآمر.

أعود لفرية " التمكين" ... واقول إنها فرية، فليس المقصود بها غير قطع الطريق على الحركة في ممارسة حقها الطبيعي في التروج لفكرتها وإقناع الشعب بها وأيضا ممارسة حقها في تنفيذ برنامجها برجالها وفق الاصول التي تقتضيها الديمقراطية في كل الدول.

لم يكن للحركة في تاريخها السري والعلني "خطة تمكين" لا بالاسم ولا بالمضمون الذي يدعيه هؤلاء. والاستراتيجية المؤقتة التي تم اعتمادها في المؤتمر الرابع للحركة تتحدث عن خطة الحركة كاهداف عامة وليس برنامجا دقيقا ولم ترد فيه كلمة التمكين إلا بالمعنى العام : التمكين للعمل الدعوي والثقافي والاجتماعي باعتباره المرحلة الاولى من مراحل الخطة.

كانت كلمة التمكين تستعمل كلفظة عامة لبلوغ الحركة مرحلتها الأخيرة، وهي كلمة شاعت عند الحركة الاسلامية تأثرا بالثورة الإيرانية التي كان إعلامها يستعمل الآية القرآنية: "ونريد ان نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين، ونمكن لهم في الأرض ونري فرعون وهامان وجنودهما ما كانوا يحذرون".

لقد كانت الحركة تسير قدما نحو رؤية إسلامية متميزة، صمدت رغم الامتحانات الشديدة ولم تشهد انتكاسة، مثلت تميزا لتدين تونسي استلهم قيم الإسلام برؤية أصيلة ومنفتحة، وكانت كلما انفتخت لها أبواب العلنية والقانونية تزداد تجذرا في رؤيتها، وتزداد التحاما بشعبها. وبقدر ما اعطته من دفقها الأول، كانت على استعداد للالتحام بشخصيته الأساس إذ هي منه وإليه ... وكما كانت ولا زالت فاعلة فيه كانت أيضا منفعلة به ...

كانت فرية التمكين مستوردة ساقتها لتونس أجندة المخابرات الأجنبية وذيولها في الوسط الإعلامي والثقافي ولم يكن لها في واقغ الحركة من نصيب.

ومن الطريف ان مصطلح التمكين دخل مؤسسات الأمم المتحدة وكان شعارا لبرنامج كامل تلقفته الدول والجهات الاعلامية والثقافية بدون حساسية تذكر وهو "التمكين المرأة" ... فهل ان برنامج التمكين للمرأة برنامج تآمر عليها وعلى الدول؟